حميد المهدوي ـ إذا لم يُدرك المغاربة أن مصطفى الرميد واحد من أبرز قيادات الدولة العميقة فستطول محنتهم وسيخدعون كثيرا مع كامل الأسف.

مساء الاثنين الماضي، حضرت ندوة صحفية، بمقر وزارة العدل، خُصصت لتقديم نتائج التحقيق الذي فتحه الرميد حول تسجيلات صوتية تتحدث عن وجود "اختلالات في صفقات عمومية وتوظيفات مشبوهة".

استهل الوزير ندوته بالتأكيد على موقفه من الفساد، وبأنه مستعد لمحاربة أي فاسد في وزارته، مهما علا شأنه، قبل أن يؤكد على أن جميع الشكايات الواردة على وزارته تأخذ نصيبها من المعالجة.

كان الوزير يتحدث، وفجأة ودون استئذان، غمر ذاكرتي سيل من الشكايات التي وردت على وزارته دون أن يرد على أصحابها، تذكرت شكايات بنسعدون، وشكاية الموظف بوزارته الذي أدين بستة أشهر سجنا نافذا بعد متابعته من طرف مدير مركزي بنفس الوزارة، تذكرت المحامي محمد شماعو وهو يكذب الرميد حول شكايات التعذيب، التي وردت على وزارته دون أن يبث فيها، فيما الوزير نفى داخل البرلمان أن تكون وزارته قد توصلت بأي شكاية في الموضوع.

ثم تذكرت سجالا دار بيني وبين الرميد قبل أسابيع، بالمعهد العالي للقضاء، بالرباط، حاولت أن أفهم منه سر عدم تحريك البحث في ملف لدى الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، يهم قضية الملعب البلدي بأصيلة، خاصة وأن الوزير كان محاميا في القضية ضد رئيس المجلس البلدي محمد بنعيسى، ولكم أن تتصوروا المشهد، نفى الوزير أي علم له بالموضوع كلياً، وحين حاولت مواجهته بشيك عليه اسمه، يؤكد أنه يعلم بالملف، طلب إنهاء الحديث، في وقت بقي فيه الحاضرون ممن تابع هذا المشهد مذهولين، غير مصدقين لما سمعت آذانهم ورأت أعينهم.

نعم، بصدق، والله يشهد، تذكرت هذا وأنا أنظر للرميد يقدم نتائج التحقيق، وكلما أمعن في الحديث وشهد خيرا في المهندسة وأقسم بأغلظ الأيمان أنه سيحارب الفساد، إلا وانتعشت ذاكرتي أكثر حول حقيقته، خاصة بعد أن أدركت اللعبة، وهي محاولة إقناع الصحفيين بأن الحكاية مجرد "انتقام" موظف فاشل من مسؤولين بعد أن فشل في مباراة الترقية، وبأن مُحارب الفساد هو الفاسد الأكبر؛ لأنه لا يحترم القانون ويزاول مهنتين.

أنهى الوزير ندوته، وفُتح باب الأسئلة للصحافيين، هو يعرف أني أعرفه جيدا، ومخافة أن يفوت علي فرصة طرح الأسئلة بدعوى أن اللائحة أغلقت، خاصة أن نظرات عينيه لم تفارق وجهي طيلة لحظات الندوة، طبعا لن ينسى تداعيات تصريحه لي حول ملف أنوزلا حين كنت في موقع "لكم"، كما لن ينسى الموقف المحرج الذي وجد نفسه فيه بخصوص قضية الملعب البلدي بأصيلة، لهذا بادرت برفع اليد، طالبا طرح أسئلة، قدمت اسمي وصفتي، وحرصت على مناداته بالسيد الوزير دون أن أبخل عليه بكل عبارات التقدير والاحترام، لأني كنت مدركا أنه "سيركب علي" بلغة الأخلاق وسيُهرِّب النقاش، وفعلا ما قدرته حصل، فبعد أن تهاطلت عليه القذائف تباعا خاصة سؤالين، واحد حول سر عدم إسناد التحقيق للمجلس الأعلى للحسابات بدل وزارته التي هي محط اتهام، والثاني حول سر تستر بيانه الأخير على قرار إعفائه للمدير الفرعي للوزارة بوجدة، لم يجد من مخرج سوى استفزازي بأني أطرح الأسئلة "بطريقة غير مقبولة"، علما أنه لم يبق لي سوى أن أقول له صلى الله عليك وسلم حين طرحت سؤالي، وفعلا نجح في مناورته، أو ربما القاعة كانت معدة على المقاس سلفا، وهذا ما سيتبين لاحقا، نهض صحفي "هسبريس" محمد بلقاسم، بالمناسبة أحترم كثير من الزملاء بهذا الموقع، وتبعه أربعة آخرون، حرصوا جميعا على إظهار أنهم لم يقبلوا ما بدر مني، قاطعني شخص بعنف شديد كان يجلس بعيدا عني، حسبته موظفا في وزارة العدل، لكن زميلة قريبة مني أخبرتني بأنه صحفي بيومية "البيان" لسان حال حزب "التقدم والإشتراكية"، حليف الرميد في الحكومة، طبعا لن تخفى علي المسرحية، ولم يكن ممكنا للسيد الوزير أن يمرر علي موقف الأخلاق فخاطبته "السيد الوزير مع كامل احترامي وتقديري لك الموقع مدرسة في الأخلاق وعلى كل حال هذا موقف لن تمرره عليه، أرجو أن ترد على سؤالي الجوهري لماذا لم تُحيل الملف على المجلس الأعلى للحسابات، فهل تكون الخصم والحكم؟ فرد الوزير سيكون ذلك لاحقا.

أنهى الوزير ندوته، ولم أنه أسئلتي، التي توقفت عند ذكر مدير مركزي بقي في منصبه لمدة 10 سنوات، وهو موضوع الجدل داخل التسجيلات، وبسببه دخل موظف للسجن لمدة ستة أشهر نافذة، بل وكان عضوا ضمن لجنة التحقيق قبل أن يقال بضغط من الصحافة.

وقف الوزير أمام باب القاعة؛ حيث تحلق حوله بعض موظفيه والصحفيين، ليواصل هجومه علي، مررت من وسطهم، لم التفت إليه، رغم ما طرق مسامعي من هجوم على لسان الوزير، لقد ترفعت، وغادرت وأنا سعيد جدا بما قمت به، شعرت أني أخلصت لمهنة رسالتها ثقيلة جدا، فليس سهلا أن تواجه وحدك وزيرا متورطا، مسنودا بموظفين وقضاة و"صحافيين"، بعضهم مقرب منه، وبعضهم الآخر مقرب من مسؤولين كبار في الوزارة ينتمون سرا لحزب "البام" وآخرون  يخافون فقط من الحياة والعطالة وربما أشياء أخرى..

وأنا أغادر الوزارة، كنت أسأل نفسي إن كنت قد تلفظت بكلمة لا تليق بمقام الوزير، فلم أجد من ذنب ارتكبته سوى أني رفضت أن أكون منافقا ومجاملا، مصرا على أن أكون وفيا للرسالة، لأقتنع في الاخير أن الوزير أزعجته فقط أسئلتي المقبولة والمشروعة..

تابعت تغطيات الصحفيين على المواقع الإلكترونية والورقية، كلها توجه القارئ نحو فكرة واحدة، وهي الفكرة التي أرادها الوزير ولجنته أن تصل للرأي العام، مفادها أن الموظف فاشل أراد الإنتقام لنفسه بعد فشله في مباراة الترقية، وبأنه فاسد لأنه يجمع بين مهنتين، لم تتطرق أي تغطية لقضية المجلس الأعلى للحسابات ولا لقرار إعفاء مدير فرعية وجدة، شعرت أن الوزير قد نجح في لعبته، تألمت والله يشهد خاصة حين تابعت تغطية مفجر هذه القضية على جريدة "الأخبار"..

واقتنعت بما لا يدع مجالا للشك أن الصحافة في المغرب جزء من المشكلة وليست جزء من الحل...مؤسف أن تُقلب الطاولة على موظف الوزارة بما أعرفه عنه من دماثة خلق وطيبوبة وبراءة وذكاء ليتحول إلى فاسد وفاشل ومنتقم، علما أنه ظل يبعث للوزير بالتسجيلات شهورا قبلة مباراة الترقية..

مؤسف مؤسف مؤسف ملايين المرات أن تكون نهاية محاربي الفساد بهذه الطريقة علما أن الموظف منذ البداية لم يتهم أحدا ولم يقدم أي وشاية كاذبة ضد أحد وإنما كان موقفه ولايزال أنه يمتلك تسجيلات يطلب التحقيق فيها، بعد أن صدق أن الرميد سيحارب الفساد!

تأكدوا أيها المغاربة أن الرميد أبرز قيادات الدولة العميقة في المغرب.. والأيام بيننا..