بين مدينتي طنجة والعيون كر وفر هذه الأيام بل هو استنفار مجزأ وغير مسبوق، حيث عادة ما تقع حالة استنفار بمفهومه الرجعي في اتجاه وحيد أو في اتجاهين غير متناقضين، إلا أن هذه المرة غير. على اعتبار أن تحركات السلطة كما كان مخطط لها من قبل أجهزة مراقبة التراب، كان يجب ان تكون في اتجاه الصحراء وملف الصحراء، ليس احتفالا بأربعينية المسيرة ولكن استعدادا لما هو قادم في زمن يعرف تصفية متواترة لجغرافيات متنازع عليها، كما حدث مع "القرم" و"جنوب السودان" في ما مضى، و كما سيحدث مع "كتالونيا" ومناطق مشابهة في ملفات النزاع من بينها ملف الصحراء. الذي لا يبعد كثيرا في المستقبل القريب عن خيار الاستفتاء.

لذلك تحرك السلطة المغربية هذا بني على أساس الانتقال إلى السرعة القصوى في استمالة سكان الصحراء بعد استمالتهم بسياسة الميز الصحراوي عن باقي أقاليم المغرب منذ نشأة الصراع، واليوم جاء دور الاستمالة العاطفية و (المزاوكة) بطريقة مباشرة وبمسيرة جديدة ناعمة في إطار الدبلوماسية الناعمة. حيث ان دافع حضور الفنانين و الرياضيين والسياسيين.. إلى العيون اليوم ليس هو إيمان واعي بالقضية وفهم رصين لواقع القضية، لأن جلهم يجهلون أبجديات ادني وثيقة رسمية في الملف لدواعي أسرار الدولة. بل حضورهم هو حضور سيكولوجي بالضرورة يمكن تصنيفه كشعبة من شعبة سيكولوجية الإنسان المغربي المقهور.

أما الفنانين فلقمة عيشهم بيد السلطة في وسائل الإعلام الرسمية و المهرجانات الرسمية فبالتالي حضورهم إلزامي بل وربما حدث استدعاؤهم بشكل اداري، وكذلك عرفانا منهم للأوسمة والكريمات الملكية التي حصلوا عليها. أما السياسيين فوجب إسقاط منهم الصفة قبل تعذر شرح حضورهم؛ لأن السياسي تتحكم في إيديولوجيته وقناعاته وليس.. وحضوره يكون تكتيكيا لإحداث نقلة نوعية أو إخراج الوضع من الأزمة وليس حضور رمزي مجاني.

ليس تحريضا ضد قضية لا نعرف عن وثائقها ودبلوماسيتها سوى أنها سر من أسرار الدولة كباقي أسرار ملفات مكافحة الإرهاب والاغتيالات السياسية وتفكيك الخلاية... ولا نعرف سوى أنها كلفت الشعب المغربي ميزا صحراويا قائما بذاته ماديا، بالنظر إلى آلاف الموظفين الأشباح في الصحراء، و الملايير التي تصرف هناك تنتزع في المقابل من جيوب المواطنين في باقي أرجاء المغرب. ولعل الإجابة في انتفاضة سكان طنجة ضد (امانديس) ممثلة التدبير المفوض الذي خرب القطاعات العمومية الحيوية في ربوع المغرب ليتيح للدولة الاختباء وإبعاد الإدارة من المواطن.

انتفاضة سكان طنجة ضد (امانديس) أحرج السلطة، وجزأ استنفارها بعدما أخطأت قراءتها في عفوية الجماهير و قدرة هذه الأخيرة على تأطير نفسها، وتوحيد صفها، وقدرتها على تشتيت تركيز أجهزة المراقبة والاستعلامات التي وجدت نفسها في حالة تسلل، بعدما عجزت عن ضبط معالم تحركات الجماهير.

خصوصا وأن الأمر يتعلق بكشف عورة الدولة المغربية عبر فضح إدارة (امانديس) لإجراءات حكومية غير معلنة، متمثلة في الزيادة الضريبية التي أطلقها المكتب الوطني للماء والكهرباء والتي نفذتها الشركة بالتفويض. وذلك في إطار محاولة إنعاش المكتب الوطني للماء والكهرباء عوض تقديمه للمساءلةّ. كشفت بذلك عورة الحكومة عبر قرار يمكن تصنيفه ضمن تهم الخيانة الوطنية، حيث القرار هو من وحي جهاز تنفيذي لم يشرع له.

وما كان لهذه الخروقات أن تمر بسلام في البلدان الديمقراطية، حيث المفروض في هذه الحالة إعفاء كلي للحكومة وتقديمها للمساءلة في حالة حجز، على اعتبار أن الأمر فيه مساس بالسلم الاجتماعي، و حيث الجريدة الرسمية فقدت مصداقيتها هكذا.
رئيس الحكومة المتهمة عوض أن يفكر بعقل سياسي على الأقل ويبادر إلى إنهاء عقد شركة (امانديس) لكي يتفادى الفضيحة قام بكشف عورته بنفسه عندما اعتبر العرس الحضاري فتنة. هكذا يبدوا أن قرار الزيادة الضريبية الأصلية لم يكن حكوميا بل تجاوز ذلك..؟ لابد من مسائلة العفاريت في النازلة.

انتفاضة طنجة كانت فال خير على الطلبة الأطباء، حيث أن الهلع من انتشار العدوى في باقي أرجاء المغرب، أدى إلى تنازلات لصالحهم بخصوص الاتفاق المبرم. والذي أزعج صندوق النقد الدولي الذي ينص في أبجديات سياساته المالية التي يفرضها على المغرب، على أن قطاع الصحة والتعليم قطاعان غير منتجان، ويمنع الاستثمار فيهما خارج إطار الخوصصة.

الطلبة الأطباء استفادوا من انتفاضة سكان شمال المغرب وكذلك الطلبة الأساتذة عازمون لإسقاط المرسومين اللذين يفصلان التكوين عن التوظيف. وتبقى فرصة من ذهب كنت أتمنى فيها حتى الصحافيين للمطالبة بحرية التعبير.