محمد مغوتي

وضع الدستور الذي أقره المغاربة في استفتاء يوليوز 2011 حدا للجدل الكبير الذي عرفه النقاش حول مسألة الهوية المغربية طيلة السنوات التي سبقت هذا الموعد. حيث أصبحت الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية. وقد جاء هذا القرار ليرد الاعتبار للهوية الأمازيغية التي خاصمها المغرب الرسمي طويلا. لكن ترسيم الأمازيغية (وإن كان خطوة أساسية في الاتجاه الصحيح) مازال -رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على إقراره - يراوح مكانه، ومازلنا ننتظر خطوات عملية وإرادة سياسية واضحة لبلورة هذا القرار، حتى لا تصبح بعض مضامين الدستور نفسه مدخلا قانونيا لإعادة الأمازيغية إلى الأرشيف مرة أخرى.
ينص الفصل الخامس من دستور 2011 على ما يلي:  " تظل العربية اللغة الرسمية للدولة. وتعمل الدولة على حمايتها و تطويرها، وتنمية استعمالها.
 

تعد الأمازيغية أيضا لغة رسمية للدولة، باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة، بدون استثناء.

يحدد قانون تنظيمي مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، وكيفيات إدماجها في مجال التعليم، وفي مجالات الحياة العامة ذات الأولوية، وذلك لكي تتمكن من القيام مستقبلا بوظيفتها، بصفتها لغة رسمية. "

الأمازيغية إذن وفق هذا النص لغة رسمية، و تحقيق الترسيم الكامل لها يتطلب ترسانة من القوانين والإجراءات المسطرية. لذلك يتحدث هذا الفصل الدستوري عن تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية بشكل تدريجي. وهذا أمر مقبول ومعقول بالنظر إلى الصعوبات التي تنتظر إخراج وتنفيذ هذا الورش الكبير، خصوصا وأننا في حاجة إلى البدء من الصفر بعد كل أشكال التهميش والمصادرة التي تعرضت لها الأمازيغية. لكن صيغة " مجالات الحياة العامة ذات الأولوية" التي وردت في الفصل أعلاه، تجعل عملية الترسيم منقوصة ( وإن كان ذلك مقبولا مرحليا)، لكنها أيضا تفرض طرح سؤال أساسي هو: ماهي هذه المجالات؟

وعلى أي أساس سيتم تحديدها؟. ولابد من التذكير هنا بأن الجانب القانوني في مسألة الترسيم التدريجي للأمازيغية يخص المؤسسة التشريعية باعتبارها الجهة المخولة بإصدار هذه القوانين. لذلك تتحول علامات الاستفهام المطروحة إلى تخوفات مشروعة بشأن مستقبل ترسيم الأمازيغية. ولفهم هذه التخوفات يجب أن لا نقرأ مسألة ترسيم الأمازيغية بمعزل عن الفصول الدستورية الأخرى. في هذا الصدد ينبغي التوقف عند الفصل 71 المتعلق بسلطات البرلمان في الدستور الجديد، حيث نقرأ فيه مجموعة من النقط التي يختص البرلمان بالتشريع وإصدار القوانين بشأنها. ومن بين هذه النقط نجد في الفصل المذكور : " تحديد التوجهات والتنظيم العام لميادين التعليم والبحث العلمي والتكوين المهني ".

وبما أن الحقوق اللغوية جزء أساسي من ديباجة الدستور المغربي، فإن ذلك يعني أن إدماج الأمازيغية في التعليم مثلا سيكون جزءا من المجالات التي يختص البرلمان بإصدار تشريعات قانونية متعلقة به. ولأن التعليم هو حجر الزاوية في تنفيذ البرامج التي تستهدف قيم المواطنة وتحقيق الغايات الكبرى للمجتمع، فإن السؤال الذي يفرض نفسه على هذا المستوى هو: ما الموقع الذي ستأخذه الأمازيغية في حقل التعليم؟. والإلحاح في طرح هذا السؤال يرتبط بالمعنى القانوني للترسيم، لأن موقع الأمازيغية الدستوري يؤهلها قانونيا لتصبح مادة دراسية إجبارية لجميع المغاربة. وتلك هي الترجمة الفعلية لدلالة دسترتها... لذلك فإن التخوف والشك، اللذين ينتابان نشطاء الحركة الأمازيغية بشأن جدية قرار ترسيمها، لهما ما يبررهما في ظل هذا التأخر الكبير والممنهج في إخراج القوانين التنظيمية المتعلقة بالأمازيغية وتفعيل المقتضيات الدستورية بشأنها. إذ يبدو واضحا أن ملف الأمازيغية مازال يستعمل كورقة للمزايدات السياسية الضيقة. فالتضحية بالأمازيغية في سياق لعبة التوازنات السياسية داخل قبة البرلمان، خصوصا بين الأحزاب التي لا تكن لها كثيرا من الود، أصبحت واضحة للعيان، مادامت عملية أجرأة الترسيم تنتظر " غودو" الذي قد يأتي أو لا يأتي... وهو ما من شأنه أن يبقي مطلب ترسيم الأمازيغية حبيس النص الدستوري لوقت طويل دون سند واقعي.

من جهة أخرى تتطلب عملية ترسيم الأمازيغية موارد مالية ضخمة في مختلف الإدارات، وهي موارد ينبغي رصدها من ميزانية الدولة. ومن تم فإن التشريعات التي تصدر عن البرلمان يمكن أن تكون موضع رفض من طرف الحكومة إذا كانت تتطلب تكاليف مادية جديدة. وذلك ما ينص عليه الفصل 77 من الدستور الجديد الذي بموجبه " يسهر البرلمان والحكومة على الحفاظ على توازن مالية الدولة. و للحكومة أن ترفض، بعد بيان الأسباب، المقترحات والتعديلات التي يتقدم بها أعضاء البرلمان، إذا كان قبولها يؤدي بالنسبة لقانون المالية إلى تخفيض الموارد العمومية، أو إلى إحداث تكليف عمومي، أو الزيادة في تكليف موجود." و إن كان منطوق هذا النص يدعو المشرعين إلى وضع الإمكانيات الإقتصادية للدولة بالاعتبار في كل تشريع قانوني، فإن المتطلبات المادية لترسيم الأمازيغية قد تكون حائلا دون تمكينها من تحقيق دورها كلغة رسمية حقيقية إلى جانب اللغة العربية طبعا في مختلف مجالات الحياة. وهكذا يمكن أن يصبح الدستور نفسه مسوغا للتملص من ترسيم الأمازيغية واقعيا أو التأخير في أجرأتها، إذا رأت الحكومة أن إجراءات الترسيم في مجال ما تتطلب موارد مالية ضخمة لا تستطيع تحملها... ولهذا الإستنتاج ما يبرره خصوصا في ظل هذه الحكومة التي ما فتئت تعمل على إثقال كاهل المغاربة بقراراتها اللاشعبية . وهي لا تعدم الحجة والمبرر للتملص من مسؤولياتها تجاه أجرأة الترسيم الدستوري للأمازيغية على الأقل تحت طائلة عجز الدولة عن توفير الإعتمادات المادية اللازمة للعملية بسبب الصعوبات الإقتصادية....

إن الإرادة السياسية تظل ضرورة ملحة، وخصوصا في المرحلة المقبلة، لأن ترسيم الأمازيغية سيحقق على المستوى النظري المصالحة بين المغرب وتاريخه، لكن هذه المصالحة لن تكتمل إلا ببلورتها على مستوى الممارسة الفعلية التي تقطع مع كل أشكال الحجر التي مارسها " الإختيار العربي " على هوية المغاربة المتجذرة في التاريخ. وحتى لا تتحول الأمازيغية إلى لغة ثانية بالمعنى التفاضلي، فإن الدولة مطالبة بتوفير كل الإمكانيات المادية والقانونية التي من شأنها أن تسرع عملية الترسيم حتى يصبح لمفهوم التعددية في المغرب دلالته الواقعية.