خالد أوباعمر ــ لمنع الإجراءات التعسفية وللمحافظة على الحقوق والحريات الشخصية، وعلى حرمة المساكن من الانتهاك والاعتداء وضعت معظم الدساتير الدولية والتشريعات الجزائية الوطنية والاتفاقيات الدولية، الضمانات والقواعد والأسس التي تقوم عليها أحكام تفتيش المساكن. وهي الأسس والضمانات التي تم التنصيص عليها في بعض التشريعات السماوية. فما الذي يقصد بالتفتيش؟ وما هي شروطه؟ وعلى أي أساس يتم؟

عرف الدكتور رؤوف عبيد التفتيش على أنه "البحث عن الحقيقة في مستودع السر وهو إجراء من إجراءات التحقيق الابتدائي بالمعنى الضيق ولا يجوز القيام به لمجرد الكشف عن جريمة محتملة بل لا بد أنه لا يكون إلا بعد ظهور الجريمة فعلاً واتجاه الشبهات فيها إلى متهم معين بالذات "

وعرفه الدكتور مجدي هرجة بأنه" إجراء من إجراءات التحقيق التي تهدف إلى ضبط أدلة الجريمة موضوع التحقيق وكل ما يفيد في كشف الحقيقة من أجل إثبات ارتكاب الجريمة أو نسبها إلى المتهم وينصب على شخص المتهم والمكان الذي يقيم فيه ويجوز أن يمتد إلى أشخاص غير المتهمين ومساكنهم وذلك بالشروط والأوضاع المحددة في القانون "

أما الدكتور محمود مصطفى فقد عرفه بكونه "إجراء يقوم به موظف مختص للبحث عن أدلة مادية لجناية أو جنحة وذلك في محل خاص أو لدى شخص وفقاً للأحكام المقررة قانوناً"
من خلال هذه التعريفات، يرى المحامي موسى أبو دهيم في تقرير أعده حول تفتيش المساكن1 ضمن سلسلة التقارير القانونية التي تنجزها الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطن، أن " التفتيش هو إجراء من إجراءات التحقيق يقوم به أعضاء الضابطة العدلية أو من يؤذن له بالبحث في مكان معين عن أشياء محددة تتعلق بموضوع التحقيق، وهو الاطلاع على محل منحه القانون حرمة خاصة، ويكون الهدف من ذلك ضبط ما يفيد في كشف الحقيقة عن جريمة معينة وقعت بالفعل".

شروط التفتيش الموضوعية

1 يجب أن تكون هناك جناية أو جنحة. أي لا بد من وقوع فعل يعد في نظر القانون جريمة لكي يتم التفتيش .....
2 التفتيش بحضور المتهم أو من ينيبه أو شاهدين والغاية من ذلك هي التحقق من الأشياء التي تم ضبطها بناء على التفتيش كانت موجودة في المكان الذي خضع للتفتيش....
3 وجود أشياء أو إمارات قوية أو أوراق في منزل المتهم تفيد في كشف الحقيقة...
4 أن تكون هناك فائدة من التفتيش...

شروط التفتيش الشكلية

1 أن يقوم بالتفتيش رجال الضابطة القضائية أما رجال السلطة الذين لا صفة ضبطية لهم فلا يجوز لهم القيام بذلك لأن التفتيش عمل من أعمال التحقيق يجب أن يحاط بالضمانات التي تحافظ على حرمة المساكن وتمنع من تفتيشها إلا وفق أحكام القانون..
2 اصطحاب كاتب لضبط جميع الأشياء التي يراها ضرورية لإظهار الحقيقة وتوثيقها في محضر.

توقيت التفتيش

المبدأ المقرر عالميا هو عدم جواز إجراء التفتيش ليلا حفاظا على راحة وحرية الأشخاص غير أن هذا المبدأ لديه استثناء له علاقة بحالة التلبس - الجرم المشهود- وهناك من يستثني التفتيش الذي بدأ نهارا فيصح أن يستمر ليلا....
لهذا ففي الحالات العادية أغلب التشريعات تحظر التفتيش ليلا - مثل المغرب- من الساعة التاسعة ليلا إلى الساعة السادسة صباحا.

حرمة المسكن في الدين الإسلامي وفي المواثيق الدولية وفي القوانين الأساسية والتشريعات الجزائية.

في القرآن

"يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلك خير لكم لعلكم تذكرون، فإن لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم، وان قيل لكم أرجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم"

في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان " المادة12"

" لا يجوز تعريض أي أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو أسرته أو مسكنه أو مراسلاته أو لحملات على شرفه وسمعته، ولكل شخص الحق في حماية القانون من مثل هذا التدخل أو تلك الحملات"

في العهد الدولي حول الحقوق المدنية والسياسية المادة "17"

1 لا يجوز تعريض شخص على نحو تعسفي أو غير قانوني لتدخل في خصوصياته أو شؤون أسرته أو بيته أو مراسلاته ولا لأي حملات غير قانونية تمس شرفه أو سمعته.
2 من حق كل شخص أن يحميه القانون من مثل هذا التدخل أو المساس.

في الدستور المغربي " الفصل 24"

لكل شخص الحق في حماية حياته الخاصة.

لا تنتهك حرمة المنزل. ولا يمكن القيام بأي تفتيش إلا وفق الشروط والإجراءات التي ينص عليها القانون.

وفي هذا السياق نص الدستور الأمريكي على" حق الأفراد في أن يكونوا آمنين في أشخاصهم ومساكنهم وأشيائهم من أي تفتيش، ويجب أن لا يصدر أمر تفتيش إلا إذا استند إلى سبب معقول مقرون بقسم ومبيناً بالتحديد المكان والأشخاص والأشياء المطلوب ضبطها"

الإذن بتفتيش المسكن

يجمع فقهاء القانون على أن الندب لإجراء التفتيش عمل من أعمال التحقيق، باعتبار أن الندب لأي من أعمال التحقيق هو من حيث طبيعته عمل تحقيق. ويشترط لصحة الإذن بالتفتيش كما هو معمول به في عدد من التشريعات الجزائية الوطنية في عدد من الدول، ما يلي:

1 أن يكون مسبباً: يشترط فيمن يصدر الإذن بالتفتيش أن يكون مختصاً أصلاً بالتحقيق في الجريمة التي صدر الإذن من أجل البحث عن أدلتها.
ومن أجل تسهيل مراقبة المبررات القانونية للتفتيش، ولكي تكون النتائج التي يسفر عنها هذا الإجراء الخطير محل ثقة المحكمة حين الاستناد إليه في الحكم، لا بد من تسبيب إذن التفتيش.

2 أن يحدد الشخص المندوب للتفتيش.

3 أن يستوفي أذن التفتيش الشكل القانوني: يجب أن يكون الإذن بالتفتيش مكتوباً ومؤرخاً وموقعاً من قبل من أصدره، ويجب أن يكون صريحاً في الدلالة على التفويض في مباشرة التفتيش؛ كما ويجب تحديد نوع الجريمة التي يهدف إلى التوصل إلى دليل بشأنها، إضافة إلى تحديد محل التفتيش والفترة الزمنية لسريان مفعول هذا الإذن. أما فيما يتعلق بنوع الجريمة، يجب أن يذكر مصدر الإذن إن التفتيش يتعلق، مثلاً، بالبحث عن أمتعة مسروقة أو عن أدلة قتل أو مواد مخدرة. أما بالنسبة لمحل التفتيش، فيجب أن يبين الإذن المسكن المراد تفتيشه، مع العلم أن وصف المكان لا يلزم فيه أن يكون وصفاً فنياً.
فكل ما يطلبه القانون هو تحديد ما يلزم القائم على التفتيش لغرض التعرف على المكان المقصود والأشياء التي ينبغي البحث عنها.

4 أن يكون الإذن محدد المدة: يشتمل الإذن عادة على تحديد مدة معينة ينبغي تنفيذ التفتيش خلالها، وعندئذ يجب على مأمور الضابطة العدلية تنفيذه أثناء سريان المدة المحددة، وأن لا تطول هذه المدة إلى الحد الذي يجعل المتهم مهدداً بالتفتيش لفترة طويلة. فإذا انقضت المدة المحددة في الأذن وتم التفتيش بعد ذلك، فان هذا الإجراء يعتبر باطلاً ولا يؤخذ به أمام المحكمة.

5 أن ينفذ الإذن بطريقة معقولة: الأصل أن تنفيذ التفتيش ينبغي أنيتم بطريقة معقولة وباللجوء إلى الوسائل التي لا تثير الفزع والخوف.ورغم أن القانون لم يعرف تلك الوسائل،لكن يجب على من يقوم بالتفتيش الترفق بالناس فلا يتلف أو يخرب ولا يلقي أو يبعثر ولا يصادر إلا لضرورة ولا يحيط إجراء التفتيش بالعنف والضجة ولا يباغت امرأة أو طفلاً، وعليه أن يتمهل كلما وجد نائماً أو مريضا، لكن يجوز اللجوء إلى القوة لدخول المنزل المراد تفتيشه إذا صادفت القائم بالتفتيش عقبة تحول دون الدخول إليه بالطريق العادي فيجوز عندئذ اقتحام منزل المتهم من الشرفة إذا تعذر دخوله من بابه.

عنصر الرضا في تفتيش المسكن

لقد أستقر القضاء والفقه على أن رضاء صاحب المنزل بتفتيش منزله يسقط البطلان، بمعنى أن التفتيش يجوز للضابطة العدلية في غير الحالات التي حددها القانون إذا كان ذلك بناء على موافقة صاحب الشأن، لأن تقييد المشرع التفتيش بضوابط معينة إنما قصد منه حماية حرمة الأشخاص ومستودع أسرارهم.
إذا أراد الشخص التنازل عن هذه الحماية كان له ذلك، بمعنى أن الحق في حرمة المسكن من الحقوق التي يجوز التصرف فيها، ومن هنا يحق لصاحب المنزل التنازل عن حصانته فيسمح للغير بدخوله للإطلاع على ما فيه.

ويشترط لصحة الرضاء بالتفتيش توافر الشروط التالية:

1 أن يصدر الرضاء ممن له صفة إصداره، فالأصل أن يصدر عن الشخص المراد تفتيش منزله. فإن تغيب عن المنزل أمكن أن يصدر ممن يعد حائزاً له وقت غيابه بأن يقيم معه بصفة مستمرة كالزوجة والابن البالغ والأخوة.
2 أن يكون الرضاء صادراً عن إرادة معتبرة قانوناً، أي إرادة حرة واعية، فإذا كان التفتيش وليد التهديد كان باطلاً. كما يبطل التفتيش إذا صدر الرضاء عن عديم الأهلية كالمجنون أو القاصر.
3. يجب أن يكون الرضاء صريحاً، فلا يكتفي بالرضاء الضمني الذي ينتج عن السكوت. إذ من الجائز أن يكون هذا السكون منبعثاً من الخوف.
الشخص العادي غالباً ما يجهل إذا لم تتوافر الشروط التي يجوز فيها التفتيش، ولذلك فإنه حين يسكت قد يفعل ذلك على مضض، معتبراً أن مأمور الضبط يعمل بمقتضى القانون.

عن محضر تفتيش المسكن

محضر التفتيش هو الملف الرسمي الذي يتضمن الوقائع والإجراءات والأعمال التي يقوم بها رجال الضابطة العدلية أثناء تفتيش المساكن والمثبت فيه الأشياء والأوراق المتعلقة بالجريمة التي تم التفتيش بشأنها. وتحرير محضر التفتيش يجب أن يتم من قبل الذين قاموا بالتفتيش، سواء في حالات التلبس أو في الحالات الأخرى. محضر التفتيش هو الذي يدل على صحة الإجراءات التي اتبعوها وهو الشاهد على شرعية تصرفاتهم وعلى كيفية إجراء التفتيش. وتحريز المضبوطات من الشروط التي يلزم تنفيذها بعد إتمام عملية التفتيش خوفاً من العبث بها أو محاولة استبدال بعض الوثائق وتغييرها. العبث في هذه المستندات قد يؤثر على نتيجة الحكم في القضية.

خلاصة لابد منها

التفتيش إجراء من إجراءات التحقيق الابتدائي، يقصد به الاطلاع على مكان له حرمة خاصة، للبحث عما يفيد التحقيق. ويعد التفتيش من بين إجراءات التحقيق الخطيرة والمهمة لأنه ينطوي على تعرض لحرية المتهم وحياته الحميمة في مسكنه. ولما كان إجراء التفتيش يمس حقوق الأفراد، سواء حرياتهم الشخصية أم حرمة مساكنهم، فقد أجيز لضرورة الوصول إلى وجه الحق. إلا أنه ينبغي أن لا يعدو نطاق الغرض الذي ابتغي منه.

و من اجل المحافظة على الحياة الخاصة للأفراد، وعدم المساس بحرمة المسكن، فقد وضعت المواثيق الدولية والدساتير والقوانين الوطنية شروطاً على رجال النيابة العامة ورجال الأمن التقيد بها تحت طائلة البطلان وأحيانا العقاب.

تتشابه غالبية هذه الشروط في مختلف التشريعات الدولية والوطنية. ومن أهم هذه الشروط والإجراءات أن يكون التفتيش بناء على إذن واضح وصريح من جهة قضائية أو من النيابة العامة. ومن المؤسف أن هذا الشرط قلما يتوفر عند قيام الأجهزة الأمنية في عدد من البلدان بعمليات التفتيش. حيث تلجأ هذه الأجهزة في كثير من الأحيان إلى عمليات تفتيش دون مذكرات تفتيش قانونية، إضافة إلى قيامها بعمليات التفتيش في ساعات الليل، واستعمالها القوة التي لا ضرورة لها من اجل القيام بعمليات التفتيش.
من المفضل أن تتم عمليات التفتيش في النهار، وأن تكون بأذن القضاء أو النيابة العامة وتحت إشرافها. كما أن عدد من حالات التفتيش التي تقوم بها الأجهزة الأمنية في عدد من الدول حسب ما ترصده تقارير المنظمات الحقوقية الوطنية أو الدولية لم يتم التقييد خلالها بشرط ضبط الأشياء وتحرير محضر بها.
ومن هذا المنطلق، يتعين على الأجهزة الأمنية ورجال الأمن أن يتقيدوا بشكل دقيق وصارم بكافة الشروط الموضوعية والشكلية لعملية التفتيش، والابتعاد في جميع الأحوال عن استغلال المنصب وجهل الناس بالقانون أو خوفهم من الأجهزة المذكورة.

1 : تقرير المحامي موسى أبو دهيم حول تفتيش المساكن هو أرضية هذا الموجز القانوني.