بديل ـ أحمد دابا

في منتصف شهر يناير من عام 2013 قدم تنظيم يطلق على نفسه اسم " داعش "، والتي تعني "الدولة الإسلامية في العراق والشام" ، قدم نفسه كحصيلة اندماج بين ما يسمى " دولة العراق الإسلامية " وهو التنظيم التابع يومها "لقاعدة" الظواهري ، وبين مجموعة مسلحة تكفيرية تطلق على نفسها اسم " جبهة النصرة " .

 في اليوم نفسه عارض هدا التنظيم الاندماج ورفضه ، وفي زمن لم يتعد الشهرين خرج الظواهري زعيم التنظيم العالمي " القاعدة " عبر تسجيل صوتي يعلن من خلاله إلغاء هدا الاندماج واصفا تصرفات زعيم " داعش " أبو بكر البغدادي بكونها تصرفات خاطئة ، مؤكدا أن هذا الأخير اتخذ هدا القرار دون الرجوع لقيادة التنظيم العالمي ، وقال الظواهري يومها " إن زعيم القاعدة بالعراق أبو بكر البغدادي أخطأ بإعلانه اندماج النصرة في سوريا مع دولة العراق الإسلامية من دون استشارة قيادة التنظيم أو حتى إخطارها " مشيرا في التسجيل نفسه " أن سوريا ولاية مكانية لجبهة النصرة ويرأسها أبو محمد الجولاني ، بينما يقتصر حكم أبو بكر البغدادي على العراق " 

رغم ذلك أصر البغدادي على موقفه وأكمل العملية معلنا نفسه خليفة ومعلنا ميلاد " داعش " الدولة الإسلامية في العراق والشام .

تمت خلافات بين التنظيمين ، فتنظيم جبهة النصرة يعرف تماما طبيعة وخاصيات المجتمع السوري ، ويتجنب ما أمكن تطرفا زائدا على الحد ، ويتجنب أن يقدم على ما يجعله مهمشا ومرفوضا ، بينما تنظيم داعش لا يقيم وزنا لخصوصية المكان ولا يتردد في نشر ما يعتبرها شريعة الله في خلقه .

ومع أن الخلافات بين التنظيمين خلافات سطحية أو تكتيكية ، إن صح التعبير ، فإنها كانت كافية أن تجر "داعش" للتمرد على قيادة القاعدة العالمي ، وأن تدفعها لفتح مسار يثير الكثير من الأسئلة حول مستقبل المنطقة .

"داعش" ... قصة تنظيم بدأ مع الزرقاوي في العراق لينتهي مع البغدادي في العراق وسوريا .

حتى وهذا التنظيم يبدو وكأنه حديث الولادة ، إلا أنه ليس كذلك على مستوى الواقع الفعلي ، إذ تعود جذور هذا التنظيم إلى عام 2004 ، حين عمد أبو مصعب الزرقاوي لتأسيس تنظيم اختار له من الأسماء اسم " جماعة التوحيد والجهاد " وربط مصيره بالتنظيم الأم القاعدة من خلال بيعة علانية لزعيمها السعودي أسامة بن لادن ، وصار من يومها ممثلا للقاعدة في العراق باسم " تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين " .

عرف هذا التنظيم نفسه بأنه تنظيم مجاهدين ضد الاحتلال الأمريكي لبلاد العراق ، وتمكن بهذه الصفة وفي ظرف وجيز من استقطاب مئات الشباب ، ليتحول وفي زمن وجيز لأكبر جماعة مسلحة ومقاتلة في الساحة العراقية .

في عام 2006 وبعد كمين نصبته القوات الأمريكية لزرقاوي ، تمكنت هذه الأخيرة من اغتياله ، ليعين على رأس التنظيم زعيما جديدا هو أبو عمر البغدادي ، الذي تمكن من دمج عدة ميليشيات وجماعات إسلامية مقاتلة في ساحة العراق ، تحث مسمى " الدولة الإسلامية في العراق " .

أربع سنوات بعد ذلك ستتمكن القوات الأمريكية وعبر عملية عسكرية واسعة في منطقة الثرتار من تصفية عمر البغدادي وبصحبته أبو حمزة المهاجر ، أسبوع بعد دلك سيجري تنصيب أبو بكر البغدادي مكان الشيخين القتيلين .

من هو أبو بكر البغدادي أمير داعش أو الدولة الإسلامية في العراق والشام ؟

هدا الرجل الدي أثار كل هدا اللغط حول زعامته لتنظيم تمكن من أن يمتد بسرعة على أراضي شاسعة من سوريا والعراق ، يحمل العديد من الأسماء فهو تارة يلقب ب " علي البدري السامرائي " وتارة أخرى ب " أبو دعاء " وفي أحيان أخرى بالدكتور " إبراهيم الكرار " ... إلا أنه ومع كل هذه الأسماء استقر في وسائل الإعلام من بين كل الأسماء على اسم أبو بكر البغدادي .

هو إبراهيم بن عواد بن إبراهيم البدري من مواليد 1971 بمدينة سامراء العراقية ، خريج الجامعة الإسلامية في بغداد ، وفيها درس البكالوريوس فالماجستر فالدكتوره ، عمل معلما فأستاذا لينتهي به المطاف داعية ، والده من وجهاء عشيرة يطلق عليها في بغداد "عشيرة البوبدري" ، ينتمي البغدادي لعائلة سلفية تكفيرية متطرفة تتغدى على نصوص دينية تقدس الموت وتدعو للتقتيل ، تدرج أستاذا فدعاوي وانتهى به المطاف جهاديا شرسا ، أسس خلايا مسلحة في محافظتي ديالي وسامراء العراقيتين ، كما كان مشرفا على العديد من العمليات القتالية والتي ذهب ضحيتها الآلاف من العراقيين الأبرياء ،كان أشهرها تلك التي نفدت انتقاما لمقتل بن لادن ، والتي وصلت لحوالي 100 عملية انتحارية .

"داعش" تنظيم ...يثير الرعب والفزع

لم يذهب البغدادي بعيدا في التفكير وهو يبحث عن اسم جديد لتنظيم يتجاوز بغداد ، فبعد أن سال لعابه وهو يشهد الفوضى التي دخلتها سوريا الشام ،وقف عند حرف ع رمزا لاسم العراق ، وأضاف له حرفا هو ش رمزا لاسم الشام وأبقى على دا رمزا للدولة ، ليصبح التنظيم باسم" داعش" ، عبر الحدود الممتدة والواسعة مع العراق ، تسرب مقاتلوه تباعا إلى شرق سوريا وهم يرددون شعارا كان له وقعه وسط شباب أنهكه نظام دموي وفاسد " مناصرة أهل السنة في سوريا " ، ومعلنا عبر هذا الشعار حربه على نظام بشار العلوي.

في سوريا كانت جماعة " النصرة " التابعة للظواهري قد تمكنت أو مكن إليها أن تبسط نفوذها ، وأن تتحول خلال شهور لأبرز الجماعات المسلحة المقاتلة ضد نظام بشار، وهو التنظيم الذي سعى له البغدادي حليفا وقوة إضافية لتنظيمه ، و عبر رسالة صوتية في يناير 2013 سيعلن أبو بكر البغدادي عن دولة الشام والعراق ، وعن اندماج تنظيم النصرة مع تنظيم دولة العراق ، لتبدأ فصول جديدة في تاريخ منطقة لا يبدو أنها ستعرف وإلى مدى منظور استقرارا.

مارس هذا التنظيم سواء في العراق أو سوريا المذابح بدم بارد ، روع الأطفال والنساء ونشر الرعب والفزع ، مارس ما اعتبره شريعة الله في عباده شنقا وتذبيحا وتهجيرا وسبيأ للنساء ، واتكأ في كل ذلك على تراث ديني ومذهبي مغل في الانحطاط والتخلف ،تراث ديني ومذهبي نشرته وراعته ومدته بكل وسائل الاستمرار أنظمة الخليج بمال وريع النفط .

لمصلحة من يجري تعظيم قوة داعش ؟

يمتد اليوم نفوذ داعش وتبسط سيطرتها على امتداد قوس كبير في شمال سوريا ،و يمتد وجودها على طول الحدود العراقية السورية ، ليمتد في دير الزور والرقة التي باتت تسيطر عليها تماما ، كما تسيطر على جرابلس وإعزاز شمال حلب ، وكذا بعض المناطق القريبة جدا من الحدود التركية ، كما أنها تمكنت من السيطرة على عدة مناطق في شمال غرب العراق ، ومنها على وجه التحديد الموصل وتكريت ومناطق قريبة من العاصمة بغداد .

سبق للمركز الفرنسي للاستخبارات أن كشف عن مخطط قديم لإقامة الخلافة الإسلامية من طرف داعش على أراضي عربية ، خاصة ذات الأغلبية السنية ، وبين المركز في تقرير تقييم أوضاع الشرق الأوسط " أن ما تم رسمه من مسار لتمدد الدولة الإسلامية لن يقتصر على العراق والشام ، وبالنسبة للعراق فإن المحافظات الشيعية والمختلطة غير موجودة ضمن طوبغرافية تلك الدولة " وأشار نفسه التقرير أن " قيادات الدولة الإسلامية على يقين بأن نموها وتمددها داخل الدولة العربية ذات الأكثرية السنية أسهل ، باعتبار أن الأوضاع مهيئاة لدلك كما في السعودية وقطر والإمارات ودول أخرى لوجود حواضن مناسبة ، وهذه الحاضنة تتشكل من أئمة مساجد ومفتين من مذاهب سنية ، أو تجار ورجال أعمال داعمين لتلك الجماعات ، أو من خلال الكم البشري المتوافق مع تلك الجماعات من حيث المذهب على الأقل " .

في هذا التقرير نجد تحذير واضح للداعمين والمعظمين لقوة هذه الجماعات المتطرفة ، ومنها على وجه التحديد "داعش" حيث قال التقرير" إن الدول التي تدعم تنظيم "داعش" وباقي الفصائل المنضوية في الخلافة الإسلامية أيقنت متأخرة بأنها الضحية الأولى لتلك الجماعات ،إذا ما استمر تمددها ، وبالخصوص أن أنظمة تلك الدول تواجه معارضة شديدة من قبل رعاياها ، بسبب سياسة التهميش والإقصاء التي تتبعها ضد الحريات ، مما يجعل من الدولة الإسلامية سبيل الخلاص الوحيد لشعوب تلك الدول " وفي إشارة واضحة من التقرير أكد أن أغلب الأسلحة والدعم المادي تأتي لهده الجماعات من طرف قطر والسعودية ، وفي إشارة خطيرة من هذا التقرير الفرنسي تأكيد أن " خطر "داعش" أصبح اليوم يطال "القاعدة" نفسها، خصوصا بعدما بدأت تتفلت من مشغليها الذين باتوا غير قادرين على ضبطها، ويتوقع انقلاب "داعش" على مموليها ولا سيما الدول الخليجية في القريب العاجل.

"داعش" صنيعة أمريكا يقول البعض ، وصنيعة إيران/ سورية يقول البعض الأخر ، وصنيعة ووريثة تنظيم القاعدة يقول الكثيرون ، أيا كانت حقيقة هدا التنظيم ، وكيفما كانت دوافع وأسباب وعوامل ولاداته ، تمت معطى عيني قائم ، إنه صبر أيوب الدي أبداه الغرب وهو يتفرج على هذا التنظيم وهو يمتد في منطقة شديدة الحيوية ،
يقف جل المتتبعين والمحللين مشدودين أمام تلكؤ الغرب في إمداد ثورة سوريا بالسلاح وهي في بدايتها ، ويقف مشدودين أمام بطء التصرف في مد جيش العراق بالسلاح والدعم اللوجستيكي في بدايات امتداد هذا التنظيم على أراضي العراق ، وإن جرى ذلك لاحقا وبحسابات وبضغوطات قوية على المالكي للتنحي وجرى ويجري ذلك بانسجام قوي بين الخصمين اللذوذين إيران وأمريكا .

تمت ما يشبه الإجماع من طرف هؤلاء المحللين أن الغرب يسعى لتعظيم قوة هذا التنظيم الإرهابي ، تماما كما جرى مع جيش العراق أيام صدام ، حين قدم جيشه كأقوى جيوشات العالم ، وجرى تحريض كبير على ما يشكله من خطر بحيازاته أسلحة دمار شامل ، ليجري الانقضاض عليه وتصفيته في 2003 ، تذهب هده التحليلات حد وصف هذا السلوك أو خطة الغرب بنظرية تعظيم القوة ، وهي النظرية التي يراد منها تبرير ومنح طابعا أخلاقي لتدخل جيوش الغرب ، والأهم إقناع دافعي الضرائب بمشروعية هذا التدخل وبحيوته على الأمن العالمي وعلى أمنهم هم أساسا ، ويجري تنفيذ هذه الخطة بخاصة أمام تنامي اعتراضات هذه الشعوب على الحروب بشكل عام .

إن همجية ووحشية ما تقوم به" داعش" وإطلاق العنان لها لترتكب مزيدا من الحماقات سيؤدي لأكبر دعم للتدخل العسكري الغربي ، وسيكون لهذا التدخل استحقاقاته على المنطقة ومستقبل خريطتها السياسية . كما سيشكل مبررا للسكوت عن أنظمة القهر والاستبداد والفساد في المنطقة ، بحجة ضمان الاستقرار أمام هذا الخطر الداهم .

أيام قليلة أعلن رئيس الوزراء البريطاني ، ديفيد كاميرون ، أن التلكؤ وعدم التدخل لضرب "داعش" ، معناه انتظارها حتى تحل في شوارع لندن لتضرب هي . نفس الشيء وبنفس التصريحات يصرح قادة الغرب ، ومن تم فالخلاف بين قادة الغرب وساسته ليس في حيوية إيقاف زحف هذا التنظيم ،وضرب بنيته الداخلية ، الخلاف فقط في التوقيت ، وفي نوع من التمهل حتى يؤدي وظائفه التي يرغب فيها الغرب في سياق نظرته الجديدة لمستقبل الخريطة السياسية لمنطقة الشرق الأوسط ، وفي سياق جوابه على التحولات التي جرت رياحها مع ما سمي الربيع العربي .

سبق "لفلافيا بانيسيري" المفوضية السامية لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة أن أكدت أن الانتهاكات التي يقوم بها تنظيم "داعش" والتنظيمات المتحالفة معه ، ترقى وبكل المقاييس لجرائم حقيقية ضد الإنسانية ، وقالت في كلمتها الافتتاحية لأعمال الجلسة الخاصة لمجلس حقوق الإنسان ، التي انعقدت يوم الاثنين الماضي فاتح شتنبر " إن هذه الانتهاكات تشمل القتل المستهدف والإكراه على تغيير الدين والخطف والاستعباد والتعذيب ومحاصرة الجماعات على أساس انتمائها الديني والعرقي" .

كما يقال ساعة الصفر بدأت لتسدل الستار عن حكاية تنظيم أدخل الفزع والرعب ، وصار الحديث عنه أشبه بحديث عن كابوس مرعب راعته وشدت عضده أنظمة ريع البترول وثقافة الانحطاط والتخلف ، ضربات موجعة تلقاها التنظيم كان لها أثرها في تقدم البيشمركة لاسترجاع ما خسروه في معركة برية شرسة مع "داعش" ، بريطانيا فتحت قناة الدعم اللوجستيكي للنازحين من ساحات القتال مع "داعش" ، وتصريحات رئيس وزراء بريطانيا المتتالية ستنتهي قريبا بتوجيه ضربات جوية قاسية ومدمرة لهدا التنظيم ، في الجانب الأخر من الصورة تمت ديكتاتوي دموي في سوريا اسمه بشار الأسد ، و الذي سبق وفتح سجونه في أكبر عملية لإطلاق سراح المتطرفين من الإسلاميين ، يحس بنشوة انتصار قادم نحوه وربح وفير وفره له هدا التنظيم الدي له أكثر من أب وأم ، بشار اليوم يعلن وبأعلى صوته : ها أنا أقدم لكم خدمة مكافحة الإرهاب حتى بدون أن تطلبوا مني ذلك ، تماما مثلما يحس بنشوة النصر ديكتاتوري المنطقة ، وهم يقدمون أنفسهم حماة استقرار حتى بدون رغيف ولا حرية .