أطل علينا مجلس السيد عزيمان " المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي" خلال دورته العاشرة للجمعية العمومية المنعقدة الاثنين الماضي بالرباط، خلص خلالها إلى المصادقة على مشروع الرأي الذي يقضي بإلغاء مجانية التعليم في المدرسة العمومية، وبذلك فرض رسوم على العائلات المغربية لتعليم أبنائهم في المدارس العمومية، وهذا مؤشر خطير على أن المدرسة العمومية تباع في المزاد العلني بل هو تجاه مباشر وصريح لخصخصتها.
يا سيد عزيمان أين أنتم من إصلاحكم الذي تتبجحون به دون فرضه واقعا على التعليم العمومي، وإن كنتم تجهلون واقع هذا التعليم سنذكركم لعل الذكرى تنفعكم.
فالمدرسة العمومية المغربية تعاني نوعا من الارتجالية والتخبط، ويظهر ذلك في غياب معالم واضحة ونوايا حسنة لإصلاح التعليم لدى الحكومة المغربية. فعوض الارتقاء بالمدرسة العمومية وتجويد أدائها، نلاحظ أنها تتعرض لهجمة شرسة من طرف الحكومة المغربية بإيعاز من أجهزة صندوق النقد والبنك الدوليين للقضاء عليها وخصخصتها. فمثلا خلال بداية الموسم الدراسي الحالي صرح تلميذ يدرس بإحدى مدارس " تامسنا " بأنهم يجلسون بأعداد وصلت إلى ثلاثة تلاميذ وأربعة في طاولة واحدة وأنهم يحسون بالألم جراء التزاحم وتأثير الجزء الحديدي للطاولة عليهم، حيث أقسامهم تضم 60 و70 تلميذا في القسم الواحد. فهل نطالب تلميذا كهذا بأداء مقابل عن جلوسه على تلك الطاولة؟
لقد أصبح الاكتظاظ في الفصول الدراسية والخصاص المهول في الموارد البشرية المخصصة لقطاع التربية الوطنية مشيرين خطيرين دالين على ما آلت إليه أوضاع القطاع. خاصة بعد استغناء أو تسريح "إن صح التعبير" الوزارة لعدد كبير ممن تقدموا بطلبات التقاعد النسبي، حيث تم إفراغ المدرسة العمومية منهم وتسريحهم للعمل في القطاع الخاص، علاوة على المستفيدين أيضا من التقاعد العادي، ليبلغ العدد الإجمالي للمغادرين حسب تصريح الوزارة إلى 16.172 موظفا(ة) فضلا عن الخصاص التراكمي الذي يعرفه القطاع لمواسم دراسية متوالية فاق 20000 مدرسا بتصريح من وزير التربية نفسه، من جهة أخرى، فالخصاص أيضا قد مس الأطر الإدارية للمؤسسات، حيث تعيش مجموعة من المؤسسات على واقع غياب المديرين والحراس العامين، وخير دليل على ذلك أن مجموعة من الثانويات والإعداديات يسهر على تسييرها مدير واحد دون حراس عامين، علما أن مجموع تلامذتها يصل أحيانا إلى 1500 تلميذ(ة).
اليوم في ظل هذه الظروف نجد أنفسنا أمام واقع مر يصعب إزاءه التدريس ببيداغوجيا الكفايات التي تبناها المغرب مطلع الألفية الثالثة، فكيف يمكن الاشتغال بالمجموعات في ظل 60 و70 تلميذا في القسم؟ وكيف للمدرس أن يشرح الدروس بشكل يتفاعل معه فيه التلاميذ في ظل هذه الوضعية الكارثية؟ إذا علمنا أن معظم الوقت يضيع في تدبير فضاء التعلم. وكيف للمدرس أن يدرس في أقسام مشتركة من المستوى الأول الابتدائي الى المستوى السادس؟ أهذه الجودة؟ فماذا وفرت الحكومة للنهوض بهذا القطاع في إطار تطبيلها للجودة؟ وماذا وفرت لأبناء المغاربة كي تطالبهم بالمقابل المادي للتعلم؟
ناهيك عن ذلك، فالبنيات التحتية لمجموعة من المؤسسات مهترئة ومهددة بالسقوط في أي وقت على رؤوس الأساتذة والتلاميذ، كما تعاني مجموعة من المدن المغربية من انعدام المؤسسات التعليمية ما يتطلب من التلاميذ قطع مسافات طويلة لوصولهم إلى مؤسساتهم في ظروف صعبة يستحيل خلالها عليهم متابعة دراستهم في جو يسمح لهم بالتحصيل الجيد، فضلا عن إغلاق العديد من المؤسسات العمومية في الآونة الأخيرة وتفويتها للقطاع الخاص.
وعليه فعندما نتحدث عن المنظومة التعليمية في المغرب مع وجود نقاش عام يقر بأزمة التعليم، فإننا نؤكد أن هذه الأزمة هي أزمة مفتعلة، فالمدرسة العمومية تتعرض للتدمير عن سابق إصرار من الحكومة، ولنا في وضعية الأساتذة المتدربين، والوضعية الحالية لمجموعة من الأطر التربوية والإدارية المكونة التي ترابط بمعتصم الموت في مراكش حيث تأبى الدولة المغربية توظيفهم رغم الخصاص المهول خير دليل على افتعال أزمة التعليم. خاصة أنه في الوقت الذي كان فيه جميع المغاربة ينتظرون وصفة جدية من الحكومة للنهوض بقطاع التعليم ببلادنا، وإنقاذه من الوضع المتأزم الذي يتخبط فيه، ها هي حكومة المملكة المغربية تسعى لتوظيف مجموعة من الطلبة دون تكوين عبر قانون التعاقد مع الأكاديميات، فكيف يعقل لطالب لا يفقه شيئا في أسس التدريس أن يدرس أجيال المستقبل؟
وقد أشار الكاتب سعيد يقطين في مقال سابق له سنة 2012 إلى أن المنظومة تعرف نوعا من الارتجالية بقرارات عاجلة غير مبنية على تشخيص واضح حيث أوضح ذلك بقوله: "ورغم مرور أكثر من نصف قرن على الاستقلال ما تزال الأمية الأبجدية ضاربة أطنابها، ولا حديث عن الأميات الأخرى. قد تعلق هذه النتائج أحيانا على التعريب، أو تتوجه باللائمة على الأطر التربوية، أو على البرامج، وكلها ذرائع لا أساس لها. فالمشكل الحقيقي يكمن في الاختيارات التي لم تكن مبنية على أسس سليمة. وحين يكون التغيير مبنيا على "قرارات" عاجلة، يسود الارتجال ويهيمن التجريب".
من خلال المشيرات السابقة فالمدرسة العمومية المغربية تتعرض لهجمة شرسة عن سبق إصرار وترصد لتدميرها وتفويتها للقطاع الخصوصي.
هنا نتساءل: ما الحل؟ الحل هو أن التعليم العمومي المغربي يحتاج إلى مجهودات كبيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه إن أرادوا حقا إنقاذه، وقبل ذلك يحتاج لأصحاب النوايا الحسنة وصدق الإصلاح، وهذا لن يتأتى إلا بتوظيف عدد كبير من الموارد البشرية المكونة تكوينا رصينا لسد الخصاص، وإحداث مجموعة من المؤسسات التعليمية لتخفيف البنية عن باقي المؤسسات، علاوة على ضرورة التكوين المستمر للأساتذة الممارسين لمواكبة المستجدات في الحقل التربوي، كما يجب إعادة النظر في المناهج الدراسية وفي المقاربات البيداغوجية الحالية بالتركيز على الكيف بدل الكم، تلك إذن مجموعة من التوصيات التي رفعها المهتمون والمتخصصون إلى الحكومة المغربية، لكن غياب إرادة جادة للإصلاح تجعل من تلك التوصيات حبرا على ورق.
وهنا أقف حائرا وأستوقفكم لأتساءل: هل هذا تعليم يصلح لأداء سنتيم واحد عنه؟