بصرف النظر عن خلفياتها المضمرة تستدعي متابعة الزميلين حماني والهيني تأديبيا بالاستناد على شكايات مفترضة لأعضاء من السلطة التشريعية، لحظة تأمل هادئة، لما تبعثه من إشارات صادمة يتعين التقاطها والتعاطي معها بكل مسؤولية.

من حيث الشكل لم يسبق في تاريخ المغرب المعاصر لوزير في العدل أن استعمل صلاحياته التأديبية في مواجهة قاضي من أجل الرأي رغم أنه كانت دائما للقضاة آراء قوية ومنشورة، فبالأحرى أن تستند المتابعة على شكوى برلماني. إذ لا يمكن لحصيف أن يسوغ الأمر أخلاقيا، حيث تبدو الصورة سوريالية في بعدها الظاهر: عضو السلطة التنفيذية يقتص لفائدة عضو السلطة التشريعية ( الذي قد يكون من حزبه أو من حزب الأغلبية) في مواجهة عضو السلطة القضائية.
وعلى فرض أن السيد وزير العدل وجد نفسه محرجا أمام شكاوى البرلمانيين، فقد كان بإمكانه أن يلتمس من كل متضرر اللجوء إلى القضاء، وأن ينأى بنفسه في مرحلة انتقالية عن ترسيم ممارسة لا تنسجم ومتطلبات الاستقلالية لاسيما وأنه لا تفصلنا سوى شهور معدودات عن صدور القوانين التنظيمية، كما لا تستقيم وتاريخ الرجل ومساره الحقوقي وأفق انتمائه الوظيفي كمحام.
إن عدم التوفر على تراكمات في هذا الباب لا يعني تجريب إحالة الأمر على المجلس الأعلى للقضاء بهدف الحصول منه على رأي في القضية، لخطورة هذا المنحى على مستقبل المجلس الأعلى للسلطة القضائية الذي قد يجد نفسه مقيدا بسوابق وأحكام في قضايا الرأي بناء على شكايات مجردة في مواجهة القضاة، وصدرت خارج السياق الحقوقي لدستور 2011 وبدون ضمانات الحق في الطعن.
لقد كان بإمكان حسن النية في التعاطي مع الإشكالية أن يدفع إلى استلهام الفتوى من التجربة الفرنسية، التي تبقى رافدا تاريخيا للتشريع المغربي وتفسيراته وتطبيقاته.
في حالة مماثلة في أطرافها، تحتفظ الصفحة 286 من الجريدة الرسمية لمجلس الشعب الفرنسي بتاريخ 05/02/2009 بسؤال كتابي للبرلماني M. Jean-Pierre Michel موجه إلى حارسة الأختام وزيرة العدل حول مقال نشر بجريدة لوموند من طرف نائب الرئيس المكلف بالتحقيق بالقطب المخصص لقضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية الكبرى بباريس، تضمن ردا قاسيا على انتقاد برلماني لمسطرة التحقيق في قضية إرهابية، وتساءل صاحب السؤال حول ما إذا كان بإمكان قاضي أن يعبر علانية عن موقفه الشخصي حول قضية باشر التحقيق في شأنها؟ فبالأحرى أن ينتقد بحدة برلمانيا حول رأيه الشخصي المشمول بالحصانة الدستورية، طالبا من وزيرة العدل رأيا في شأن ما إذا كان المقال يشكل خرقا لواجب التحفظ.
بتاريخ 09/04/2009 أجابت وزارة العدل بكتاب منشور بالجريدة الرسمية لمجلس الشعب ص 907 والذي لأهميته أسوقه أهم ما جاء فيه بتصرف في الترجمة:
" تخبر وزيرة العدل، النائب المحترم بأن واجب التحفظ المنصوص عليه في المادة 10 من المرسوم رقم 58-1270 المنشور بتاريخ 22 دجنبر 1958 بمثابة القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، والذي لا يتوفر في شأنه أي تعريف نصي، هو مفهوم تحددت معالمه بمقتضى الاجتهادات التأديبية للمجلس الأعلى للقضاء، الذي اعتبر في رأيه بتاريخ 09 أكتوبر 1987 أن القاضي ليس ملزما بواجب الانسياق ولا بالتزام الصمت. وأن مبدأ الحق في حرية التفكير، والرأي والتعبير تشكل الأساس المحوري للاستقلالية المطلوبة منه كقاض وتميزه عن باقي الموظفين.(....) وأن المقال موضوع سؤال البرلماني لا يشكل مساسا بواجب التحفظ. إذ أن قاضي التحقيق الذي كتبه لم يخرق سرية التحقيق الملزم بها، وأن حارسة الأختام لا تملك إلا أن تشاطر النائب المحترم رفض مثل هذه الكتابات، وتستنكر بصفة عامة، رغم مبدأ الفصل بين السلط وحرية التعبير، أن تتحول وسائل الإعلام إلى فضاء لمناقشة القضايا الرائجة أمام المحاكم."
هكذا إذن التزمت وزير العدل الفرنسية الحياد رغم خطورة ما قام به القاضي من نشر مقال حول قضية كانت رائجة أمامه، ووجه انتقادا لرأي برلماني مشمول بالحصانة، مفضلة التفسير الحقوقي لواجب التحفظ، ومستحضرة الدور المطلوب من القضاء في مناقشة كل ما يتصل بممارساتهم المهنية دون أن يجدو أنفسهم مساقين إلى مقاصل التأديب.
إن المعالجة الأخلاقية لتحريك المسطرة في حق الزميلين، لا تقف عند حدود مساءلة واجب الحياد المفترض في رجل الدولة المكلف بتدبير الشأن العام، والتي تستوجب عليه فرض مسافة بين مهامه المؤسساتية وعقيدته السياسية، ولكن وأساسا في مدى شرعية تحصيل الدليل المفترض على ارتكاب المخالفة التأديبية.
لقد تواترت الأنباء عن وجود لجنة تابعة للسيد الوزير محدثة خارج أي سياق قانوني مكلفة بتعقب ما ينشره القضاة على الفايسبوك، وتبت أن العديد من الزملاء الذين عرضوا على المفتشية العامة ووجهوا بتدويناتهم الخاصة، دون أن يتم تمكينهم من فحص شرعية مسطرة تجميعها.
وإذا صح وجود تكليف من السيد الوزير بتتبع القضاة على الفايسبوك فإن في الأمر خطورة بالغة ليس من منظور ديني فقط ( ...ولا تجسسوا... ) ولكن من منطلق قانوني صرف، إذ من المبادئ المستقرة أن تحصيل الدليل كيفما كان ينبغي أن يتسم بالشرعية من حيث الجهة والوسيلة. وفي قضايا التأديب لا يبدو أنه تم احترام هذا المبدأ. فالجهة التي تقوم بتعقب كتاباتنا على الفايس لا نعلم لها سندا في القانون، ولا من عينها ولا مسطرة اشتغالها، ولا الرقابة على أعمالها في تتبع كتابات ليس هناك ما يمنع من التصرف فيها بالحذف أو الإضافة أو التعديل، ومن جهة أخرى هناك خرق واضح للقانون رقم القانون 08-09 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، ولمرسومه التطبيقي الصادر في 21 ماي 2009.
ذلك أن كل صفحة بالفايس تتضمن معطيات شخصية خاصة بصاحبها، وتخضع بالتالي للتعريف المضمن في المادة 1 من القانون، فإن الجهة المكلفة بالمعالجة الآلية لهذه المعطيات هي الشركة المالكة لموقع التواصل فايسبوك، وإذا كان استعمال المعطيات الشخصية ينبغي أن يتم بكيفية نزيهة وبموافقة صاحبها طبقا للمادتين 3 و 4 . فإن المادة 10 منعت استنساخ هذه المعطيات وإعادة استعمالها بغير رضا صاحبها، بل وحتى الأحكام القضائية بصريح المادة 11 لا يمكن أن تتضمن تقييما لسلوك شخص من الأشخاص بناء على معالجة آلية لمعطيات ذات طابع شخصي يكون الغرض منها تقييم بعض جوانب شخصيته. وتضيف الفقرة الثانية بأنه لا يمكن كذلك لأي قرار آخر أن تنشأ عنه آثار قانونية تجاه شخص من الأشخاص أن يتخذ فقط بناء على معالجة آلية لمعطيات يكون الغرض منها تحديد صفات الشخص المعني أو تقييم بعض جوانب شخصيته.
ولخطورة الأمر وضمانا لحماية الأشخاص فقد عاقبت المادة 54 بعقوبة حبسية وبغرامة كل من قام بتجميع معطيات ذات طابع شخصي بطريقة تدليسية أو غير نزيهة أو غير مشروعة، أو أنجز أو أخضع المعطيات المذكورة لمعالجة لاحقة متعارضة مع الأغراض المصرح بها.
وإذا فهناك خرق قانوني واضح جراء استنساخ تدوينات الزملاء والاحتفاظ بها وطبعها ومواجهتم بها في مساطر تأديبية دون موافقة منهم.
كما أن اللجنة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية عند اللجوء إليها بناء على مرسوم إحداتها ستكون مجبرة للتصريح بمخالفة إعادة استعمال تديونات الفايسبوك دون إذن صاحبها للقانون وفي غير ما أعدت له.
أما عن تحريك الدعوى العمومية وحتى لا أتهم بالتحليق في عالم المثل فقد سبق للصحفيين MM. Gérard Davet et Jacques Follorou وجريدة لوموند الفرنسية أن تقدموا بشكاية في 9 نونبر 2010 مباشرة في مواجهة الوكيل العام لدى استئنافية نانتير M. Philippe Courroye من أجل تجميع معطيات ذات طابع شخصي بطريقة تدليسية، وغير مشروعة، رغم أن الأمر كان يتعلق بتعليمات أصدرتها النيابة العامة للضابطة القضائية قصد الحصول على مجموع الاتصالات الهاتفية التي أجراها الصحافيين خلال مدة معينة، في سياق البحت عن خرق سرية الأبحاث المتعلقة بقضية بتنكور. انتهت ببطلان المسطرة، وأحيل على إثرها الوكيل العام للملك أمام المجلس الأعلى للقضاء الفرنسي.
هناك اليوم إمكانية لإيجاد مخرج قانوني بسيط يتمثل في إيقاف المتابعة التأديبية إلى حين صدور قرار عن اللجنة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية في شأن شرعية استعمال تدوينات الفايس في التأديب دون موافقة صاحبها، وأن مسلكا كهذا من شأنه إنقاذ ماء وجه الجميع، وتسجيل مواقف للأجيال اللاحقة من القضاة، حتى لا يحسب على السيد وزير العدل الذي رافع منافحا عن حرية الرأي والفكر في أشهر القضايا التي عرفتها محاكم المملكة أنه ساق قضاة نزهاء وأكفاء للتأديب من أجل آرائهم، بل وأنه فعل ذلك استجابة لشكاوى بعض البرلمانين، وحتى لا يضطر أعضاء المجلس إلى الإدلاء برأي في قضية معقدة وثيقة الصلة بحرية التعبير المكرسة دستوريا للقضاة ويقيد نفسه في غياب حق القضاة في الطعن، ويبعت إشارات إلى مجموع القضاة بإخراس ألسنتهم وقمع أقلامهم إلى الأبد.
أملنا وطيد في الله وفي شرفاء الوطن.