ليست المرة الأولى التي ينوب فيها الأمير مولاي رشيد عن الملك محمد السادس في قراءة خطابه أمام قمم عالمية، لكنها المرة الأولى التي يخرج فيها الملك إلى العالم ليبرر فيها سبب إنابة أخيه عنه في قراءة خطابه يوم الاثنين 30 نونبر، بمناسبة مؤتمر الأمم المتحدة حول التغيرات المناخية "كوب 21" المنظم بالعاصمة الفرنسية باريس، وهو الأمر الذي قد يدفع المتتبعين للشأن الملكي في المغرب، إلى طرح جملة من الأسئلة منها: لماذا خرج الملك اليوم بالذات لتبرير إنابة أخيه؟ ثم لماذا أصر الملك على الحضور الجسدي في المؤتمر؟ ألم يكن وضعه الصحي، كافيا لتبرير غيابه والإكتفاء بإنابة أخيه دون حضوره الشخصي؟ وهل من رسائل مشفرة من وراء هذا الحضور والبيان الصادر في الموضوع؟

في دولة كالمغرب يصعب على صحفي اختراق "ديوان" قائد مقاطعة فبالأحرى ديوان ملك، لاستقصاء المعلومات وجمع المعطيات حول ما يشغل بال المغاربة بخصوص أخبار ملكهم، وبالتالي لا يجد الصحفي أمامه سوى فرضيات وأسئلة منها: هل كان لزاما حضور الملك الجسدي إلى القمة وتبرير إنابة أخيه "مولاي رشيد" بسبب تسريب الصحافة المغربية قبل 20 يوما خبرا مفاده أن الملك محمد السادس سيُشارك ـ خلال تواجده بالديار الفرنسية، لقضاء فترة نقاهة طبية ـ في القمة العالمية حول المناخ؟

هل استشعرت المؤسسة الملكية خطورة أن تستثمر جهات معادية للمغرب في الوضعية الصحية للملك لإنعاش إشاعات من شأنها التأثير على مصالح المغرب، خاصة وأن جهات جزائرية مغرضة بعد خطاب الملك في العيون وإعلان مرضه، ذهبت بعيدا في إساءتها للمملكة المغربية حدود النقاش حول من سيخلف الملك بعد وفاته؟

هل أدركت المؤسسة الملكية أن غياب الملك الجسدي عن القمة، بعد إعلان حضوره فيها، والإكتفاء ببيان يتحدث عن مرضه وإنابة أخيه عنه، غير كافٍ لسد باب الإشاعات، لهذا حرص الملك على الحضور درءً لأي لبس ولمحاصرة أي إشاعة صادرة عن خصومه؟

أم تريد المؤسسة الملكية ذر مزيد من التعاطف الشعبي المغربي مع الملك بعد أن حصد خبر إعلان مرضه بعد خطاب المسيرة الأخير تعاطفا شعبيا كبيرا وسط استياء شعبي من السياسة العمومية للدولة؟

ثم هل من علاقة جدلية بين حضور الملك الجسدي وبيانه الصادر في الموضوع وبين محاولة "العسكر" في الجزائر "التجذُّر ديمقراطيا" عبر إدانة "قضائه" يوم الخميس الماضي للمدير السابق لفرع مكافحة الإرهاب في الجزائر المعروف بالجنرال حسان، بالسجن لمدة خمس سنوات مع التنفيذ وهو أول حكم يصدر بحق جنرال مسؤول كبير في جهاز المخابرات؟

هل فهمت المؤسسة الملكية أن الغاية من هذه الإدانة هي تسويق "العسكر" صورة ديمقراطية عن بلاده ومحاولة إبعاد شبهة أنه الحاكم الفعلي للجزائر، بدليل أن قادته يحاكمون كما يحاكم المواطن الجزائري، وبالتالي تسعى المؤسة الملكية إلى تسويق صورة أكثر ديمقراطية عنها من صورة العسكر في الجزائر؟

أم تراها المؤسسة الملكية تريد أن تقول للشعب الجزائري بهذا البيان وما سبقه في الموضوع: إذا كانت الوضعية الصحية لرئيسكم في علم الغيب، فإن قوة النظام المغربي تسمح له بكشف مرض ملكه لمدة تزيد عن عشرين يوما دون أن يشكل لها ذلك أي مركب نقص ولا خوفا من المستقبل؟

استمرار "العسكر" في التغطية على الوضعية الحقيقية لصحة عبد العزيز بوتفليقة وترك الشعب الجزائري عرضة للإشاعات بخصوص الحالة الصحية لرئيسه، إشارة سيئة جدا ولها تداعيات سلبية كبيرة على مصالح الجزائر، حيث يُفهم منها أن الوضع غير مستقر ومنفلت عن التحكم فيه وبأن الرئيس بلا بديل لحد الساعة وأن الدولة بلا مقومات دولة، وكشف المؤسسة الملكية عن الوضعية الصحية للمك والإستمرار في إطلاع الشعب المغربي عن هذه الوضعية قمة الذكاء السياسي وأكبر تعبير على استقرار الوضع في المغرب بل وأقوى إشارة على أن هناك دولة قوية قادرة على الاستمرار في الحياة حتى بعد الملك، نتمنى الشفاء لمحمد السادس وعبد العزيز بوتفليقة ولكل مريضة ومريض في العالم.