وصف دفاع الزميل حميد المهدوي، رئيس تحرير موقع "بديل. أنفو" جلسة محاكمة موكله، يوم الإثنين 29 يونيو، على خلفية خبر نشره موقع "بديل" قبل شهور، يهم أنباءً عن انفجار سيارة، بإحدى أحياء مدينة مكناس، (وصف الجلسة) بـ "ساعتين من الجحيم"، بعد "انفجار ملاسنات عنيفة" بين القاضي والدفاع، في أكثر من مناسبة.

و"تكهرب" الجو مباشرة عند انطلاق الجلسة، حين حاول المحامي طارق السباعي تمكين القاضي من نُسَخ لعشرات المقالات، كانت قد نُشرت على العديد من المواقع الإلكترونية الشهيرة، كلها تتحدث عن انفجار سيارة بمكناس، في وقت تؤكد فيه الشرطة أن السيارة فقط احترقت بالكامل دون حدوث انفجار، لكن القاضي رفض التوصل بها، رغم أن بعض هذه المواقع نشرت الخبر قبل يوم من نشره من طرف موقع "بديل.أنفو"، مقاطعا (القاضي) السباعي بكون هذه المناشير ليست موضوعا للمتابعة، ولا علاقة لها بها، الأمر الذي أثار حفيظة السباعي، ما جعله يحاجج بمقتضيات الدستور المغربي التي تجعل جميع المغاربة متساوين أمام القانون والعدالة، متسائلا عن سر مقاضاة موكله لوحده دون عشرات المواقع؟ ليخلص في الأخير إلى أن هذه المحاكمة "غير دستورية".

السباعي، عرج أيضا على منشور لوزير العدل يدعو فيه الوكلاء العامين ووكلاء الملك إلى عدم تبني الشكايات ضد الصحافيين، معتبرا السباعي تمرد النيابة العامة في ابتدائية مكناس على مقتضيات منشور وزير العدل، بتبنيها لشكاية والي جهة مكناس تافيلالت ضد موكله المهدوي بمثابة خرق لمبدأ "التراتبية الإدارية"، وهو ما يقضي، بحسبه، ببطلان المتابعة، قبل أن يُشير السباعي إلى أنه سيلتقي مساء اليوم بوزير العدل ضمن لقاء تنظمه جريدة "الصباح" بالدار البيضاء، وهناك سيخبر الوزير بما يُقترَف ضد منشوره وضد العدالة بصفة عامة خلال هذه المحاكمة، وهو القول الذي اعتبره القاضي تهديدا، فاستدار جهة كاتب الضبط، طالبا منه تسجيل ما وصفه بـ"تهديد المحكمة"، وهنا تدخل المحامي الحبيب حاجي طالبا تسجيل اسمه أيضا بأنه سيخبر الوزير بما ينوي السباعي إخباره به، ليلتحق بهما المحامي الدويري الذي قال للمحكمة بأنه أيضا سيخبر الوزير بما يجري ضد منشوره وضد العدالة بابتدائية مكناس.

وفي وقت كان فيه المحامي الحبيب حاجي يزكي كلام السباعي، حول منشور وزير العدل، استنادا إلى المادة 51 من قانون المسطرة الجنائية التي تفيد أن وزير العدل ينفذ السياسة الجنائية عن طريق الوكلاء العامين للملك، قاطعه القاضي، فـ"طبطب" حاجي على صدره، وهو يحاول إقناع القاضي بأنه محامي مستقل وعليه أن يأخذ حقه في الترافع، لكن القاضي اعتبر ضرب حاجي على صدره نوعا من الإهانة، مطالبا إياه باحترام المحكمة، فرد عليه حاجي "أنا أضرب على صدري وليس على صدرك، وأنا لا أمسح الكابة لأي قاضي، لقد ذهب زمن الركوع للقضاة اليوم هناك مفهوم آخر للمحامي"، وهو ما اعتبره القاضي كلاما غير لائق، فطلب من كاتب الضبط أن يسجل تصريح حاجي فتقدم صوبه الأخير وهو يصرخ بصوت عال: "سجل المحامي الحبيب حاجي من هيئة تطوان يقول المحامي مستقل" فتدخل المحامي الدويوي طالبا تسجيل اسمه أيضا وقوله ما قاله حاجي فانضم إليهما السباعي طالبا بدوره تسجيل اسمه وبأنه يتبنى ما قاله حاجي.

وأمام هذا الهرج والمرج امتلأت القاعة عن آخرها بمئات المواطنات والمواطنين والمحاميات والمحامين لدرجة أصبح يصعب معها الخروج بسهولة من القاعة.

طلب القاضي من الزميل المهدوي، ذكر اسم والده ووالدته وتحديد طبيعة مهنته، وهو ما استجاب إليه المعني وحين بادر القاضي بسؤاله حول موضوع المتابعة رد عليه الزميل المهدوي: السيد الرئيس المحترم أعتقد أني الحلقة الأساسية في هذه اللحظة القضائية، وإذا كان مرجوا تحقيق العدالة والإنصاف فإن ذلك لا يتحقق إلا بشعوري أولا بالإطمئنان لسير المحاكمة، وإذا لم يتحقق هذا الشرط فكيف لي أن أتفاعل مع أسئلتكم وأساعدكم في تكوين القناعة القضائية التي ستحكمون بها ضدي" هنا قاطع القاضي الزميل المهدوي داعيا إياه إلى الرد على سؤال مباشر بجواب مباشر، لكن الزميل المهدوي أصر على وجهة نظره وهي استحالة تحقيق العدالة وشعوره بالاطمئنان مادام الفعل الذي يتابع بسببه هو فقط خبر نقله عن عشرات المواقع الإكترونية الشهيرة، موضحا أن ناقل الكفر ليس بكافر، خاصة وأنه لم ينقل عن زعيم "البولساريو" أو مختل عقليا وإنما نقل عن مواقع شهيرة بعض مسؤوليها يصنعون السياسة الإعلامية في المغرب ويدبرون الحياة الصحافية مع وزير الاتصال، فتدخل القاضي مُقاطعا الزميل المهدوي، الأمر الذي أثار حفيظة دفاع المتهم لتعم جلبة وملاسنات عنيفة بين الدفاع والقاضي، وهنا تدخل الزميل المهدوي مخاطبا القاضي "السيد القاضي لقد جئنا إلى هنا لتقول العدالة كلمتها في حقنا ولم يكن بخلدنا أي موقف سلبي تجاه المحكمة، و إذا كان الحكم جاهزا ضدي فلا داعي لإضاعة وقتكم ووقت هؤلاء المحامون، احكموا بما شئتم وأنهوا هذه القضية" فرد القاضي مسرعا: "مرحبا".

ثم أصر الزميل المهدوي على مواصلة حديثه بقوله "السيد الرئيس الجلسة افتتحت باسم الملك والحكم سينطق باسم الملك، والملك هو بمقتضى الفصل 107 من الدستور الضامن لاستقلال السلطة القضائية وهو رئيس المجلس الأعلى للقضاء، كما أنه قال في خطاب ثورة الملك والشعب "المغاربة عندي سواسية"، ولم يستثن المواطن المهدوي من هذه القولة، وبالتالي أجد نفسي اليوم مدافعا عن الملك ضدكم لأن ما يجري أمامي إساءة بليغة لقولة ملكية، علما أن كلام الملك من القانون، قبل أن يقاطع القاضي الزميل المهدوي داعيا إياه إلى التقيد بموضوع المتابعة، التي سيحكم فيها باسم الملك، حيث أوضح الزميل المهدوي أنهم بهذه الطريقة يحاولون صدم مشاعره مع الملك، إذا جرى الحكم عليه خارج إطار المحاكمة العادلة، موضحا أيضا أن له أبناء وأسرة مطالب بتنشئتها على حب الوطن والمؤسسات فكيف يكون له ذلك وهو يشعر أنه باسم الملك يجري التعسف على أهم حق من حقوقه وهو الحق في محاكمة عادلة.

ثم تدخل المحامي الحبيب حاجي، محاولا إقناع القاضي بأن مواقع تحدثت عن الخبر قبل "بديل.أنفو" بيوم، وفي وقت كان يحاول فيه المحامي الحبيب حاجي توضيح أنه إذا كان خبر موكله قد أثار الفزع بين مواطني مكناس كما تدعي النيابة العامة، فإن بعض المواقع التي سبقته قد نشرت الخبر قبله بيوم، وبالتالي ستكون قد أثارت ما تزعمه فزعا بين المواطنين قبل أن يثيره موكله، فكيف للمواطنين أن يفزعوا مع خبر موقع "بديل" وهم سبق وأن فُزعوا قبل ذلك بيوم، علما أنه لا وجود لشكاية لأي مواطن عدا شكاية شخص تابع لوزير الداخلية الذي حرك شكايتين ضد الزميل المهدوي قبل ذلك بشهور في قضية المهندس بنالصديق والإتحادي أحمد الزايدي؟

النيابة طعنت بدفع أن الشكليات لا ينطبق عليها الفصل 323 من قانون المسطرة الجنائية لان جزء منها يتصل بالموضوع، مُوضحة أن هذا الفصل يتحدث عن شكليات المتابعة، غير أن النيابة العامة لم تجب حاجي بخصوص ما أثاره حول الفصل 51 من المسطرة الجنائية مكتفية بالاعتراف بوجود منشور لوزير العدل يقضي بعدم تبني الشكايات ضد الصحافيين.

القاضي ظل طيلة الجلسة يقاطع الدفاع دون انقطاع كما يقاطع الزميل المهدوي، وفي كل مرة لا تروقه كلمة من الدفاع أو المتهم يدير رأسه جهة كاتب الضبط ويقول له "سجل هذا.. " الأمر الذي دفع المحامي الدويري إلى توضيح بأن جهاز كتابة الضبط جهاز مستقل عنه ولا يمكن أن يأتمر بأوامره، محذرا القاضي من التسلط على كاتب الضبط، وهو القول الذي تبناه حاجي والسباعي في وقت ظل فيه المحامي صبري الحو يحاول تلطيف الجو بين الدفاع والقاضي كلما "احتقن الوضع أكثر".

وفي لحظة من لحظات الإحتقان صمت السباعي عن الكلام قبل أن يقول :"السيد الرئيس لقد أغلقت شهيتي عن الكلام بهذه الطريقة التي تقاطعني بها في كل مرة" فرد عليه القاضي: أنت أيضا "اغلقت شهيتي" فرد عليه السباعي وهو يطلب من كاتب الضبط أن يسجل جواب القاضي: "القاضي لا يحكم وهو غضبان".

لم يقف التوتر عند هذا الحد بل إن القاضي قال صراحة إنه لا يتضامن مع المهدوي وهو ما اعتبره الدفاع موقفا يفيد أنه ضده، موضحا الدفاع أن مرافعاته هدفها أن تقنع القاضي ببراءة موكله وبالتالي يصبح متضامنا معه في الأخير ويقضي ببراءته، لكن القاضي حسم الأمر بأنه لن يتضامن مع الزميل المهدوي، وهو ما يؤكد أنه ضده.

الزميل المهدوي وعند رده عن سؤال القاضي حول مصدر اخباره ذكر له أن مصدرها مواقع إلكترونية موثوقة موضحا أن هذا لا يعني بموثوقة تبنيه لرواية اخبار تلك المواقع، مستدلا في هذا السياق بأن الوزير الاول عباس الفاسي انتخبه المغاربة، وبالتالي هو حصل على ثقة المغاربة لتدبير شؤونهم وهو مصدر رسمي ومع ذلك صار "كذابا" في قضية النجاة حين وعد ازيد من 30 الف مغربي بالعمل في الإمارات قبل أن يكتشف الضحايا ان الأمر مجرد عملية نصب، راح ضحيتها العديد من المواطنين، غير ان القاضي مباشرة بعد ان سمع باسم الفاسي حتى ظل يقاطعه لكن الزميل المهدوي أصر على إبلاغ رسالته إلى نهايتها.

القاضي قاطع الزميل المهدوي بشدة، حين حاول الاخير أن يطلعه على محنه مع الحكومة وكيف تمتنع عن التجاوب مع اتصالاته الهاتفية مستحضرا كيف قال له "رئيس النيابة العامة إنه لا يعرف موقعا في المغرب اسمه "بديل" ومستحضرا كيف هاجمه رئيس الحكومة في مؤتمر بمراكش بكلمة نابية حين سأله فقط عن موقفه من ظهور مغنية على القناة الثانية فقط بـ"تُبَّان"، غير أن القاضي ظل يقاطع الزميل المهدوي رافضا مواصلته الحديث عن رئيس الحكومة، في وقت أصر فيه المتهم على توضيح أنه إذا كان رئيس الحكومة الذي هو رئيس النيابة العامة يسبه فكيف سيتعامل المرؤسون معه من والي جهة مكناس ووكيل الملك، خاصة وأن النظام السياسي المغرب بني على لغة الإشارات حيث يكفي إشارة من رئس ليتجاوب معها المرؤوس.

المثير أن دفاع المتهم كان يرافع لصالح موكله، وفجأة قاطعه القاضي، معلنا عن تاريخ للجلسة دون مراعاة وضعية المحامين، الذين تربطهم جميعا التزامات خلال ذلك الموعد الذي حدده القاضي، ليعم صراخ كبير وسط القاعة بعد أن أصر القاضي على انهاء الجلسة بشكل مثير، رافضا أي تجاوب مع الدفاع، ليقرر محامو الزميل المهدوي التجريح في القاضي بعد أن تأكد لهم بما لا يدع أي مجال للشك بأنه غير محايد في المحاكمة، بحسب الدفاع دائما.