يحيى بن الوليد

لا أخفي أني سعدت، كثيرا، ولأول نقاش من نوعه، بخصوص كتابي النقدي/ الفكري حول الكاتب العالمي محمد شكري "تدمير النسق الكولونيالي ــ محمد شكري والكتاب الأجانب" (2012)، وتعيينا مع الشاعر الفلسطيني عمر شبانة النشيط، وللمناسبة، في الفايسبوك باستقطاراته الذكية وشذراته المقتضبة. ولقد أعجبت بالطريقة التي يقرأ بها الكتب، الطريقة التي لا تترك فكرة إلا وتمّ تسطيرها بالقلم الأسود وعلى صفحات الكتاب ذاته. وقد أثار أن يسجـِّل جانبا من هذا النقاش في الفايسبوك، وعلى النحو التالي:

"الناقد المدمِّر للكولونيالية


يعمل الناقد المغربيّ يحيى بن الوليد، في كتابه "تدمير النّسق الكولونياليّ: محمّد شكري والكُتّاب الأجانب"، ليس فقط على رسم وجه آخر من وجوه محمد شكري، وهو الوجه المتمثل في نظرة شكري إلى الكُتّاب الأجانب الذين عاشوا في طنجة، وتحديدا بول بولز وتينيسي وليامز وجان جُنيه، فإضافة إلى هذا الهدف، يسعى ابن الوليد إلى فضح نوايا هؤلاء الكُتّاب وأهدافهم العميقة من وراء إقامتهم في المغرب، أو في طنجة تحديدا.. وهو من يقوم بتفكيك بنية التفكير الكولونياليّ لهؤلاء الكُتّاب. ومن يقرأ كتاب يحيى هذا، يكتشف أنه هو، أعني يحيى، من يشتغل على تدمير النسق الكولونيالي، ولكنه يتخذ من شكري وبعض مقولاته منطلَقًا لهذا "التدمير" للتفكير الكولونيالي تجاه طنجة.
كتاب خطير.. تحياتي للصديق الناقد يحيى بن الوليد!"

ومن بين ما لم يكتبه صديقنا عمر شبانة، ومما دار بخصوصه نقاش مطوّل، هو الأسئلة التالية: "هل كان محمد شكري على علم بنظرية الخطاب الكولونيالي؟ أم أن الأمر أن الأمر يتعلق بنوع من "لاشعور" شكري؟ أم أن الأمر لا صلة له بالسؤال الأول ولا الثاني مما يدل على نوع من "الإسقاط" من قبلي على محمد شكري؟"

وفي الحق هي أسئلة مشروعة، وعادة ما لا نوليها أهمية وخصوصا من منظور "علم اجتماع المعرفة". وحقا يصعب الخوض في موضوع من هذا الحجم وفي إطار مقال مقتضب مثل هذا. ولكن مع ذلك لا بد من التأكيد على أن أكبر الكوارث الفكرية، في واقعنا الفكري والإيديولوجي، هي أن نقدم على دراسة موضوع دونما استناد إلى منهج محدد. والمقصود، هنا، المنهج بمعناها الفلسفي الاصطلاحي المعاصر وليس المنهج بمعناه الديداكتيكي التطبيقي والتبطيقي في الوقت ذاته. أظن أن منهجا بمعناه الأول، وبمقولاته النظرية ومستنداته التصورية، جدير بأن يقي القراءاة من "الثرثرة" ومن "الشقشقة". وجدير بأن يجعلنا ننظر، وبشكل مغاير، إلى النصوص التي هي موضوع قراءتنا.

والفكرة الأخيرة، المتعلقة بإنتاج وعي قرائي بالنصوص، تستلزم، بدورها، نصوصا قوية تسعف الناقد على تحريك أسطوله النقدي والفكري. فالناقد من حقه "التدخل" في النصوص، ومن حقه صياغة نص على نص. ونص شكري، ورغم بساطته الظاهرية، لا يخلو من "نتف فكرية" مجابهة لنوع من "الاستشراق الباطن" تميزا له عن "الاستشراق السافر" كما كتب عنه إدوارد سعيد في كتابه الإشكالي "الاتشراق" (1978) الذي كان وراء تدشين حقل "نظرية الخطاب ما بعد الكولونالي" التي تبدو الأقرب لأبناء العالم الثالث الجديد في دراسة ظواهر الثقافة وألغام الثقافة من سرد وذاكرة وأمة وهوية... إلخ.

فكرة أخرى قالها عمر شبانة، وهي أن الكتاب جعله يغيـِّر نظرته لجان جنيه وتينيسي وليامز وبول بولز. ومهما كان فهؤلاء، وحتى إن كان لا ينبغي التسوية بينهم، هم "نتاج الغرب" ذاته. "الغرب الثقافي" لا "الإدراي" الذي هو غرب "الكراهية والحروب... إلخ.

أعترف أن العنوان "تدمير نسق الكولونيالي" كان مستفزا، وكان ناشر مصري قد اقترح استبداله بعنوان آخر. فكان ردي، السريع، أني حريص على الدلالة الحدية للعنوان.

وتحية مجددة لعمر شبانة.