مصطفى المعتصم

عندما يبرر رئيس الحكومة اقتراحه للمستشار المعتصم، كرئيس للمحكمة الدستورية، بكونه لعب دورا مهما في الوساطة بين حزبه والقصر، فهذا يدعو الى الإستغراب والتجريح في الموقف اللاموضوعي، فكلنا يعلم الجعجعة التي قادها المحافظون عشية الإستفتاء على دستور ما بعد الحراك الإجتماعي ، وساعدهم فيها موضوعيا موقف المقاطعة الصادر عن « اليسار» ، وأدت إلى حذف كل ماهو ذي علاقة بمدخل « مدنية الدولة » و حرية المعتقد.

وكلكم يعلم أيضا أنه في يوم 27 أكتوبر من سنة 2011، بادر رئيس المنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف إلى تقديم استقالته لكون جهات معينة تخطت الخط الأحمر وساهمت في غط الطرف عن سلامة الفبرايري كمال حساني ، فصار أول ضحية مباشر للقتل، وهو انتهاك جسيم لحقوق الإنسان ، هذا سبب مباشر، والسبب غير المباشر والجوهري أيضا هو الصفقات الجارية آنذاك لتنصيب أغلبية محافظة في الحكومة المقبلة، على رأسها حزب المصباح ، والذي سيتكلف عمليا بتأويل الدستور ، قبل تنزيله ، وفعلا كان الموقف من ملفات الإختفاء القسري ، والعلاقة مع جلادي سنوات الرصاص ، من خلال قانون حصانة العسكريين، وتأجيل تنفيذ توصيات هيأة الإنصاف والمصالحة، خاصة في الملف الإجتماعي والشق السياسي المتعلق بتدبير ضمانات عدم تكرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ، بغض النظر عن إجهاض مطلب الملكية البرلمانية بسبب تنازل رئيس الحكومة عن صلاحياته الدستورية ، على عكس ما يقتضيه دستور القطيعة المفترضة مع ماضي سنوات الرصاص ، فهاهو التاريخ ينصف تصور المنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف.

واليوم 29 أكتوبر شاهد على أنه حان الوقت لربط نتائج التسوية السياسية التي أثمرت توصيات هيأة الإنصاف والمصالحة، والتي ينبغي تركيبها مع مقتضيات تقرير الخمسينية حول التنمية، من زاوية تطويرها وتأهيلها، وفق تسوية إجتماعية، ترد الإعتبار للمسؤولية الإجتماعية للدولة وحليفتها المقاولة الكبرى ، وتفك الإرتباط مع « خارج » الإملاءات ، هذا الخارج الذي قال عنه المستشار الفقيد أحمد مزيان بلفقيه بأنه « مزعج » لتطور البلد و يعرقل تطوره، مما يستدعي فتح حوار عمومي حقيقي نقدي للتنمية الرثة، مستحضرين نموذج الدول الصاعدة كالبرازيل والهند على سبيل المثال ، فهذا زمن المحافظين المؤطر بتعاقدات مع اللبراليين، زمن لم يعد ينفع معه خطاب « الأخلاق » ، فالواقع لن يرتفع ، اللهم بفضل ايتيقا فصل الدين والإقتصاد عن السياسة ، والإعتراف الإجتماعي الذي يمتح ، فقط ، من وعاء المفهوم الجديد للعدل دون إحسان ، وبالتالي فلا مانع في تعيين الملك لمن يشاء ، شريطة تنفيذ الإلتزام الملكي بإحداث مجلس الدولة ، في خطاب موجه لقضاة الوطن يوم 15 دجنبر 1999 ; في سياق توازن السلط من خلال مراقبة الشرعية والمشروعية ، فالأمر لا يحتاج إلى نزاهة وكفاءة فقط ، بل لابد من المسؤولية ببعدها الإنساني والحقوقي في أفق انبعاث الدولة الإجتماعية المتحررة من قيود المناخ النيوليبرالي.