بديل – عن "الايام"

تنشط في الأقاليم الجنوبية، منذ عقود، شبكات محترفة في مجال التهريب عبر الحدود المغربية- الجزائرية، استطاعت تكوين علاقات متشعبة مع شبكات أخرى من الطوارق وجبهة البوليساريو وجزائريين شرق الجدار الرملي، مستغلة منافذ في الحدود المغربية. 

«الأيام» تعقبت قافلة للتهريب متنكرة في صفة مساعد أحد المهربين بالصحراء، من مدينة العيون، صوب صحراء الحمادة، شرقا.

الساعة تشير الى الثامنة ليلا، وهو الموعد المتفق عليه بين المهربين للالتقاء بسياراتهم رباعية الدفع في إحدى محطات البنزين شرق مدينة العيون، والوجهة هي صوب صحراء الحمادة، بالقرب من الجدار الرملي، الفاصل بين ثكنات الجيش المغربي، شرق مدينة السمارة، ومخيمات جبهة البوليساريو، شرق الجدار الرملي، أربع سيارات رباعية الدفع على أتم الاستعداد لتنفيذ عملية تهريب معقدة ومحفوفة بالمخاطر، لا سيما وأن البضاعة المهربة سيتم استلامها من قبل شبكة تهريب قادمة من شرق الحدود، لا أعرف لحد كتابة هذه الأسطر هويتها.

التنفيذ قبل الشروق

"البوخاري" رجل طويل بملامح صارمة، بشرته السمراء، وشعره الأبيض وشاربه الكث ..كلها ملامح توحي بأن الرجل ذو خبرة سنوات بمجال التهريب بين كثبان وهضاب الصحراء، تعرفت عليه "الأيام" عبر مساعدة بعض المعارف، من أجل اصطحابه في عملية التهريب التي يبدو هو من أهم منفذيها، يتحدث بلهجته الحسانية عن ضرورة إنهاء تنفيذ هذه العملية قبل شروق الشمس، أو على الأقل استلام البضاعة قبل الشروق، وعلى مسافة تزيد عن 80 كلم، عبر الطريق الجهوية المعبدة الفاصلة بين العيون والسمارة، والساعة تشير الى الواحدة والنصف صباحا، تنحرف بسرعة القافلة المكونة من أربع سيارات رباعية الدفع صوب طريق فرعية غير معبدة، شرقا، وهي الطريق التي ستتوقف فيها القافلة لـ15 دقيقة، بعد قطع أكثر من 30 كلم، ليجري "البوخاري" مكالمة هاتفية مع أحدهم بلغة مشفرة، يبدو من الوهلة الأولى وكأنه من عائلته، حيث يستفسره عن "الأجواء" وعن "الوالدة" و"الصحة"، فيما إن كانت بخير أم لا ؟ لكن من يكون المتصَل به ؟ وما مناسبة هذه المكالمة التي أوقف "البوخاري" قافلة سيارات التهريب من أجل إجرائها؟

تورط عناصر جبهة البوليساريو 

حقيقة الأمر هي أن تلك المكالمة الهاتفية كانت مع أحد عناصر مافيا التهريب من جبهة البوليساريو، قادمون من شمال مخيمات تندوف، يرابط على مقربة من الحدود، تربطه علاقة مع "البوخاري"، وينسق معه بشكل مستمر في كل عملية، اما اللغة التي أجرى بها "البوخاري" مكالمته الهاتفية، فهي لغة مشفرة حتى لا يثير انتباه الأجهزة المغربية المكلفة بالتنصت، وحتى تبدو المكالمة عادية جدا، لأن كل المكالمات الهاتفية مراقبة، سواء العسكرية أو المدنية، يقول البخاري.

وتستأنف القافلة من جديد سيرها بدون إنارة صوب نقطة ما من الحدود، بعد طمأنتها من قبل أصحاب البضاعة، الظلام دامس، ولم تبق سوى ثلاث ساعات ونصف عن الشروق، والكل يتخوف من مناطق تواجد الألغام، غير أن "البوخاري" بمعنوياته المرتفعة وهو يتقدم القافلة بسيارته "لاند غريزر"، يبدو بأنه يفقه جيدا ببؤر تواجد الألغام، لاسيما وأن الرجل سبق أن شارك في صفوف الجيش المغربي خلال حرب الصحراء بين المغرب وجبهة البوليساريو عام 1985.

أزيد من 20 دقيقة مرت على السير الحذر للقافلة، لتتوقف سيارة "البوخاري" في المقدمة، وينزل "خليهن" من سيارته، وهو شاب متحمس في عقده الثالث، ليتولى مهاتفة اصحاب البضاعة القادمين من شرق الحدود، من جديد، بلهجة حسانية خالصة، وهو ما يوحي بأن أصحاب البضاعة هم مهربون من مخيمات تندوف، طالما يتقنون التواصل باللهجة الحسانية وبسلاسة دون تصنع، وهو ما أكد لي أنباء تورط عناصر جبهة البوليساريو في عمليات التهريب في المنطقة.

البضاعة المهربة

وسط الظلام الدامس، وعلى مقربة من الحدود بـ7 كلم، وعلى بعد حوالي15 كلم، من إحدى الثكنات العسكرية التابعة لمنطقة تسمى بـ"المحبس"، شمال المنطقة المفترض فيها تسليم البضاعة، نتلقى إشارة من قبل أصحاب البضاعة بإنارة شاشة الهاتف، على مسافة بضعة أميال من مكان توقفنا، ليقترب المهربون القادمون من شرق الحدود، بأربع سيارات رباعية الدفع، محملة بالكامل بالسجائر، مصدرها جماعات من الطوارق مختصة في عمليات التهريب بالصحراء الكبرى. ويتزعم المهربين القادمين من شرق الحدود صحراوي من مخيم "ولاية السمارة" بمخيمات تندوف، يخفي وراء لباقته وهدوئه الجزع والخوف والتردد، اسمه الحركي "بوطلحة" كناية لأشهر نبتة صحراوية (الطلح).

البضاعة التي يبلغ حجمها 590 علبة (كارتون) متوسطة الحجم من السجائر، من نوع "مالبورو"، وأخرى من نوع "ميريكان"، تم شحنها بسرعة البرق في ظرف يقل عن 20 دقيقة ، حيث يتولى كل أربعة مهربين شحن سيارة من السيارات الأربع الفارغة القادمة من العيون.

وحسب ما عاينت "الأيام"، فلم تكن البضاعة المهربة هي عبارة عن سجائر فقط، بل كانت عبارة عن صندوق ورقي معلب من الحجم المتوسط، لم تتمكن "الأيام" من كشف محتواه، بسبب انفراد "بوطلحة" بـ"خليهن"، بعيدا عن مكان الشحن، وهي البضاعة التي وجدت عناية خاصة عند "خليهن"، الذي وضعها أسفل مقاعد مرافقيه على متن السيارة، ليتولى كبير المهربين "البوخاري" تسليم النقود لأصحاب البضاعة، حيث تصل قيمة العلبة الواحدة (الكارتوش) من سجائر "مالبورو" إلى ألف درهم مغربي، وسجائر "ميريكان" حوالي 600 درهم للعلبة الواحدة.

وتنطلق القافلة من جديد محملة بالسجائر المهربة صوب العيون، على أثر عجلات السيارات، والساعة هنا تشير إلى الرابعة والنصف صباحا.

لكن ما ظل يحيرنا منذ اقتراب القافلة من الحدود هو كيف استطاع المهربون تنفيذ عملية تهريب بدقة متناهية دون إثارة انتباه أو رصد!فالإشارات الضوئية والمكالمات الهاتفية الدولية المتبادلة بين المهربين على مدار الدقيقة، وصوت محركات سيارات التهريب المزعجة، لم تستطع لفت الانتباه، وهذا يشكل خطراً لاختراق وتسرب بضائع أخرى تمس بالأمن العام بالصحراء.

دروب التهريب الوعرة

كل عمليات التهريب، التي كانت وماتزال تجري باحترافية عالية في صحراء الحمادة، كانت تنفذ في الظلام الدامس، وفي نقاط خالية من الألغام وبعيدة عن نقط المراقبة المشددة لعناصر الجيش المغربي، فصحراء الحمادة هي صحراء قاحلة ووعرة و شاسعة، لا يستطيع البصر حدها، ولا قوات الجيش بسد كل منافذها ذهابا وإيابا نحو الصحراء الجزائرية، حيث ترابط ميليشيات جبهة البوليساريو، وتنشط مافيا التهريب بكل حرية.

فـ"خليهن" الذي بدأ امتهان التهريب عبر الحدود، وله شبكة علاقات واسعة مع مافيا التهريب بالطوارق والبوليساريو والجزائر، مايزال يخشى الدروب الوعرة للتهريب في صحراء الحمادة :"الكونتربوند" في صحراء الحمادة يتطلب الكثير من الحيطة والتجهيز قبل خوض غماره (..) ويتطلب أن نكون مجهّزين بجهاز – جي بي إس- في بعض الأحيان، كي لا نتيه بين كثرة المسالك والطرق عن وجهتنا، دون مضيعة الوقت، لكن مع التجربة اكتسبنا الخبرة في اتباع المخارج الخالية من الألغام والبعيدة عن مراقبة عناصر الجيش على طول الجدار الرملي"، يحكي "خليهن" لـ"الأيام".

تهريب "البشر"

الساعة تشير إلى السابعة وخمس وأربعين دقيقة، سيارات التهريب تتوقف لتفرغ شحنات السجائر في أحد المخازن بالعيون، ليتم نقل بعضها في ما بعد نحو مدن بوجدور، طانطان، كلميم، في إطار الاتجار بها، والبهجة تغمر المهربين، ومساعديهم، لنجاح العملية، وهم على قناعة بأن عملهم هذا يندرج في إطار أعمال التجارة و"البيزنز"، طالما أن هناك عملية شراء وبيع.

في جلسة استراحة، اجتمع المهربون حول كبيرهم "البوخاري"، في جلسة شاي، بعد قطعهم ذهابا وإيابا مسافة 120 كلم من صحراء الحمادة، وأزيد من 400 كلم بين طرق معبدة وفرعية ووديان وكثبان رملية، وصولا للعيون. "حبَدّي" شاب صحراوي في عقده الثالث، بنيته الجسمانية القوية توحي بأنه رجل عمليات التهريب الصعبة، يتحدث بلغة مفعمة بـ"الأنا" عن نفسه وامتهانه لأنواع التهريب التي تعامل معها منذ ولوجه هذا العالم عام 2005 :"بدايتي انا كانت مع تهريب المهاجرين الأفارقة القادمين من بلدان جنوب الصحراء، الراغبين في الهجرة السرية صوب جزر الكناري الإسبانية، حيث كانت مهمتي أن أتكلّف بنقلهم من صحراء بوجدور صوب مدينة طرفاية (شمال غرب العيون بـ100 كلم)، وبإقامتهم لأيام بالقرب من سواحل جنوب طرفاية، حتى تكون الظروف الأمنية والمناخية مناسبة، لتتم عملية تسليمهم لسماسرة متخصصين في الهجرة السرية صوب الضفة الأخرى، ليبدأ شوط آخر من التهريب بين أمواج البحر".

"الكونتربوند" رغد عيش

التهريب في الأقاليم الجنوبية لا يولد إحساسا لدى المواطن العادي بوجود سلعة قد تشكل له "ضررا أو خطورة"، لا بل يوجد طلب حثيث على المواد المهربة، خاصة السجائر منها، التي يتزايد الطلب عليها من لدن المستهلك.

"إبراهيم" هو تاجر مواد مدعمة في العيون، من أهم تجار الجملة، للسجائر المهربة، يبرر لـ"الأيام" عملية شرائه للسجائر المهربة :"الكونتربوند في الصحراء شأنه شأن أعمال التجارة الحرة، فمئات الأسر الصحراوية تعيش على رغده منذ أمد طويل، وتفضل المواد المهربة، بسبب بخس ثمنها، ولا يدخل "الكونتربوند" هنا في المحرمات أوالممنوعات، لأننا نشتري ونبيع في واضحة النهار".

تجارة "الكونتربوند" في الصحراء، سواء ما تعلق منها بالسجائر أو غيرها من المواد المدعمة التي تهرب داخليا، شيء اعتيادي، بل ومطلوب عند المستهلك في الأقاليم الجنوبية، بسبب بخس الثمن. "سيد أحمد" هو شاب صاحب متجر للتبغ، لبيع السجائر غير المهربة، والمؤشرة جمركيا، في العيون، يبيع هو الآخر السجائر المهربة بسبب ما قال عنه "الطلب المتزايد عليها من قبل الزبائن"، ويروي لـ"الأيام" اللعبة التي يعتمدها أصحاب متاجر التبغ بالصحراء في بيع آلاف السجائر المهربة :"نحن في متاجر التبغ، نشتري كميات بسيطة من السجائر المؤشرة جمركيا (غير المهربة)، بشكل دوري، غير أنها فقط لتبييض عمليات البيع للسجائر المهربة، التي يكون عليها الطلب بشكل كبير عند الزبائن، فالزبون اليوم عوض أن يشتري علبة سجائر من نوع "مالبورو" بـ32 درهما، سيشتري نفس النوع –المهرب- بقيمة 20 درهما فقط".