بديل ـ صلاح الدين عابر

تحليل إخباري ـ عاشت شبيبة حزب " الإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية " حدثا رهيباً، يوم الأحد الماضي، بعد أن تحولت مُشادات كلامية إلى مواجهات بالسيوف و الكريموجين لمجرد اختلافات تقع في جميع الأحزاب السياسية.

يطرح هذا الوضع عدة أسئلة؛ أبرزها: ما الذي أوصل الإتحاديين إلى هذه الدرجة من البؤس والإنحطاط؟

الحديث عن المؤتمر الاتحادي وحدثه الرهيب الأخير و فشله، لم يكن هو الأول من نوعه في المغرب، و بالأخص وسط التيار " اليساري الـحكومي " بعيداً عن الانحطاط الأخلاقي و الفكر السياسي المهترئ، بعد أن فشلت من قبله مراراً وتكراراً أعداداً من المؤتمرات لمُختلف القوى اليسارية الحكومية و اختلفت الأسباب، إلا أنها تكون على ركيزة واحدة هي " أنا أكون الأسبق " كل القيادات و الزعماء و الأعضاء يتصارعون فيما بينهم من أجل الظفر بذلك الكرسي و ذلك المنصب السياسي.

حكاية بدأت شامخة.. و انتهت مذلولة

منذ ما يُسمى بحكومة التناوب في المغرب سنة 1998، عاش الجسم اليساري صراعا ضاريا، غير مجرى الحكاية، و انبثقت آنذاك فئات محسوبة على نفس الكتلة اختارت كل منها توجهاً خاصاً بها.

وقبل ذلك في سنة 1984 خرج "حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي" من رحم حزب "الاتحاد الاشتراكي"، بعد رفضه لخطاب الملك الحسن الثاني آنذاك الذي قرر فيه تمديد عمر البرلمان بعد انتهاء فترته.

طبعا، لا أحد ينكر أن اليسار في ذلك الوقت واجه أوج قبضات القمع و الاعتقال و الاضطهاد " المخزني " و رفع "لا" في وجه الاستبداد في أعتا ذروته، و بعضهم من لازال شامخا ممانعا في وجه "الإستبداد" إلى يومنا هذا .

كانت فكرة عدم الرضوخ لرغبات النظام من منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، و منظمة المستقلين الديمقراطيين وتيار الوفاء للديمقراطية، أفرزت مؤتمرا توحيدياً جمع " شملهم " بداية الانسحابات و التشتت بين من اختاروا طريق طاعة " دار المخزن " ومن رفضوا ذلك هاربين إلى القواعد الشعبية تحت اسم " اليسار الاشتراكي الموحد " .

يرى الكثير من المحللين السياسيين في المغرب، أن فشل اليسار الحكومي مقارنة مع التجربة الإسلامية، ما هو إلا خطأً ذاتياً، أفقد اليسار قوته و زخمه الشعبي، بسبب نخره من " قـيادات الفساد ذات المطامع الرأسمالية ".

و من جهته يرى الكاتب و المُعتقل السياسي السابق عبد رحمان النوضة في مؤلفه كتاب "نقد الشعب " بأن كل خطاب سياسي يعتبر اليوم أن حالة أحزاب اليسار بالمغرب جيّدة، أو حسنة، هو خطاب مُكَرّر، ومُحافظ، ولا فائدة منه. بل نقد اليسار هو الخطاب الوحيد الذي يمكن أن يُساعد على إبراز نقط ضعف هذه الأحزاب، أو نقائصها، أو أخطائها. ولا يوجد سبيل آخر، غير النقد، لمساعدة أحزاب اليسار على إصلاح نفسها، أو تقويمها، أو تثويرها، مُعتبراً بشكل إجمالي، وخلال الـ 10 أو 20 سنة الماضية، أن قوى اليسار بالمغرب لم تتحسن كيفيا، أو أنها لم تنجح في إعلاء درجة تأثيرها، أو في رفع مستوى فعاليتها السياسية. وهذا يعني أن أحزاب اليسار تَخَلّفَت بالمقارنة مع أحزاب اليمين".

و أضاف نفس الكاتب، "إذا كان الحس النقدي لمناضلي أحزاب اليسار تجاه القوى اليمينية حادّا، فإن حسهم النقدي هذا، تُجاه أحزابهم الخاصة، يُصبح في غالبية الحالات مَكْبُوتا، أو مُلجّما، أو مُحَرّما. والحوار، أو التنسيق، أو التعاون، فيما بين أحزاب اليسار يبقى ضعيفا، أو أقل من المستوى الممكن. وذلك رغم أن أفكار أو أهداف أحزاب اليسار مُتقاربة أو مُتشابهة أو متطابقة".

يسار قاوم الرصاص وحصد حصيلة يائسة..

القمع و الاضطهاد الذي واجهه الجسم اليساري في المغرب، ليس كالذي صادف التيار " الإسلامي"، فالفرق يبدو جوهرياً، لا أحد يُمكن أن ينكر ذلك، لكن اليسار و تجربته المجتمعية وبرامجه التي أطرت المشهد السياسي انتهى به الأمر إلى فشل ذريع وتصدعات يومية على رأس قيادات الأحزاب، فالإسلاميون السياسيون حصدوا قاعدة جماهيرية عريضة باتت تقض مضاجع النظام السياسي و يُضرب لها ألف حساب، وتنظيماً مُحكماً يخدع لصرف الولاء و الطاعة الدينية و عدم مُخالفة العارف بالأمور أو الخروج عنه في شيء.

ويرى بعض المحللين في المغرب، أن ضعف قوى اليسار و تشتتها و تلطخ يدها بالفساد، ترك الفرصة للإسلاميين لظفر بالشعبية، حتى ولو ظلت ففقط على ظهر " العشيرة ".

وفي هذا الباب، كتب فواز الطرابلسي في جريدة السفير، قوله : "جاؤوا متأخرين إلى الثورات. لكن الإسلاميين لم يقطفوها بعد. حازوا النسبة الأعلى من الأصوات في الانتخابات ، ولم يحوزوا الأكثرية"، مُعتبراً أن منطق التمثيل الثوري لا يتطابق مع منطق التمثيل الانتخابي. ليس فقط لأن الوقت لم يسنح لتبلور القوى والطاقات الشابة والشعبية، التي فجّرتها الثورات، في تشكيلات سياسية، بل لتخلّف الأنظمة الانتخابية أصلاً عن أن تعكس إرادة الجماهير. إلى هذا، يمكن أن يُضاف الأسبقية التي للأحزاب الإسلامية من حيث التنظيم والانضباط وتوافر الإمكانات المادية.

أزمة الإتحاديين أكبر من لشكر وسابقة عنه

يعتقد كثير من الإتحاديين الغاضبين من واقع حزبهم الحالي، أن أزمة حزبهم بدأت مع القيادة الحالية، وهذا لا يقول به إلا واهم أو مغرر به، وإن كانت مسؤولية القيادة الحالية قائمة في جزء من المشكلة.

أزمة الإتحاديين يتحمل وزرها الأكبر عبد الرحمان اليوسفي، الذي دخل تجربة سياسية دون ضمانات وأهدى حزبه في طابق من ذهب لملك، ظل يرتبص بشرعية الحزب ومصداقيته لسنوات، وأما هروب اليوسفي إلى بلجيكا، والبكاء على الخروج على المنهجية الديمقراطية، فليس سوى بكاء تماسيح، وإلا ما سر صمته اليوم عما يجري، وهل عند المبادئ "تقاعد سياسي" ثم كيف لنظام طعنك في الخلف أن تشاركه مسرحياته في الإنتخابات والإستفتاء على الدستور؟

مصير "اليساريين" هو نفسه المصير الذي ينتظر "الإسلاميين"

بحسب مراقبين في المغرب، أن تجربة الإتحاد الاشتراكي انطلاقا من حكومة اليوسفي، و التي تمخضت عن عزل الاتحاد الاشتراكي في السنوات الأخيرة عن دائرة السلطة و المُقربين من " دار المخزن "، هي التجربة نفسها التي تنتظر الإسلاميين، بعدما يُنتظر تلطيخ يدهم بالفساد و المشاكل، و تكن لهم فئات عريضة من الشعب كرهاً لاذعاً، و تفقد شعبيتها لكي تعود خاوية على عرشها.

وبعكس هذا المنظور، يرى نشطاء مغاربة شاركوا ضمن سياق حركة الـ20 من فبراير، التقى بهم موقع " بديل " أنه إن كانت فكرة القصر تجريد الإسلاميين من نزاهتهم و خطتهم و تلطيخ أيدهم بالفساد، فهو أمر مُستبعد؛ لكون الإسلاميين لا يستندون أبداً إلى عموم الناس، لإمتلاكهم قاعدة شعبية خاصة بهم، متشبثين بالبقاء في التنظيم بناءً على قناعات دينية راسخة، واصفين حزب العدالة و التنمية " تنظيمه هو نفس تنظيم جماعة العدل و الإحسان من حيث الترتيب و القدرة على الحشد " .

قوة الإسلاميين في التنظيم

يجمع الكل على أن قوة الإسلاميين تتركز في صلابتهم التنظيمية، ما يضمن لهم الاستمرار والوجود، رغم عدم امتلاكهم لأي حلول غير شعار عام وهو "الإسلام هو الحل"، بخلاف خصومهم اليساريين والليبراليين الذين يمتلكون قدرة كبيرة على اقتراح الحلول للمشاكل الاجتماعية، بحكم استنادهم على نظريات سياسية واقتصادية أرضية، لكن رخاوتهم التنظيمية، خاصة اليساريين تجعل بيوتهم السياسية أهون من بيوت العناكب.

ولعل تجربة حزب "العدالة والتنمية" في الحكومة خير دليل على القوة التنظيمية للإسلاميين، إذ رغم الحصيلة السلبية للحكومة، ورغم تحالف بنكيران مع شخص كانوا يصفونه بـ"الفاسد" ورغم مواقف زعيمهم من الأزمة المصرية..لم يظهر أي تصدع أو انشقاق في الحزب، بخلاف الإتحاديين، الذين ما إن "قالوا باسم الله في حكومة" ما سمي بالتناوب التوافقي، حتى استلت السيوف، وظهر كل زعيم يقول " أنا شمس الحقيقة" قبل أن يخرج الساسي والسفياني وأقصبي..في إطار تجربة "حركة الوفاء للديمقراطية" فيما اختار نوبير الأمي اتجاها آخر.

أسباب قوة الإسلاميين التنظيمية

يعزو المحللون أسباب القوة التنظيمية للحركات الإسلامية إلى ثلاث عوامل؛

العامل الأول، يرتبط بالثقافة الدينية أو بتعاليم القرآن التي تدعو إلى طاعة أولياء الأمر، حيث يصبح الخروج على ولي الأمر خروجا على الجماعة، حتى إن بعض التيارات الإسلامية لا تجيز الخروج على ولي الأمر أو الزعيم "إلا إذا أظهر كفرا بواحا".

العامل الثاني، يرتبط بكون "المناضل اليساري"، هو كائن يعشق الحرية ويقدس ذاته، أكثر من أي شيء آخر، فمتى استشعر أن الزعيم داس على هذه الذات أو خالف مبادئها، أو زاغ على المنهج المتفق عليه، انتفض عليه، باحثا عن جماعة اخرى، وإن اقتضى الحال التوقف عن ممارسة اي نشاط إذا لم يجد ما يستهويه، بخلال "المناضل الإسلامي"، الذي يقدس الجماعة ولا يرى ذاته إلا رقما ضمنها، ما يجعله داخلها حتى ولو تحالف زعيمه مع "فاسد" أو عفا عنه.

العامل الثالث، وهو مهم كذلك بحسب الكثير من المحللين، له علاقة بسيكولوجية "المناضل الإسلامي"، وهي "سيكولوجية" محبة للهدوء والاستقرار والثبات بخلاف سيكولوجية "المناضل اليساري"، المتميزة بالتمرد والرفض والميالة للتغيير، والبحث عن آفاق أرحب.

أما العامل الرابع، وهو موضوعي فيرتبط بطبيعة المرحلة التي هي مرحلة وصلت فيها أسهم اليساريين إلى الحضيض بعد فشلهم في الإجابة على أسئلة الانتقال الديمقراطي وتقديم حلول لمشاكل المواطنين، ما جعل الناس تهرول نحو التنظيمات "الإسلامية" التي طرحت نفسها كبديل عن اليساريين والقوميين والليبراليين، لكن إلى متى ستبقى كذلك والأزمة في تفاقم مستمر؟