يحيى بن الوليد

 كلما فكّـرت في علاقة الكرة بالسياسة، ومن ناحية طوفان الجماهير، إلا واستحضرت تلك الطرفة النادرة التي أكدّ عليها الباحث الأميريكي جون واتربوري في مقدمة كتابه "أمير المؤمنين ــ الملكية والنخبة السياسية بالمغرب". ومفاد هذه الطرفة أنه، وبعد اختطاف المهدي بن بركة، سمع صاحب الكتاب، ومن بيته بالرباط، صياحا للجماهير معتقدا أن الأمر يتعلق بخروج الجماهير للشارع دفاعا عن المعهدي بن بركة، فإذا بصاحب الكتاب يدرك بأن الخروج كان لمناسبة انتصار الفتح الرياضي في إحدى المقابلات. فمن الجلي، إذا، أن الأمر يعكس تداخلا صعبا بين السياسة والكرة، وعلى النحو الذي يفضي إلى التشديد على "تسييس الكرة وتكوير السياسة" تبعا للخطاطة التي تكشـَّفت في أثناء المقابلة العصيبة بين "الشقيقين" الجزائر ومصر، وعلى النحو الذي أشرك رئيسين البلدين في "المعركة".

 لست، وعلى تواضعي، مهووسا بالكرة ولا متفرجا لمقابلاتها، غير أن ذلك لا يحول دون تقدير البطولة المغربية في نسختها الأخيرة التي لفتت الأنظار إليها بشكل مختلف. وقبل ذلك تجدر الملاحظة إلى أن المشكل ليس في المستديرة الساحرة، ولا في مقابلاتها التي عدّها الشاعر العربي الأبرز محمود درويش "أشرف المعارك". وثمة متعة مضاعفة ذات صلة بالفرجة في الملاعب وفي المقاهي. جنون وأعصاب وضغط وكوليسترول وكريات حمراء هائجة... وتلاسن يبلغ حد التشابك في أحيان.

 المؤكد أن المقابلات الكبيرة، مثلما الصغيرة، مجال لتصريف "خطاب ثقافي" ذي صلة بما يصطلح عليه في "النقد الثقافي" بـ"الإقليم الثقافي". وهو ما يتأكد من أشكال من الغناء والشعارات والهتافات... وعلى النحو الذي يؤكد على نوع من "المؤمن الصادق" إذا جاز أن نستحضر عنوان كتاب إيريك هوفر الذي يعد من بين الكتب اللافتة على مستوى تفسير "عقول المتعصبين" وتحليل "آليات الحركات الجماهيرية". وهذا "البعد الثقافي" هو الذي يبرر تسمية "البطولة جبلية" في دلالة على فريق المغرب التطواني الذي حاز على البطولة. وبخصوص هذه الفرقة فثمة نص ساحر عنها في الرواية الجميلة "باريو مالقا" لصاحبها الروائي محمد أنقار. وكتابات كبار الكتاب والروائيين عن الكرة، كإيتالو كالفينو ونجيب محفوظ...، تقينا من "الخطاب اليابس" و"المتصحـِّر" لصحافيينا الأجلاء.

 المشكل، إذا، ليس في الكرة، وإنما في "النقاش الهستيري" كما يصطلح عليه سيمجموند فرويد في كتابه "خمسة دروس في التحليل النفسي". والمشكل في العنف، أو في "الاقتصاد السياسي للعنف"، الذي يتم تصريفه. عنف "مبرر" بالنظر لانتفاء شرط "المحاصصة الجغرافية" ببلادنا، وبالنظر لأطروحة المركز والهامش القديمة/ الجديدة. غير أن الأخطر حين تتحول الكرة إلى تصريف "المكبوت الاجتماعي" بأشكال سافرة وساحقة. والأخطر هو الفراغ القيمي الذي أصبح علامة على مجتمعنا. ومن ثم "خلاص" الكرة و"عقيدتها". وكل ذلك على حساب تنمية شرط الوعي والنقاش العام.