1- واقع تدريس اللغة العربية للناطقين بغيرها.
يندرج مجال تدريس وتعليم اللغات،عموما، واللغة العربية ،بصفة خاصة، ضمن حقل اللسانيات التطبيقية، وبالتالي فالبحث في هذا المجال، هو في الحقيقة، بحث في تاريخ اللسانيات التطبيقية، هذه الأخيرة التي تحاول الإفادة، قدر الإمكان، من نتائج اللسانيات النظرية ومحاولة استثمارها في تدريس اللغات الحية،عموما، واللغة العربية على وجه الخصوص،وذلك لا يتم إلا بالاعتماد على مجموعة من المناهج والطرائق التعليمية الحديثة،إذ إن أي محاولة لتعلم اللغات، كما يقول الدكتور وليد العناتي:" لا بد أن تستند إلى وصف دقيق لبنية اللغة الهدف،وطرائق تركيبها،وقواعدها الصوتية والصرفية،ومحدداتها المعجمية التي تعتمدها في ضبطها الذاتي الداخلي. وهذا ما تعمل اللسانيات النظرية على صياغته،وفي مقابل ذلك، تعمل اللسانيات التطبيقية على تفعيله وتطبيقه،باعتبارها علما "تقوده المشكلة أكثر من كونه علما تقوده النظرية...وكونه يجعل من الوعي بالمشاكل التطبيقية لتعليم اللغات وتعلمها والبحث عن الحلول التربوية الملائمة لها نقطة انطلاقته الأساسية.

ويرجع نشوء اللسانيات التطبيقية، حسب عدد من الباحثين والمختصين، إلى سنة ستة وأربعين وتسعمئة وألف (1946)،حين صار "موضوعا مستقلا في معهد تعلم اللغة الإنجليزية بجامعة "مشيغان" Michigan.وكان ذلك المعهد متخصصا في تعليم اللغة الانجليزية تحت إشراف العالمين: تشارلز فريز وروبرت لادو Charles freis&Robert lado،وبعد أن بدأ هذا العلم يأخذ مكانه على المستوى الرسمي في العديد من جامعات العالم،تأسس الاتحاد الدولي للسانيات التطبيقية عام أربعة وستين وتسعمئة وألف (1964).

أما في ما يخص أغراض هذا العلم فيجيب الباحث قائلا:" إنه يحاول حل مشكلات لغوية معينة " كتعدد اللهجات في المجتمع الواحد، هذه المشكلة يمكن التعامل معها بالتخطيط اللغوي، ومثلها أيضا مشكلة التواصل مع أفراد ثقافات أخرى، إذ يمكن التغلب عليها بتعليم اللغة الأجنبية. ومع تزايد الإقبال على تعلم اللغات الأجنبية عموما واللغة العربية على وجه الخصوص، بات من الضروري، الاهتمام بتدريس اللغة العربية للناطقين بغيرها لكونها تعد ضمن أبرز خمس لغات في العالم وأغناها ثقافة وحضارة،إلى جانب لغات أخرى كالإنجليزية والاسبانية والصينية. هذا، وقد شهد " منتصف القرن العشرين اهتماما بالغا في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، وقد برز هذا الاهتمام واضحا على المستويين العربي والعالمي، فقد اعتنت جامعات بريطانية وأمريكية بتعليم اللغة العربية وصار تعليمها وتعلمها متطلبا مهما وأساسيا للحصول على بعض الشهادات والوظائف. ويضيف الباحث في موضع آخر قائلا بأن: " البدايات المبكرة في الاهتمام بتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها مشروع كلية الألسن في القاهرة، ومشروع الإذاعة المصرية لتعليم العربية بالراديو، وكذلك مشروع المركز الثقافي للدبلوماسيين، بالإضافة إلى مشروع الجامعة الأمريكية بالقاهرة. ومشروع مركز شملان التابع للسفارة البريطانية ومعهد بورقيبة لتعليم اللغات الحية في تونس.

أما في المغرب، فقد خصصت بعض البرامج للمساهمة في دعم تدريس اللغة العربية للناطقين بغيرها،وقد اتخذ لذلك برنامجا تربويا وهو برنامج " دراسات شمال إفريقيا لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها(ARANAS)، التابع لجامعة الأخوين بإفران، وهو برنامج صيفي يمتد إلى شهرين،يسهر في مقابل ذلك،على تدريس اللغة العربية للأجانب، وذلك بإتباع مجموعة من المقاربات والطرق الحديثة في عملية التدريس، ومن هذه المقاربات الحديثة نجد المقاربة التواصلية وما بعد التواصلية ( الأنشطة والمهام).

ويهدف هذا البرنامج إلى تعليم اللغة العربية بمختلف حقولها المعرفية، هذا بالإضافة إلى مجموعة من الأهداف التي يطمح البرنامج إلى تحقيقها من قبيل:

تعليم الطلاب أصوات العربية نطقا وقراءة وكتابة، وتزويدهم بالمفردات والقواعد الضرورية والتراكيب اللازمة لتنمية المهارات الأربع لديهم، ( القراءة والكتابة والاستماع والمحادثة.)

تزويد المتعلمين بمصطلحات ومفاهيم مختلفة تنتمي إلى علوم العربية مثل: النحو والصرف والأدب والبلاغة، من أجل محاولة فهم القرآن الكريم فهما صحيحا، وفهم النصوص العربية على نحو سليم.
إرشاد غير العرب إلى آثار الحضارة العربية الإسلامية ومكانتها بين مختلف الحضارات العريقة، ثم تنمية الرغبة لديهم لتعلم اللغة العربية والاستمرار في ذلك من خلال تنمية الإحساس بها وبجماليتها.أما المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة أو الإيسيسكو (ISESCO)، وهي " منظمة متخصصة تعمل في إطار منظمة التعاون الإسلامي، تعنى بميادين التربية والعلوم والثقافة والاتصال في البلدان الإسلامية،مقرها الرباط.

تسعى هذه المنظمة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف منها: التعريف بالصورة الصحيحة للإسلام والثقافة الإسلامية وتشجيع الحوار بين الحضارات والثقافات والأديان، وتشجيع التفاعل الثقافي والاهتمام بالمناهج التربوية. وقد هذه المنظمة مشروعها التعليمي في السبعينات من القرن العشرين، حيث بدأت تواكب وتدعم متطلبات وحاجات اللغة العربية،وخاصة المجال الذي يهتم بتدريس اللغة العربية للأجانب،وذلك من خلال تبني أحسن وأنجع المناهج والطرق والاستراتيجيات والأساليب التي من شأنها أن تيسر وتتجاوز صعوبات ومشاكل تدريس اللغة العربية للأجانب. وإلى جانب هذه البرامج،توجد في المغرب أيضا برامج لا تقل أهمية عنها،وذلك من قبيل: برنامج " قلم ولوح" ،وهو مركز لغوي خاص بتعليم اللغة العربية للأجانب. "هذا البرنامج يستقبل سنويا ما يناهز حوالي ثمانمئة طالب أجنبي اغلبهم من جنسية أمريكية، ويعتبر هذا المركز من أهم المراكز التي ذاع صيتها في عدد من الجامعات الأجنبية بالخارج، مما جعله وجهة للطلبة الأجانب الراغبين في تعلم اللغة العربية وثقافتها. هذا بالإضافة إلى دورات صيفية تحتضنها كلية علوم التربية التابعة لجامعة محمد الخامس بالرباط.

2- في أهمية تدريس اللغة العربية لغير الناطقين بها.
إن من أهم الركائز التي يجب التركيز عليها عند تعلم أية لغة من اللغات، مراعاة طبيعتها ومعرفة خصائصها ومكانتها، واللغة العربية شأنها في ذلك شأن باقي اللغات الحية تتمتع بمجموعة من السمات والخصائص التي تؤهلها لتكون لغة للتدريس والدراسة. وتكمن أهمية تدريس اللغة العربية للناطقين بغيرها، قبل كل شيء، في كونها لغة إعجاز و إيجاز، لغة إعجاز لأنها اللغة التي أُنزل بها القرآن المعجز بلفظه ومعناه، كما أنها اللغة التي دُونَ بها الحديث النبوي الشريف، وبالتالي فمعرفة مبادئ وقضايا الأمة الإسلامية تقتضي معرفة هذه اللغة والوعي بثقافتها، وحسبنا في ذلك أن نورد قوله تعالى" إنا أنزلناه قرءآنا عربيا لعلكم تعقلون. ولغة إيجاز لأنها تتمتع بأسلوب بياني يضفي عليها رونقا خاصا يميزها عن باقي اللغات الحية بشهادة دارسيها عربا كانوا أم مستشرقين.

وتكمن أهمية اللغة العربية،أيضا، في أنها "نشأت في أقدم موطن للساميين، كما أنها نشأت في موقع جغرافي أكسبها صفتا الاستقلال والعزلة، وكان لهذين العاملين أثر في احتفاظها على مقومات اللسان السامي الأول، وهناك من اعتبرها اللغة السامية الأم ويرجع هذا التصنيف إلى كون اللغة العربية تضم خصائص كثيرة لا نجدها في باقي اللغات السامية الأخرى، فهي أكثر أخواتها احتفاظا بالأصوات السامية؛ إذ تحتوي على جميع الأصوات التي نجدها في اللغات السامية وتزيد عليها ببعض الأصوات
كالثاء والذال والغين والضاد"،كما أنها من ناحية أخرى تعد أكثر اللغات السامية من حيث قواعد النحو والصرف و من حيث دقتها.هذا بالإضافة إلى أن اللغة العربية تتميز بمميزات وخصائص لسانية تعبر عن قوتها وغناها، ومن ذلك نظامها الاشتقاقي المرن الذي يسمح لها بتوليد ما لا نهاية من الجمل والعبارات اللغوية.

2 - أهداف تدريس اللغة العربية للناطقين بغيرها.
إن عملية تدريس اللغة العربية، وخاصة تدريسها للأجانب، تقتضي، أولا، تحديد الأهداف والمرامي والأغراض (دينية، اجتماعية، اقتصادية، ثقافية،طبية)، وذلك من أجل وضع تخطيط مناسب واستخدام طرق مناسبة تتماشى وأهداف المتعلمين المختلفة، وبالتالي فتحديد الأهداف هو بمثابة المفتاح الأساسي في عملية التدريس،ذلك أن المدرس يعمل على استخدام طرق واستراتيجيات تتناسب مع أهداف المتعلمين.هذا ويرجع الهدف الأساسي من تعلم اللغة العربية، في نظرنا،إلى الحاجة إلى بناء مجوعة من الكفايات التواصلية وتنمية مختلف المهارات اللغوية، التي تجعل المتعلم قادرا على التواصل باللغة العربية بطريقة صحيحة وسليمة لغويا.ويقسم الأستاذ وليد العناتي أهداف تدريس اللغة العربية لغير الناطقين بغيرها إلى " أهداف عقدية وروحية وذلك من أجل نشر اللغة بين المسلمين غير العرب، لوصلهم بالمصادر الأصلية والأساسية للإسلام، وأهداف قومية لنشر اللغة العربية وتعريب المدرسة والمجتمع تعريبا كاملا في الدول العربية الإفريقية، التي حددت هويتها الحضارية بانضمامها إلى جامعة الدول العربية، ثم أهداف حضارية تتجه إلى التبليغ المبين لعملية اللغة العربية وعالميتها في العالم، في حين يجعل بعض الباحثين هذه الأهداف "طبية، حيث يتم تدريس اللغة العربية لأغراض وفق أجهزة الجسم، وهنا يتم الوقوف، بشكل مفصل، على مختلف التسميات التشريحية لكل عضو من أعضاء الجسم، ثم التعرف على أهم الأمراض وطرق علاجها، وفي هذه الحالة يتم التركيز،بشكل رئيس، على مهارة المحادثة، باعتبارها مهارة أساسية وضرورية للمتعلم. وبالتالي فالغاية من تدريس اللغة العربية لأغراض طبية ليست تدريس الطب، بقدر ما هي تدريس للغة، وبذلك وجب على المدرس مراعاة تنوع النصوص مثل مقالات طبية، دروس تشريح..إلخ. هذا بالإضافة إلى أن معظم الباحثين يرجعون أهداف تعلم اللغة العربية إلى كون المتعلم في حاجة إلى أن يكتسب "القدرة على استعمال اللغة العربية استعمالا ناجحا في الاتصال بغيره عن طريق الاستماع والمحادثة والقراءة والكتابة، ثم أن يمتلك معجما لغويا يستطيع التعبير من خلاله عن مختلف القضايا المتنوعة، وأن يقرأ كذلك، نصوصا يرتبط رصيدها الثقافي والمعجمي والتركيبي والأسلوبي بالحاجات اللغوية والثقافية وبالمواقف التواصلية الأكثر تداولا، هذا بالإضافة إلى اكتساب مجموعة جديدة من التراكيب والأساليب اللغوية والقواعد النحوية والصرفية.

المراجع المعتمدة:
1)العناتي، وليد (2003)، اللسانيات التطبيقية وتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها.
2) مالك،حسن:( 2013)، اللسانيات التطبيقية وقضايا تعليم وتعلم اللغات 3)أبو عشمة،خالد حسين:(2015)،تعليم العربية للناطقين بغيرها في ضوء اللسانيات التطبيقية،
4)صومان، إبراهيم أحمد:( 2014)، اللغة العربية وطرائق تدريسها
5) عبد الواحد، وافي، فقه اللغة
6) https://ar.wikipedia.org/wiki.
7) http://www.ccme.org.ma/.

*باحث في اللسانيات التطبيقية