حميد المهدوي ـ داخل المحكمة الابتدائية بمدينة مكناس، وسط ممر ضيق، عرضه متر واحد ونيف تقريبا، يقف "بديل أنفو"، لقرابة أربع ساعات، من يوم الخميس 16 أبريل، في انتظار مثوله رفقة العشرات من المشتبه بهم، بينهم فتيان قاصرين، وذووا سوابق عدلية، أمام النيابة العامة، للتقرير في مصير الجميع.

حركة دءوبة لا تنقطع وسط الممر، وبين الفينة والأخرى يُشرْئِب شرطي، قوي البنية، برأسه، قبل أن يخبط بقوة بيده اليمنى الغليظة على الحائط، وهو يصرخ بصوت يهز معه أركان الممر قائلا: "الدائرة خمسة شكون معاه...هاذوا ديال إفران شكون معاهم... يا الله طلق راسك خلاص".

فجأة يخرج شاب أسمر اللون من مكتب وكيل الملك، قبل أن يضرب رأسه بقوة كبيرة مع الحائط، لدرجة شدت انتباه الجميع، "كون كان هاذ الشرجم مفتوح كون قُلْتلُوا رمي راسك منو"، هكذا يعلق الشرطي المذكور على حركة الشاب، وهو يشير إلى نافذة وحيدة تؤثث فضاء الممر.

رجل تعليم رفقة زوجة قاصر

غير بعيد عن "بديل. أنفو" تقف محامية، زوجة (مواطنة قاصر) عمرها 16 سنة، وبجانبهما رجل تعليم، يبدو من ملامح وجهه أنه في عقده الرابع، كان قد ضُبط رفقة الزوجة المعنية، يوم الثلاثاء الماضي، وهما متلبسين بجريمة "الخيانة الزوجية".
تحاول المحامية، إقناع زوج المتهمة بـ"الخيانة" بالتنازل عن الشكاية، لكن دون جدوى، رغم إغراء الزوج بمبلغ مليوني سنتيم، حيث ظل يردد "أنا ماتنبيعش وجهي بالفلوس"، قبل أن يدخل ضابط شرطة على الخط بشكل مثير وغريب، محاولا ثني المحامية عن مسعاها في إقناع الزوج بالتنازل عن شكايته.

وعن تفاصيل القضية، يحكي الزوج لـ"بديل. أنفو" أنه توجه يوم الثلاثاء الماضي، إلى منزل والدة زوجته لإقناعها بالعودة إلى منزلهما، بعد أن غادرته، مؤخرا غاضبة، ليفاجأ الزوج برجل تعليم رفقة زوجته، ما حذا به إلى استدعاء الشرطة، قبل اعتقالهما واقتيادهما إلى المحكمة، حيث قضيا 48 ساعة، رهن فترة الحراسة النظرية. في حين تُفيد الزوجة موقع "بديل. أنفو" برواية مناقضة لرواية الزوج، مفادها أن رجل التعليم هو من طلب الشرطة، وبأن حضوره لمنزل والدتها جرى بعلم زوجها، الذي يتملص من جميع واجباته الزوجية، لكن هذه الرواية الأخيرة لم تحض بقبول أغلب المستمعين لهذه الحكاية.

روائح نتنة وجرائم تافهة !

رائحة نتنة تُزكم الأنوف، وضجيج قوي يعُم الممر، بعد استقدام عدد كبير من المشتبه بهم.

أكثر ما يُثير الانتباه والاستغراب داخل هذا الفضاء الضيق؛ والمهين لآدمية وكرامة الإنسان، هو طبيعة الجرائم والقضايا التي بموجبها يمثل هؤلاء أمام وكيل الملك، فهذا أقفل الباب على أمه وتركها خارج المنزل من الساعة السابعة مساء إلى الحادية عشر ليلا، وهي بلباس منزلي، وذاك فقع إحدى عيني جارته بعد أن وجدها تتلاسن مع والدته، والآخر ضُبط في حالة سكر علني، ولا يجد كفالة لمغادرته المحكمة.

بقبعة فوق رأسه، و"ندوب" تغطي يده، يتكئ "عثمان"، ذو العشرين العشرين سنة، على الحائط، وهو لا يتوقف عن السب والشتم، بعد أن قضى 48 ساعة رهن الحراسة النظرية، بعدما ضُبط معه جزء صغير من "الحشيش" داخل جيبه، كما صرح لموقع "بديل. أنفو". يقول عثمان للموقع، والغضب يطفح من جيبه، "كايخليوا البزناسة الكبار، صحاب الكيلوات، ويجيبونا حنا على نبش ديال الحشيش، إلى كانوا بصح باغيين يحاربو الحشيش، يقضيوا عليه في كتامة". فيعلق صديقه الذي اعتقل معه، "هاذيك راها سميتها اللَّهايَةْ ديال الشعب، باش كلشي يبقى مبوق ما عارف آش طاري في هاذ البلاد".

"الأستاذ نوض، تعطلنا عليك بزاف" يقول الشرطي لموقع "بديل. أنفو"، بعد وقوف دام قرابة أربع ساعات، فيرد الأخير "لا بأس مستعد للوقوف هنا شهر بدون كلل وتأفف، فيعلق الشرطي بضحكة خفيفة، تظهر معها فقط أسنانه الأمامية.

نائبة وكيل الملك ترفض رد تحية السلام

إلى جانب نائب الوكيل الملك، تجلس نائبة عن الأخير أيضا، رفضت رد واجب تحية السلام، التي ألقاها الموقع عند دخوله وخروجه لأسباب مجهولة.
أكثر ما يثير انتباه واستغراب الموقع، أمرين الأول، هو نفي نائب الوكيل أن يكون المشتكي، الذي هو والي جهة مكناس تافيلالت، ذو طبيعة سياسية، فيبرهن المحامي الحبيب حاجي للمسؤول القضائي بأن الوالي هو من ينفذ سياسة الدولة في جهته، وهو الوصي على ممارسة المنتخبين السياسيين، التابعين لدائرة نفوذه الترابي، وبالتالي فوالي الجهة شخصية سياسية وإن ظهرت واجهته الإدارية.

وأما الأمر الثاني، هو حجم وعدد الأشخاص المعروضين على أنظار النيابة العامة، ما جعل الموقع يتساءل في قرارة نفسه: هل من السهل أن يتخذ المسؤول القضائي قرارا سليما ضد الماثل أماه بكل هذه السرعة، وهل تكفي المدة الزمنية التي يقضيها أمامه المشتبه به ليتخذ اتجاهه القرار السليم والقانوني؟

"مع كامل تقديري لك السيد وكيل الملك، اسمحلي لي أن أقول لك كلمة، الله وحده يشهد على صدقها، إني أجلس امامك الآن وأنا أشعر بيأس كبير من هذه الدولة، عار ثم عار أن أكون هنا، بدل مفسدين نشرنا جرائمهم بالوثائق والأدلة". يقول  موقع"بديل. أنفو" للمسؤول القضائي، الذي اكتفى بطلب التوقيع على قرار "الاستدعاء المباشر" لجلسة 18 ماي، بنفس المحكمة، بعد متابعة الموقع بتهمة "نشر خبر زائف ووقائع غير صحيحة، بسوء نية بغاية إثارة الفزع بين الناس، وإصدار جريدة غير مرخصة"، وهي التهمة التي يكفي للدلالة على حجم المهزلة الجديدة التي تورطت فيها الدولة المغربية، أن يكتب القارئ على محرك البحث "غوغل": مكناس.. انفجار سيارة" ليدرك أكثر أن الغاية من تحريك هذه المتابعة هي إخراس هذا الموقع المستقل والفاضح للفاسدين والمفسدين والمستبدين ليس إلا.

الاعتقال كان هو الوارد بقوة

كل المؤشرات تؤكد أن قرار الإعتقال كان واردا بنسبة تزيد عن "تسعين في المائة"، بحسب المحامين طارق السباعي والحبيب حاجي.  ويرى الأخير أن ما يرجح استبدال قرار الاعتقال  بقرار المتابعة في حالة سراح هو التعاطف الكبير الذي حظي به موكله من طرف النشطاء، إلى جانب الدفاع الكبير الذي أبدته هيئة الدفاع عن موكلها، لدرجة هدد معها حاجي والسباعي باعتصامهما داخل المحكمة إذا قررت النيابة العامة اعتقال موكلهما.