محمد نعيمي

في الجزء الأول من هذا المقال المخصص لرصد وتحليل تحولات المجال الاحتجاجي للأطر المعطلة، تم الوقوف على أهم التطورات التي عرفها هذا المجال طيلة الفترة الممتدة من 1991 إلى 2013.

فبعدما قررت حكومة عبد الاله بن كيران إيقاف عملية التوظيف المباشر ، لجأت مجموعات الأطر المعطلة المعنية بمحضر 20 يوليوز2011 إلى القضاء ، الذي قام بتاريخ 29 نونبر 2013 على مستوى محكمة الاستئناف بنقض الحكم الابتدائي الذي كان لصالحها . ترى كيف ستتعامل حركات الأطر المعطلة مع هذه التحولات غير المسبوقة ؟ وما هي الانعكاسات البنيوية والتنظيمية والسياسية لهذه التحولات على مجمل المجال الاحتجاجي بالمغرب ؟ ثم ما هي آفاق حركات المعطلين في إطار سياق وطني يتسم بتقليص مساحات الفضاء العمومي الذي عرف انتعاشا بفضل حراك 2011 ؟ هذا ما ستحاول هذه المقالة في شقها الثاني أن تقدم بصدده بعض عناصر الاجابة .

لقد عرفت هذه المرحلة تصعيدا لا مثيل له من طرف حركات المعطلين سواء على مستوى أشكال الاحتجاج( احتلال مقرات حزبية ، اعتصامات داخل إدارات عمومية ، اقتحام مقر الأمانة العامة للحكومة بتاريخ 16 فبراير2012 وغيرها ..)، أو على مستوى الشعارات والمطالب التي أصبحت تتجاوز ما هو اجتماعي إلى ما هو سياسي. وفي مقابل ذلك كانت الكلفة جد غالية ، حيث تجاوزت ما كان معهودا في السابق من قمع وتعنيف جسدي ، إلى تضحيات جسام كان أبرزها استشهاد عبد الوهاب زيدون مباشرة بعد الاعتصام المفتوح الذي أقدمت عليه الأطر العليا المعطلة في مطلع سنة 2012 بمقر ملحقة وزارة التربية الوطنية بحي الليمون بالرباط ، ونجاة رفيقه محمود الهواس الذي اصيب بحروق خطيرة.

من بين التحولات الهامة التي عرفتها أيضا حركات الأطر المعطلة ، تمكنها بتنسيق مع "الجمعية الوطنية لحملة الشواهد المعطلين بالمغرب " من تنظيم مسيرة وطنية حاشدة امتدت من ساحة باب الأحد إلى ساحة البرلمان احتفالا باليوم الوطني للمعطل يوم 6 اكتوبر 2013 . إلا أن تصعيد الاحتجاجات ستكون له مرة اخرى كلفة جد باهضة ، حيث سيقرر وكيل الملك بمحكمة الاستئناف بالرباط متابعة تسعة نشطاء من الأ‌طر العليا المعطلة في حالة اعتقال يوم 4 أبريل 2014 وإحالتهم على السجن المحلي سلا 1 . وقد وجهت لهم تهم تخريب الممتلكات العامة والاعتداء على رجال الأمن الخاص وعرقلة سير القطارات. إلا أن محاكمتهم تحولت إلى قضية تشغل بال الرأي العام الوطني، فضلا عن استقطاب مساندة ودعم العديد من المنظمات الحقوقية والنقابية والسياسية.
أما مرحلة انحسار الحركة فقد بدأت ملامحها تتضح أكثر فأكثر منذ مطلع 2014 و إلى حدود بداية 2015. إن تراجع حركة المعطلين حملة الشواهد يمكن تفسيره من منظور سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية باستراتيجية "المسافر خلسة" « « Free Rider ، ذلك الفاعل العقلاني الذي يرغب في التهرب من قيود الفعل الجماعي (Mancur Olson , 1965) ، فتراه يقارن بين كلفة المشاركة في الاحتجاج وبين ما يمكن أن يجنيه من أرباح . وعادة ما يوجد لدى أعضاء جماعة معينة ميل نحو الاستفادة من أرباح فعل جماعي ما بالبحث عن أدنى كلفة أو بتفادي أي كلفة تماما. وكلما كبر حجم الجماعة كلما اتسعت دائرة هذا الميل. إنها "مفارقة أولسون" (Paradoxe d’Olson) التي بمقتضاها " يمكن أن تبقى جماعات كبرى غير منظمة وغير قابلة للانتقال إلى الفعل رغم وجود إجماع حول مجموعة من الأهداف والوسائل ".
و يوجد شرط أساسي للعمل الجماعي الفعال و لنجاعة جماعة ما ، يتمثل في قدرتها على إلزام أعضائها ، بكيفيه صريحة أو ضمنية ، بالمساهمة في المجهود الجماعي. وأفضل طريقة لفرض مشاركة أعضاء جماعة ما تكمن في إرغامهم على ذلك. وكمثال على ذلك تقنية "الدكان المغلق" « Closed-shop » التي طالما كانت تلجأ إليها مجموعات الأطر المعطلة ، حيث إلزامية الانخراط والمشاركة لكل من يرغب في الحصول على فرصة شغل في الوظيفة العمومية. فلوائح الحضور تمكن من فرز المنضبط المشارك من المتقاعس المتهاون ، فتكافئ الأول(الأسبقية في الشغل و التقدير والمكانة) وتعاقب الثاني(الذعيرة إلخ . ) . إن هذه التقنية هي التي تفسر قدرة حركات المعطلين على الاستمرار أزيد من عشرين سنة رغم ارتفاع تكاليف الاحتجاج (قمع ، عنف ، اعتقال ، محاكمات ، قتل إلخ.) ، لأنها كانت تتمكن من قطع الطريق أمام ظاهرة "المسافر خلسة" وبالتالي فقد كانت احتجاجاتها ناجحة وناجعة .
هذه التقنية تكون مجدية عندما يكون التوظيف المباشر مضمونا، وعندما يكون عدد المجموعة محدودا يسهل ضبطه. أما الآن فلم يعد ذلك ممكنا نظرا لإلغاء الادماج المباشر في الوظيفة العمومية . فحركات المعطلين التي لم يعد بمقدورها أن تضمن لأعضائها فرص شغل ، لم يعد متاحا لها أن تعبئ بشكل فعال كما كانت في السابق . لهذا فليس أمامها سوى الاستمرار في الاحتجاج وما يقتضيه من تضحيات بدون مقابل مادي ملموس . نحن إذن أمام عامل موضوعي رئيسي ضمن عوامل أخرى منها الذاتي والموضوعي، تصب كلها في اتجاه إيجاد مخرج لأزمة حركات المعطلين. من هنا يأتي تأسيس الاتحاد الوطني للأطر العليا المعطلة (UNCSC) ، بتاريخ 25 فبراير 2015 بمقر الاتحاد المغربي للشغل بالرباط . إن هذا التأسيس يتميز بانطلاقه من التصور العام للأرضية الفكرية لحركة 20 فبراير و المتمثلة في إرادة محاربة الاسبداد والفساد و إقامة العدالة الاجتماعية والكرامة والحرية(وهذا شيء جديد وبالتالي فهو جدير بالاهتمام والمتابعة ) ، وبالتالي فهو محطة تنظيمية جديدة تهدف حسب ما جاء في بلاغ التأسيس إلى "توحيد صفوف الأطر العليا المعطلة في إطار تنظيم واحد ....من أجل انتزاع الحق العادل و المشروع المتمثل في الإدماج المباشر بأسلاك الوظيفة العمومية". في هذا السياق ستقرر محكمة الاستئناف بالرباط يوم 10 مارس 2015 تخفيف العقوبة الحبسية في حق المعطلين التسعة ، وتحكم عليهم بما قضوا من مدة داخل السجن، فيعانقون بذلك حريتهم بعد اعتقال دام أزيد من أحد عشر شهرا .
السؤال الذي يطرح نفسه انسجاما مع التحليل أعلاه هو: إلى أي حد سيتمكن هذا التنظيم الجديد من تعبئة أكبر عدد ممكن من الأطر المعطلة حول مطلبه الرئيسي المتمثل في الإدماج المباشر بأسلاك الوظيفة العمومية ؟ إذا افترضنا أن القاعدة التنظيمية ستتسع أكثر لتشمل كل أو جل المجموعات والتنسيقيات ، فإن إشكال الفعالية سيطرح ، وبالتالي يمكن التساؤل هل سيكون بالإمكان الاستعاضة عن تقنية "الدكان المغلق" التي أثبتت نجاعتها في المجموعات المحدودة العدد بتقنية تلائم التنظيم الجديد؟ أو بعبارة أوضح هل سيتمكن اتحاد الأطر المعطلة من أن يعبئ موارده التنظيمية والبشرية والمادية و الاعلامية حول قيم تقتضي التضامن والتضحية ؟
وإذا كانت نظرية "اولسون" قد نجحت إلى حد بعيد في تفسير الحركات الاجتماعية التي تقوم على مصالح اقتصادية مادية(الشغل مثلا في حالة الأطر المعطلة ) ، فإنها تفقد صلاحيتها عندما يكون رهان الحركات الاجتماعية هو القيم . إن "مفارقة أولسون" المبنية على حسابات اقتصادية ، لم تهتم بمشاعر التضامن والعيش المشترك التي تشكل محركا للفعل الجماعي ، لا يقل قوة عن المصالح المادية . كما أن هذا النموذج النظري ليس بمقدوره كذلك ان يفسر انخراط المشاركين في الحركات الاجتماعية والتزامهم بقضايا لا يجنون من وراءها أي منفعة مادية( الحركات ذات النزعة الثقافية والحركات المناهضة للعولمة والحركات البيئية على سبيل المثال) . وستأتي مقالات اخرى تحاول استثمار مقاربات نظرية متنوعة من أجل تسليط المزيد من الضوء على التحولات التي يعرفها المجال الاحتجاجي في المغرب بوجه عام والمجال الاحتجاجي للأطر المعطلة بوجه خاص .