صلاح الدين عابر ـ يوم الخميس 03 يوليوز، خرجت جماعة "العدل و الإحسان" المحظورة في لقاء صحفي، نظمته بأحد المنازل الخاصة بمدينة الرباط، لتقول إن الاستبداد عاد بقوة والمستبدون لم يقدموا أي تنازل عن مصالحهم، وهذا لا يمكن أن يؤدي إلا إلى الانفجار.

ويتساءل العديد من المتتبعين لشأن الجماعة عن سر وخلفيات هذا الخروج السياسي في هذا الوقت بالذات؟

هل زلزل الملك عرش الجماعة؟

أعلن الملك محمـد السادس مؤخراً عن منع الأئمة والخطباء وجميع المشتغلين في المهام الدينية من "ممارسة أي نشاط سياسي او نقابي"، ويرى معظم المحللين لهذا القرار أنه يستهدف قطع الطريق " عن تنظيمات الإسلام السياسي في البلاد "، خاصة جماعة العدل و الإحسان و باقي أطيافها المعروفة بميولاتها الشديدة للشأن الديني و بناء قاعدة جماهيرية و ركيزة سياسية من خلال الدين.

و يرى المحللون للشأن السياسي أنه ليست هذه هي المرة الأولى التي يخرج فيها الإسلاميون ليدينوا الأوضاع، فكلما تأزمت علاقة " الحكم" بـ " التيار الإسلامي الماسك بالحكومة " ، تخرج قيادات التنظيم بشتى تلاوينه لتُدين سياسة البلاد بالكامل و تُهدد بعودة قوية و ثورة دموية، ففي كثير من الأحيان تخرج مثل هذه الكلمات على لسان بنكيران، بطريقة ما، لكي يُشير إلى فضله في استقرار البلد، وإلى أنه لولاه لكانت الدماء تسيل في الشوارع المغربية، ملمحا إلى أنه وصل إلى الحكومة بفضل جماعته وهي من تستطيع مطالبته بالرحيل.

ويرى طرف آخر أن العدالة و التنمية لا تجمعه أي علاقة بالعدل و الإحسان، ولا يوجد ما يُسمى بـ" التنظيم الدولي للإخوان " و أن العدل و الإحسان غير راضية على أداء بنكيران، رغم أنها لم تُدن حكومته يوماً ما بشكل رسمي، مع العلم أنها تُدين سياسة النظام وليس الحكومة.

 غياب تام !

عُمر جماعة "العدل والإحسان" أزيد من أربعين سنة، ولم يسجل التاريخ أن خرجت الجماعة يوما إلى الشوارع المغربية لتقود مسيرات من اجل غلاء فواتير الماء والكهرباء أو للاحتجاج على أحوال سكن الفقراء، أو تفشي البطالة في المغرب.
ويرى المتتبعون لشؤون الجماعة أن "العدل والإحسان" لم تخرج إلى الشوارع إلا من اجل فلسطين وسوريا والعراق، أو لمواجهة السلطات في معركة أخلاقية على حلبة شواطئ البحر، وحتى حين التقت صدفة مع شباب 20 فبراير على مطالب اجتماعية، سرعان ما عادت
أدراجها، تاركة المغاربة وحدهم في الشوارع يواجهون هراوات السلطات.

 أنانية مفرطة

يقبع العديد من المعتقلين السياسيين في السجون المغربية، لكن المتصفح للموقع الرقمي للجامعة لن يجد إلا صورة عمر محب، عضو الجماعة المدان بعشر سنوات، على خلفية مقتل الطالب اليساري، آيت الجيد محمد بنعيسى، حتى يتخيل المتصفح غير الملم بالأوضاع، أن المغرب به معتقل واحد هو عمر محب.

قُتل كمال الحسايني في "بني بوعياش" ومحمد بودرة في آسفي، وكريم لشقر في الحسيمة وحتى الشباب الخمسة الذين ظهرت جثتهم مفحمة في إحدى المؤسسات البنكية بنفس المدينة، يروج أنهم قتلوا، ومع ذلك لا تنظم الجماعة لأي واحد من هؤلاء المغاربة وقفة أمام البرلمان، وحده كمال العماري، يحظى بشرف هذه الوقفة، والسبب هو أنه ينتمي للجماعة، فيما الآخرون لا ينتمون إليها.

جماعة بلا مشروع وقيادات ترتجف من خيالها

تعاني العدل والإحسان من نقطتي ضعف كبيرتين، مهما اتسعت قاعدتها الجماهيرية، الأولى وهي ان الجماعة لحد الساعة لم تقدم للمغاربة مشروعا مجتمعيا ولا برنامجها للحكم، وعندما تواجه قادتها بهذه الحقيقة، تختبئ وراء مبررات غير مقنعة، فيما نقطة الضعف الثانية تتمثل في طبيعة القيادات المتحكمة في قراراتها، فرغم توفر الجماعة على قادة بواسل يحضون بالاحترام وسط فرقائهم أمثال منسق هيئتها الحقوقية محمد السلمي وعمر أمكاسو ومحمد الحمداوي إلا أن صناع القرار الحقيقيين داخل الجماعة ثلاثة كلهم "يرتجفون" من خيالهم حسب وصف مصادر مقربة.

يحكي صحفي عن وقائع طريفة واجهته مع القادة الثلاثة وهم عبد الله الشيباني زوج كريمة مؤسس الجماعة عبد السلام ياسين، وفتح الله أرسلان، الناطق الرسمي باسم الجماعة، وحسن بناجح، مدير مكتب ارسلان.

ويتذكر الصحفي كيف أوقف الشيباني حوارا معه بدعوى آذان صلاة العصر، غير أنه بعد الصلاة، رفض الإستمرار في الحوار، طالبا من الصحفي أن يرسل له ما جرى تسجيله، وعلى ضوء ذلك سيقرر ما إذا كان سيكمل ام لا.

وبحسب الصحفي فإن الشيباني وجد نفسه متورطا في تصريحات لا قبل له بها (..) وبعد أن شعر بخطورة تلك التصريحات لم يجد من وسيلة للتهرب من الحوار سوى صلاة العصر.

كما يتذكر الصحفي ما جرى له في لقاء صحفي مع بناجح وأرسلان، وقد طلب بناجح من الصحفي عدم الحديث عن نادية ياسين نهائيا في الحوار وهو ما استجاب له الصحفي غير أن صدمته ستكون كبيرة، حين سأل الصحفي أرسلان عن موقفه من الملك وعما إذا كان ديمقراطيا ام لا؟ فرد أرسلان نحن لا نتحدث عن شخص نتحدث عن نظام فسأل الصحفي هل رأس هذا النظام ديمقراطي ام لا؟ فطفح الغضب من وجه أرسلان ورد غاضبا: قلت نحن لا نتحدث عن أشخاص نحن نتحدث ممارسات سياسية فسأل الصحفي مجددا "هل ممارسة هذا الشخص ديمقراطية أم لا؟ فما كان لأرسلان إلا ان أوقف الحوار قبل أن يقول للصحفي في نهاية اللقاء "واش أنت غادي تمشي لدارك وباغي تديني انا للحبس"، ما جعل الصحفي يردد في قرارة نفسه "إوا علاش داير فيها بطل وممانع وتهدد بالطوفان" يضيف الصحفي لموقع "بديل".

وبالنسبة لهذا الصحفي فعبارة أرسلان الأخيرة تعني له الكثير، وتفسر له أشياء عديدة، خاصة بعد أن ظل بناجح يصر على عدم نشر اللقاء الصحفي إلا إذا رآه وأشر عليه، وهي امور لم يسبق للصحفي ان عاشها مع أي ضيف آخر، يضيف الصحفي، قبل أن يؤكد على انه نشر الحوار فكانت تلك قطيعته الكبرى مع بناجح وأرسلان.

الجماعة "تطعن وتخون" الجماهير

يتذكر المغاربة بشدة و حرقة، أحداث سيدي أفني سنة 2008، التي عرى فيها النظام المخزني عن أنيابه و ظهر بقفاز الاستبداد، مُستعملا القبضة الحديدية في قمع الاحتجاجات ضد الأبرياء و الفقراء، وهي الأحداث التي شاركت فيها جميع الهيئات الحقوقية والسياسية والمدنية في المدينة وغابت عنها هيئة واحدة هي جماعة العدل و الإحسان، رغم أنها تكتسي حدثا مهماً في تاريخ المغرب الحديث وانتهاكاً بشعاً في عهد ملك شاب.
أكثر من هذا، لم تصدر الجماعة لحد الساعة ولو مجرد بيان تدين فيه الفظاعات الكبيرة التي ارتكبت في حق المحتجين، كما فعلت كل الهيئات الحقوقية والسياسية والمدنية في المدينة، ما ترك علامات استفهام كبرى لدى كل المتتبعين لشأن الجماعة.

"خروج الجماعة من حركة 20 فبراير طعنة غادرة" يقول عبد الله الحريف الكاتب الوطني السباق لحزب "النهج الديمقراطي، في حوار سابق مع "الأسبوع الصحفي"، في عددها ليوم الخميس 12 يوليوز، 2012.

لم يكن الحريف وحده من شعر بالغدر من طرف الجماعة، بل كان شعورا تقاسمه معه، كل نشطاء حركة 20 فبراير، والمطالبين بالتغيير في المغرب.
ورغم كل الدفعات التي بررت بها الجماعة قرار انسحابها من الحركة، فلا زالت الخلفيات الحقيقية لذلك الإنسحاب مجهولة، وإن كان البعض رأى أنها معلومة، تمثلت في رسالة بعثت بها الجماعة للنظام مفادها "هذه قوتي، وهذا حجم تهديدي لمصالحك، وبالتالي أنا حليفك في المستقبل، وإلا كان الطوفان".

هل خرجات الجماعة.. مفرقعة إعلامية فقط ؟

مُصطلح "المُفرقعة المبللة " هو مُصطلح شائع يطلق في الإعلام الفرنسي، إذ يقصد به "قنبلة صغيرة لا تستطيع الانفجار".
اليوم خرجت الجماعة من جديد، خالقة حدث أو " مفرقعة إعلامية مُبللة " لتُشير إلى شيئا ما، أو تُطالب بطريقتها بشيء ما !السؤال المطروح حالياً ماذا تقصد " العدل و الإحسان بتصريحاتها هذه ؟ "
في اتصال " بديل " بالناشط الحقوقي و الكاتب المغربي " أحمد عصيد " نفى أن تكون هذه هي المرة الأولى التي تصدر فيها الجماعة مواقف تجاه النظام السياسي في البلاد وأن ذلك ليس بالشيء الجديد، لطالما كانت الجماعة تصدر مواقف تجاه المؤسسات والحكومة و تنتقد الوضع عبر تقارير مكتوبة.

وفي تعليقه، على قرار الملك محمـد السادس الأخير بخصوص منع أئمة المساجد من ممارسة أي نشاط سياسي أو ديني، رأى أنه قرار احترازي و وقائي جراء الاضطرابات التي تشهدها المنطقة، من ضخ الخطاب الديني الذي يؤدي إلى العنف، و أضاف عصيد، أن هناك مليون خطبة تطرح سنوياً في المساجد المغربية، و أغلب أئمة المساجد يميلون لحركة التوحيد و الإصلاح، و هناك تخوف من النظام السياسي، لاستغلال هذه المنابر الدينية لصالح " تيار العدالة و التنمية " في الانتخابات المقبلة، و كذلك التيار السلفي الذي يمكنه أن يستغل هذه المنابر لتمرير مخططاته، و قال عصيد " إن العنف بإسم الدين يؤدي إلى خراب الدول، مستشهداً بالنموذج المصري و عدد من الدول العربية.

وأعتبر عصيد، أن تنظيم العدل و الإحسان و التوحيد و الإصلاح لا تجمعهما أي علاقة مع بعضهما، و إنما هناك اختلاف جذري، و في تعليقه على " العدل و الإحسان و المجتمع " قال أن الجماعة تتبنى جملة من المطالب الاجتماعية، ورغم ذلك تبقى معزولة والسبب يرجع إلى الإيديولوجية الدينية وربطها بالديمقراطية و مشروع " عبد السلام ياسين " بمقترح " الخلافة على منهج النبوة " يُعتبر مشروع غير مُجتمعي و هو ما يُحيل إلى عزل الجماعة الدائم.
يربط الباحث في الشؤون الإسلامية ادريس الكنبوري، خرجات "العدل والإحسان" الاخيرة بتصاعد مخاطر الحركات الإرهابية التي تهدد المنطقة خاصة مع ظهور حركة "داعش".

ويرجح الكنبوري أن تكون رسالة العدل والإحسان للنظام مفادها " أن هناك مخاطر تحدق بنا في المستقبل وأننا صمام الأمان امام تلك المخاطر، لهذا وجب فتح الحوار معنا قبل وصول الإرهابيين خاصة وأن كل الشروط الموضوعية مواتية للإنفجار".

فالكنبوري يرى أن خروج العدل والإحسان يتزامن مع توتر تعيشه المنطقة، وتعيشه البلاد بعد أن جرب المغرب الدستور الجديد والحكومة الجديدة دون أن يلمس المغاربة اي تقدم حقيقي في مستوى معيشتهم أو دخلوا نادي الدول الديمقراطية.