بديل - إعداد : صلاح الدين عابر

في خطوة شبه عنيدة، سارعت الحكومة المغربية إلى عقد جلسة مراسيم توقيع عقود الاستثمار حول مشروع المحطة الحرارية في مدينة آسفي، يوم الأربعاء 17 سبتمبر،  في الوقت الذي يتجه فيه قادة دول العالم لعقد قمة المناخ التاريخية التي دعا لها الأمين العام للأمم المتحدة في23 سبتمبر بنيويورك، كما دعت أزيد من 600 منظمة بيئية عبر العالم للنزول في شوارع عواصم عدد من الدول للضغط على قادة العالم للخروج بقرارات صديقة للبيئة.

آسفي، استجابة للنداء، بكون انّ المدينة واحدة من المدن الأكثر تلوثا في المغرب، قررت التظاهر يوم الأحد 21 سبتمبر.

بداية المشكلة

في سنة 2011، و بالضبط يوم الخميس 8 شتنبر تفجرت كارثة من العيار الثقيل في مدينة آسفي المغربية التي تبعُد عن مدينة الدار البيضاء بحوالي 200 كلم جنوبا، حيث تسربت غازات سامة من " مركب كيماويات المغرب " الذي يبعد عن المدينة فقط بـ7 كيلومترات نتج عن ذلك إصابات و إغماءات في صفوف عدد من المواطنين الذين نُقلوا إلى مُستشفى المدينة ولم يستطع هذا الأخير تقديم يد المٌساعدة لهم بسبب ضعف الإمكانيات وغياب الأطر الطبية.

بالنسبة للمواطنين هنا بأسفي، ليست تسربات 2011 إلا إنذارا خطيرا من مركب بات يُشكل حالة هلع ورعب في أوساط الساكنة، خلفت هذه التسربات الكثير من الاحتجاجات في المدينة وتظاهر عدد كبير من المواطنين مُطالبين بالحق في التطبيب و الاستفادة من خدمات هذا المُركب واصفين إياه بالمعمل الذي يقتل الساكنة دون أن يُخلف أي أثر ايجابي على المستوى الاجتماعي و الاقتصادي، بالرغم من الثروة التي يجنيها بفضل  تصنيعه للعديد من المواد الكيماوية.

اليوم، حيث ما زال سكان مدينة أسفي يعانون من أخطار المركب الكيماوي، تفتقت ذهنية المسؤولين  و المكتب الوطني للكهرباء عن إضافة طامة جديدة، وهي إنشاء " المحطة الحرارية ". و بعدما رفض هذا المشروع في مدينة أكادير،ها هو يمُرر بدعوى أنه سيخفف من حدة البطالة التي يعيش فيها شباب المدينة، أما في الواقع تشير الإحصائيات الرسمية المُتحدثة عن مشروع المحطة الحرارية، أنه لن يتجاوز تشغيل أكثر من 800 شخص و أنه سينتج أزيد من 10 مليار كيلواط من الكهرباء في السنة.

إلا أن الخسائر في حق البيئة وحياة الإنسان، ستكون أفظع وستشهد مدينة آسفي أخطر مشروع صناعي مُضر في تاريخ المغرب، حيث ستنشأ المحطة الحرارية في منطقة " سيدي دنيال " وهي منطقة ساحلية تقع قرب المركب الكيماوي ، وستتكلف عدة مجموعات دولية بإنشاء هذا المركب " أنترناشيونال باور (المملكة المتحدة)/ناريفا هولدينغ (المغرب) و"أو دي إف أنترناشيونال (فرنسا) تشاينا دتانغ كوربورايشن  (الصين)".

وداعاً للبيئة و حياة الإنسان:

نموذج للهيكل الخاص بـ" المحطة الحرارية لتوليد الطاقة "

مشروع المحطة الحرارية بآسفي، سيكون بمثابة أخطر مشروع صناعي مُضر في تاريخ المغرب، و كتب  الاستاذ عبدالله النملي، كاتب وباحث في مقال له حول "المحطة الحرارية" بأن " المشروع سيستغل 400 ألف متر مكعب من مياه البحر لتبريد الآلات التي تشتغل تحت درجة حرارة جد مرتفعة، و التي سيتم إعادة طرحها في البحر، مُحملة بإشعاعات حرارية ملوثة، ستشكل حجابا فوق سطح البحر، فتمنع تسرب الأشعة الشمسية نحو الأعماق، فتقلص من معدل الأكسجين داخل البحر، مما سيتسبب في الاحتباس الحراري للبحر وسيؤدي إلى ترحيل الثروة السمكية "  وأضاف  النملي أن " اعتماد المشروع على المياه البحرية سيخلق بيئة لا هوائية تنشط فيها الميكروبات التي تعيش بعيدة عن الهواء، فتقضي على الثروة السمكية والنباتية، كما أن السموم التي تمتصها فواكه البحر داخل الوسط البحري، تهدد بانتقالها إلى الإنسان في حالة تناوله لهذه الفواكه ".

وأشار النملي إلى  أنه " باحتراق الفحم الحجري في المحطة الحرارية، ترتفع في الهواء انبعاثات ثاني أكسيد الكاربون وأحادي أكسيد الكاربون، اللذين يتسببان في ارتفاع الضغط الجوي، فيؤديان إلى سقوط أمطار حمضية ناتجة عن تكاثف ثاني أكسيد الكبريت وثاني أكسيد الكاربون بالجو، مما يتسبب في إتلاف النباتات وتعرضها للإحراق في أوراقها وأغصانها، وتشبع التربة بعناصر كيميائية سامة تمنع الإنبات. أما المواشي فتصاب بانحلال خلوي وانحطاط في النوع الحيواني، وظهور تشوهات خلقية ناتجة عن تناول أعشاب مشبعة بمواد سامة ".

إن التأثير على البيئة وحده كفيل بجعل مدينة أسفي مدينة دون مُستقبل وحياة مواطنيها في جحيم، وقد أظهرت النتائج أن الثروة السمكية في المدينة قد هجرت سواحل المدينة، كما تراجعت مرتبة ميناء أسفي، بعدما كان يحتل المرتبة الأولى عالمياً في تصدير السمك، وانخفض إنتاجه من 150 ألف طن سنة 1970 إلى أقل من 60 ألف طن حاليا، الشئ الذي  ترتب عنه تسريح الآلاف من العاملات و العمال المشتغلين بالنشاطات الإنتاجية في قطاعي تصبير السمك و الصيد البحري وما يرتبط بهما من الأنشطة الاقتصادية الأخرى المهمشة و غير المهيكلة، الأمر الذي أدى إلى المزيد من تفقير الساكنة،  و استفحال ظاهرة البطالة، و ما نجم عن ذلك من  تنامي مظاهر الإجرام، الدعارة، التشرد، والسكن العشوائي وتردي جودة حياة الساكنة، في ظل انعدام الإرادة لدى المسؤولين في أن يضمنوا للمواطنين أبسط أساسيات العيش الكريم من شغل و صحة و تعليم و سكن لائق و بيئة سليمة..

خطوط مرور حمولة الفحم الحجري – وطمر الرماد

إن التلوث البيئي بآسفي قد جعل صحة المواطنين في خطر، بفعل ما تسبب فيه المركب الكيماوي وحده  من تأثيرات سلبية و ضارة على سكان المدينة و محيطها  (هشاشة العظام ،الحساسية ، الربو، ضعف البصر و تشنج الخلايا العصبية ...) تلكم أهم الأمراض التي يعاني منها مُعظم السكان بآسفي لحد الآن، و سيزداد الأمر استفحالاً بإنشاء المحطة الحرارية بآسفي، في هذا الإطار يرى الباحث عبد الله النملي في مقال له حول بيئة آسفي أن " غاز ثاني أكسيد الكاربون الذي ترتفع كثافته في الجو عن الحد المسموح  به، نتيجة الأكسدة غير الكاملة للوقود، يؤدي اختلاطه بالدم إلى انخفاض نسبة الأكسجين، ومن ثمة إلى ارتفاع نسبة الإجهاد في عضلة القلب عند الإنسان، وتعرضه لأمراض الجهاز التنفسي، تصلب الشرايين السعال المزمن، ارتفاع ضغط الدم، هشاشة العظام، تساقط الشعر، قرحة المعدة، التهاب العين والحنجرة والأنف، الربو، الحساسية، التدهور التدريجي في حاسة السمع ،التوتر العصبي والحد من التركيز والإنتاجية ". مُضيفاً " أن تركيز مثل هذه الانبعاثات في الجو يؤثر كذلك على العمران، فيؤدي إلى صدإ المعادن وتآكل حجارة المباني والمآثر التاريخية ".

و الخطير في الأمر هو كيفية معالجة بقايا رماد الفحم الحجري الذي ستشتغل به المحطة الحرارية بآسفي  (الذي يقال أنه نقي، علما أنه لا وجود لفحم نقي،و يعلم الجميع أنه حتى الفحم العضوي قاتل، فما بالكم بالفحم الحجري الذي يحتوي على نسبة عالية من مادة جد سامة، الزرنيخ l’arsenic ، تفوق نسبته المعايير الدولية المتفق عليها، دونما حاجة للتشكيك في من يحدد هذه المعايير، وفي ما إذا كانت هذه الأخيرة تراعي فعلا صحة و سلامة الساكنة)  يقول أحد أعضاء شبكة الدفاع عن البيئة بآسفي، ويبقى السؤال  أين سيتم طمره وبأية مواصفات؟، والمؤكد لدينا أن مطامر رماد الفحم سيكون لها تأثير جد سلبي على الساكنة و على الفرشة المائية، بحيث لن تمس التأثيرات السلبية فقط سكان جماعة خط أزكان أو أيير، بل ستتسع بلواها لتعم كل الإقليم، بل الجهة كلها.

تقارير و جمعيات تدق ناقوس الخطر:

وقد أشار تقرير سابق أعدته وزارة إعداد التراب الوطني والماء والبيئة تحت عنوان " قضايا البيئة وجهود المغرب في مجال حمايتها " إلى أن " قطاع الطاقة يتسبب في نسبة 50 في المائة من الغازات التي تتسبب في ظاهرة الانحباس الحراري، ويعرف محور المحمدية و أسفي الذي يكثر فيه النشاط الصناعي أكبر نسبة تلوث هوائي بالمغرب.. ".

كما ذكر تقرير سابق للجمعية المغربية لحقوق الإنسان بأسفي، إلى أن سكان أسفي و محيطها يستنشقون من غاز الكبريتور المنبعث من مداخن المركب الكيماوي 10 مرات ما تستنشقه ساكنة باريس، وأضاف التقرير أن نسبة وفيات الجهة في الوسط القروي هي 99 في الألف، في حين أن النسبة المسجلة على الصعيد الوطني لا تتجاوز 69 في الألف، كما أن مجموع وفيات الرضع بنفس الجهة بلغ 88،8 في الألف، بينما المعدل الوطني هو 75،5 في الألف.

وسبق للمجلس الوطني لحقوق الناس، أن طالب الدولة بتحمل مسؤوليتها في ما يصيب سكان المدينة من تلوث، حيث أكد أن أغلب الانبعاثات الغازية الكثيفة ناجمة عن الزيادة في نشاطات المركب الكيماوي دون مراعاة شروط الصحة والسلامة والبيئة، ضاربا على سبيل المثال نموذج مغرب كيمياء باناش، حيث أكد أن عملية تسريب الغازات  تتكرر باستمرار في غياب آليات متطورة لغسل الغازات السامة، خصوصا تلك المنبعثة من المدخنات SO-2S0-3S0، بالإضافة إلى تسريبات و انبعاثات غازية بمذيبات الكبريت "fondoirs"، وكذا معامل الحامض الفسفوري بمغرب فسفور 1، إضافة إلى الانبعاثات الغازية بورش الحامض الكبريتي "atelier sulfurique".

أما شبكة الدفاع عن البيئة وضد مشروع المحطة الحرارية والتي تأسست في فبراير من السنة الجارية،  التي تخوض معركة ضد إنشاء هذا المصنع، اعتبرت توطينه كارثة بكل المقاييس، وفي السياق العام للحديث عن المشروع قالت الشبكة، " نحن في مدينة أسفي، جزء لا يتجزأ من الأخطار التي تهدد البيئة و تلويثها، لقد عانت ساكنة أسفي طوال عقود من التلوث الشامل الذي يسببه المركب الكيماوي في المدينة، الذي بسببه دمرت الثروة الطبيعية و هاجرت الأسماك و صارت الأمراض المزمنة تلاحق المواطنين كأمراض السل و هشاشة العظام و تساقط الشعر و التشوهات الخلقية لسكان المناطق المجاورة للمركب،وتشردت عاملات وعمال التصبير  وآلاف البحارة مما تسبب في هجرتهم من أجل تأمين لقمة العيش لأسرهم،فضلا عن وفيات العديد من عمال المركب الكيماوي بسبب السرطان كما تضررت المواشي و الفرشة المائية، و باتت أسفي مدينة مُهمشة و فقيرة مقارنة مع نسبة المساهمة الإجمالية للمنطقة في الناتج الوطني الخام ، وإلى يومنا هذا ما تزال هذه الأضرار مستمرة إلى أجل غير مسمى، ناهيك عن المزبلة الكبيرة التي تنفث الروائح الكريهة و السامة، إضافة إلى الأخطار البيئية لمعامل الجبس ومعمل الاسمنت الذي يستخدم أفران تحرق العجلات المطاطية وما تسببه من انبعاثات ضارة و سامة ".

وتساءلت مكونات الشبكة عن حال سكان مدينة آسفي، إذا تم توطين مشروع المحطة الحرارية  تعمل بالفحم الحجري و هو من أخطر المواد، و يُصطلح عليه بـ    “ الكربون الخفي ”  و هو السبب الرئيسي في الانحباس الحراري بحسب وصف الشبكة.

" بروباغاندا " الحكومة من أجل تمرير المحطة 

يدعي الخطاب الرسمي الذي يُدافع عن المحطة الحرارية، بكون أن المشروع يعتمد تقنيات متطورة و حديثة وضمنها ما يُصطلح عليه بـ" الفحم النظيف " بالنسبة للقائمين على المشروع، وهو مشروع " صديق للبيئة " .

وهو مايُعتبر بالنسبة لخبراء البيئة، ضربٌ من الخيال، مستشهدين بتلوث الهواء في الصين، الناجم في معظمه عن حرق الفحم الحجري، حيث يُعتبر مسؤولا عن وفاة أكثر من مليون شخص سنويا دون متوسط العمر.

" الحكومة المغربية، تهدف، إلى اثارة موضوع التشغيل لكسب رضى الناس رغم اضراره، يقول جلال عزب العرب،" و هو أحد المشاركين في تظاهرة 21 سبتمبر المنددة بتوطين المشروع،  فقد أعلنت فعلا الحكومة الأربعاء 17 سبتمبر اثناء ترأس رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران، مراسم عقود الاستثمار مع الابناك، عن تشغيل 400 شخص بشكل مؤقت في المصنع.

وقال يونس هميزة فاعل و ناشط حقوقي مغربي، " إن تمرير مشروع خطير هكذا،  أمام أعين المواطنين،  يفتقد لأبسط المعايير الدولية للبيئة و التي سبق و أن وقع المغرب على بعض من بنودها، قد يثير غضب الساكنة واحتجاجات قد تجر موجة من التحركات الاجتماعية الأخرى، و أضاف يونس "  إن الأمر يُعد في أصله انتهاكا للمواثيق الدولية لحقوق الإنسان المعمول بها خاصة  تلك التي تحددها منظمة البيئة التابعة للأمم المتحدة، و إن عدم إجراء خبرة بيئية و تقارير مُحايدة و دراسات مُعينة قبل الموافقة على هذا المشروع، لابد من أنه سيجر على المغرب كدولة وعلى مواطنيه مصائب عدة، قد تتجلى في عقوبات و إدانات من المنتظم الدولي و مجالس حقوق الإنسان ."