آسفي ـ صلاح الدين عابر

"أنت معلَّق بالسقف لعدة ساعات، عضلاتك تصرخ ألماً، والصعقات الكهربائية تهزُّ جسدك، ويُسكب الماء في فمك قسراً، فتعتقد أنك تغرق. تتعرض للاغتصاب وللإعدام الوهمي ولكل ما يمكن أن يكسر إرادتك ويرغمك على الخضوع والاستسلام كي توقِّع على اعتراف أو تقدم معلومات. أنت محجوب عن أنظار العالم، وتعتقد أنك منسي وأنك لوحدك".

بهذه الافتتاحية التحريضية على التحرَّك، بادرت منظمة العفو الدولية إلى إطلاق حملتها العالمية لمناهضة التعذيب في العالم التي ستمتد إلى سنة كاملة، و كان المغرب واحدا من البلدان التي رأت المنظمة أنها تخطو خطوات إلى الـوراء، و أن قليلاً من الضغط يمكنه ان ينقد البلاد و يرغمها على التقدم في مجال حقوق الإنسان.

علي عراس، واحد من المغاربة الذين تؤكد المنظمة تعرضه للتعذيب بأشكال وحشية، و بحسب المنظمة، تعرَّض علي للتعذيب لمدة 12 يوماً على أيدي موظفين حكوميين في المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني. وقد احتُجز بمعزل عن العالم الخارجي في مركز اعتقال سري في مدينة تمارة ، حيث قال إنه تعرَّض للضرب على باطنيْ قدميه وللصعق الكهربائي على أعضائه التناسلية والتعليق من الرسغين لفترات طويلة.

وبهذا الخصوص، قال فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاعتقال التعسفي إن علي قد أدُين استناداً إلى أساس واحد وهو الاعتراف الذي انتُزع منه تحت وطأة التعذيب.
تُطالب أمنيستي اليوم المغرب، إطلاق فوراً علي عراس، وتُوجه نداء إلى وزير العدل و الحريات وتدعوه إلى اصدار أوامر بفتح تحقيق مستقل ومحايد في حادثة تعذيب على عراس، وإعادة النظر في قضيته في إطار محاكمة عادلة، واستبعاد أية اعترافات يتم الحصول عليها تحت وطأة التعذيب والإكراه.

هل أنتهى زمن التعذيب في المغرب ؟

المثير و المذهل في المغرب، أن النخبة السياسية و المثقفين و الحقوقيين من داخل اسوار السلطة، يُجمعون على ان المغرب تخطى زمن التعذيب و المعاملات القاسية، و سرعان ما أصبح موضوع التعذيب و ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة لحقوق الإنسان يقض مضاجع الحاكمين و السلطة بشتى تلاوينها، لقد صار سياسيو المغرب يُعاملون ملف حقوق الانسان و كأنه خط أحمر مُعتبرين ان البلاد قطعت مع زمن الانتهاكات.
لكن تكاد تكون مراراً، تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية غير الحكومية و الوطنية منها، ترسم صورة قاتمة على الأوضاع في البلاد، تُبكي السياسيين و كأن شيئاً تم ضربهم به على وجوههم، ثم يخرجون لكي يُكذبوا كل ذلك و يتهمون المنظمات بالعمالة و خدمة اجندة الغير.

لقد برهن المغرب، على نيته الحقيقية في القطع مع العهود القديمة و التي كرس الملك الراحل الحسن الثاني من خلالها، تاريخ قاتم في مصير " الـمخزن "، " القطع مع العهود القديمة " و ذلك عبر اغلاق سجن تازمامارت عهدة الانصاف و المصالحة و الاعتراف بـ سنوات الرصاص ، ثم فيما يلي توقيعه على عدد مهم من الاتفاقيات الاطارية الأممية في شأن حقوق الإنسان، و اخذ الملك محمد السادس على عاتقه تعهدات هي ايضاً تُعد مهمة في الحقل السياسي و الحقوقي.

لكن الذي لا يغير شيئاً في الواقع، هو ما يوجد أصلا على ارض الواقع، لا تزال أجهزة الضابطة القضائية و المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني بحسب عدد من الحقوقيين في المغرب و منظمات حقوق الانسان الدولية يُمارسون أبشع الانتهاكات في حق مواطنين مغاربة وأكثر نشطاء و سياسيين و مُدافعين عن العدالة الاجتماعية او مُطالبين بها.

في مدينة آسفي، على المحيط الأطلسي – على سبيل المثال و ليس الحصر، تعرض عدد من النشطاء للانتهاكات حقوقية رصدت في حقهم عبر شهادات تم توثيقها، وفاة مُتظاهر على ايادي عناصر الأمن و تعذيب عدد من النشطاء.

يقول " ياسين المهيلي " و هو أحد المعتقلين الحراك الاجتماعي في آسفي سنة 2011 الذين تعرضوا الى التعذيب حتى اصيب بإعاقة جسدية و بات لا يقوى على المشي، أنه تعرض للتعذيب عبر اجلاسه على كرسي و تهديده بالاغتصاب، إضافة لكل هذا ، تعرض لمساومة مالية من طرف أجهزة الأمن في المدينة مقابل التنازل عن شكايته و متابعته .

وأوردت " جماعة العدل و الاحسان المحظورة " أن الأمن قتل المتظاهر " كمال العماري " و تهاون في ملاحقة المُتهمين تكريساً للإفلات من العقاب.
و من جهتها قالت الجمعية المغربية لحقوق الانسان – فرع آسفي، في اتصال مع موقع "بديل" إن عناصر الأمن بقيادة الضابط " ع ـ م ـ ح " تم رمي محمد بودروة حينما كان يقوم باعتصام فوق وكالة التشغيل و الكفاءات المهنية، و سقط على الأرض مقتولاً. و عوض محاكمة المتهمين، تم تنقيل اغلبهم من المدينة في اتجاه مُدن أخرى.

هكذا تبدو الحصيلة، جرائم مرتكبة و افلات من العقاب، و مزيداً من سجن النشطاء و معاملتهم معاملة قاسية، أمام تعنت مؤسساتي وعدم تفعيل القوانين الدستورية، يظل المغرب يخطو الى الوراء وتنكب عليه الكثير من التقارير التي ترسم صورة قاتمة على البلاد، فهل ينفع انكار السياسيين من قلب الدار ؟