خيرا فعلت "المُديرية العامة للأمن الوطني" بإصدارها لبيان حقيقة حول ظروف اعتقال بنحماد وفاطمة النجار، بعد أن لمح موقع تابع لحزب "لبيجدي" إلى أن العملية كانت "مدبرة" على اعتبار أن عناصر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية لم تألف القيام بدوريات أمنية اعتيادية، بحسب نفس المصدر، قبل أن يهاجم الفقيه المقاصدي أحمد الريسوني مصالح الفرقة الوطنية التي وصفها تهكما بـ"العتيدة" متهما إياها بأنها "تتبعت الضحيتين ويقصد ( بنحماد والنجار) وتربصت بهما عدة أسابيع، بغية تحقيق انتصارها على قياديين إسلاميين"، على حد تعبيره ضمن مقالة أطلق عليها "حسناتُ الأبرار سيئاتُ المقربين".

أكثر من هذا قال الريسوني "لو كان هذا السلوك وهذا التدبير وقع من غير الأستاذين الكريمين، لكان شيئا محمودا يحسب لهما" بمعنى آخر لو مارس ادريس لشكر أو حميد شباط أو الياس العماري مثلا الجنس مع سيدة لا تربطها بهم رابطة شرعية قرب شاطئ الدار البيضاء لكن شيئآ محمودا عند الشرطة القضائية وعند النيابة العامة ولما جرى اعتقال أحد!!

ما هي الخلاصة من تلميح موقع "البجيدي" والريسوني؟ الخلاصة الملمح إليها من طرف المعنيين، أن رجال الشرطة التابعين لهيـئة منظمة وهي الإدارة العامة للأمن الوطني والنيابة العامة التي أمرت باعتقال المتورطين، يكيلون بمكيالين، ويصفون الحسابات مع الاسلاميين لفائدة أجندة سياسية أو أمنية ما!؟ ويتعاملون مع القانون بشكل مزاجي، ومُحرِّكم في مهامهم خلفيات مجهولة غير الخلفيات القانونية وتحقيق العدالة؟ إذن نحن أمام إهانة لا حدود لها لهيئة منظمة. طيب هل تجوز هذه الإهانة أمام القانون الجنائي المغربي؟

وفقا للفصل 263 من قانون المسطرة الجنائية "يعاقب بالحبس من شهر إلى سنة وغرامة من مائتين وخمسين إلى خمسة آلاف درهم، من أهان أحدا من رجال القضاء أو من الموظفين العموميين أو من رؤساء أو رجال القوة العامة أثناء قيامهم بوظائفهم أو بسبب قيامهم بها، بأقوال أو إشارات أو تهديدات أو إرسال أشياء أو وضعها أو بكتابة أو رسوم غير علنية وذلك بقصد المساس بشرفهم أو بشعورهم أو الاحترام الواجب لسلطتهم..وإذا وقعت الإهانة على واحد أو أكثر من رجال القضاء أو الأعضاء المحلفين في محكمة، أثناء الجلسة، فإن الحبس يكون من سنة إلى سنتين..وفي جميع الأحوال، يجوز لمحكمة القضاء، علاوة على ذلك، أن تأمر بنشر حكمها وإعلانه، بالطريقة التي تحددها، على نفقة المحكوم عليه، بشرط ألا تتجاوز هذه النفقات الحد الأقصى للغرامة المقررة في الفقرة الأولى" بينما تؤكد المادة 265 من نفس المسطرة على أن "إهانة الهيئات المنظمة يعاقب عليها طبقا لأحكام الفقرتين الأولى والثالثة من الفصل 263". إذن تصريحات الريسوني وتلميحات موقع " البجيدي" جرائم مؤطرة بالفصلين المذكورين، فلماذا لم تتقدم المديرية العامة للأمن الوطني بشكاية، بصفتها كمطالبة بالحق المدني، للدفاع عن نفسها أمام العدالة؟ ولماذا لم تتحرك النيابة العامة من تلقاء نفسها، بعد علمها، ولو بالوشاية، مادام الفعل الجرمي يمس حقا عاما وهو هيبة هيئة منظمة هي ملك لكل المغاربة؟ و لنفترض أن مواطنا بسيطا قال ماقاله الريسوني ولمح إلى ما لمح إليه موقع " البجيدي"، هل كانت المديرية ستكتفي ببيان حقيقة؟ وهل كانت النيابة العام ستبقى مكتوفة الأيادي؟

في شهر مارس من السنة الماضية أدانت ابتدائية الناظور موظفا بالبلدية هو رئيس جمعية موظفي ذات المؤسسة، بشهرين حبسا نافذا، بعدما صرح لوسائل إعلام ، "أن السلطات بالمنطقة هي استعمار جديد". قبل أن يجد نفسه أمام تهمة "إهانة هيئة منظمة".

وفي يونيو من سنة 2014 نقل موقع "بديل.أنفو" عن مواقع إخبارية عديدة خبرا عن مقتل أو وفاة شاب يدعى قيد حياته كريم لشقر، ورغم أن الموقع نقل حتى الرواية الأمنية، ولم يورد ولو كلمة واحدة يتهم فيها الأمن بقتل لشقر، إلا أن المدير العام للأمن الوطني وجد في تغطية الموقع للخبر إهانة للمديرية العامة للأمن الوطني بصفتها هيئة منظمة، وطالب دفاعه، المتهم، مؤخرا، باغتصاب خادمته، بمنعي من الكتابة لمدة عشر سنوات مع غرامة 25 مليون سنتيم، قبل أن يدينني القاضي بن الصغير، سامحه الله، بأربعة أشهر حبسا موقوفة التنفيذ مع تعويض للمديرية العامة للأمن الوطني قدره 100 ألف دهم ( عشرة ملايين سنتيم) وغرامة 6000 آلاف درهم لفائدة خزين الدولة. وبدل أن يصحح الحموشي خطأ سلفه بوشعيب أرميل وسحب شكايته الكيدية ضدي، قام باستئناف الحكم، بما يفيد أن المدير الجديد يريد عقوبة أكبر مما أقرها القاضي!

وفي سجن "الزاكي" بمدينة سلا يقبع داخل زنزانة حقوقي يدعى حسن اليوسفي، على خلفية شكاية تقدم بها عبد الصمد عرشان، لكن الحقوقي صرح للموقع أن الحموشي سبق وأن تقدم بشكاية ضده يتهمه فيها "بتبخيس مجهودات الأمن" على خلفية مقالات نشرها اليوسفي في موقعه الإلكتروني، يتعرض فيها لسياسة الأمن داخل مدينة تيفلت.

وبالعودة لتصريحات الريسوني أليس فيها "تبخيس واضح لمجهودات الأمن؟ و هل هناك إهانة لهيـئة منظمة أكثر من قول الريسوني ""لو كان هذا السلوك وهذا التدبير وقع من غير الأستاذين الكريمين، لكان شيئا محمودا يحسب لهما"؟ ثم هل هناك إهانة أكبر من التهكم على الفرقة الوطنية بوصفها بـ"العتيدة" وب"أنها تتربص بالمواطنين"، ليس حماية للقانون بل فقط لإنتمائهم لحركة دعوية أو سياسية؟ ألا تشمل المادتين 263 و265 تصريح الريسوني وموقع "البجيدي"؟ فلماذا لم يتحرك لا الرميد ولا الحموشي إذن؟

نحن لا نريد سجن أحد ولا نريد خنق حرية التعبير لأحد، فقط نريد أن نفهم لماذا يقول قاضي القضاة والرئيس الأكبر للشرطة القضائية والمسؤول الأول عن الإدارة العامة للأمن الوطني وهو الملك محمد السادس "المغاربة عندي سواسية"، لكننا لا نلمس هذه السواسية أمام القانون؟ كم مغربية ومغربي قضوا شهورا داخل الحبس بتهمة الفساد الأخلاقي، فكيف جرى الإفراج عن فاطمة النجار وبيان المديرية العامة للأمن الوطني يفيد مايلي: "فقد تم، إعمالا للمقتضيات القانونية ذات الصلة، إنجاز محضر معاينة بالأفعال المرتكبة، ورفع المحجوزات والآثار المادية التي تؤكد الفعل الإجرامي"؟ لماذا يُسمح لمواطن بارتكاب جريمة ولا يمسمح لآخر بارتكابها؟ لماذا يُسمح بإهانة هيئة منظمة ولا يُسمح لآخر ولو بالإشارة للشرطة في قضية ما؟