د. محمد عبد الوهاب رفيقي

الربط بين (داعش) والخوارج نوع من التسطيح ومحاولة لتبرئة كثير من الفقه السني الذي تتغذى منه (داعش) وتحويل التهمة إلى طائفة عقدية لها أصولها الخاصة ومنهجها في التلقي المختلف كلية عن منهج داعش؛ ونوع من التنصل من مسؤولية أدبية وتاريخية لا تخطئها عين كل منصف متابع.

فلو قصدوا بالخوارج الغلاة الذين جاءت النصوص بذم غلوهم واستهتارهم بالدماء لهان الأمر، ولكن ذلك يوقع في الالتباس المقصود حين تتم الإحالة إلى فرقة تاريخية لها مرجعيتها المختلفة تماما عن المرجعية السنية.

نعم تتفق الطائفتان في الاستهانة بالدماء ووحشية السفك والمسارعة إلى التكفير...لكنهما فرقتان مختلفتان أصولا ومنهجا وفقها...

فأعظم أصلين يقوم عليهما مذهب طائفة الخوارج، بل لا تصح نسبة أي طائفة إلى فرقة الخوارج مالم تلتزم بهذين الأصلين:

التكفير بكبائر الذنوب وإنكار العمل بالسنة.

فالخوارج يخرجون من الاسلام كل مرتكب للكبيرة ويرون أن الايمان لا يتجزأ يدخل جملة ويخرج جملة.

والخوارج لا يرون السنة أحد مصادر التشريع لتكفيرهم لرواتها، ولهذا لا يرون رجم الزاني المحصن ولا المسح على الخفين لعدم نص القرآن على هذين الحكمين.

فمن لم يلتزم بهذين الأصلين لا يعد خارجيا وإن شابه الخوارج في الخروج على جماعة المسلمين واستحلال دمائهم.

وداعش لا تكفر مرتكب الكبيرة ولا تعتقد كفره، نعم هي تغالي في تنزيل الكفر على الأعيان ولا تتوانى في تكفير المخالفين ، لكن بأدوات سنية محضة، من تحديد القول أو الفعل المكفر إلى توفر الشروط وانتفاء الموانع، ومع ما يرافق ذلك من تساهل وتسرع وبغي وعدم إعذار إلا أنها أدوات سنية وليست خارجية.

وداعش لا ينكرون العمل بالسنة، بل على العكس يغالون في العمل بها، حتى إنهم ليعتمدون بعض الأحاديث الضعيفة في قضايا عظيمة تسيل فيها الدماء وتستحل فيها الأموال، وهم بالجملة ينتمون للمدرسة الحديثية الروائية التي لا يعترف بها الخوارج ولا يؤمنون بها.

وعليه فإن داعش فرقة سنية، وخرجت من رحم سني، وأدبياتها سنية، والملتحقون بها نشأوا في بلاد سنية، ولم يأتوا إليها من بلاد مزاب بالجزائر، ولو تبنى التنظيم عقيدة الخوارج لما وجد له أنصارا ولا أتباعا وسط الصف السني.
كل ما في الأمر أن داعش تنتقي ككل الفرق من داخل التراث السني ما يتوافق مع أغراضها ومصالحها ودوافعها النفسية، فتغلبها وحكمها بالسيف أصلته كتب السنة، وتهجيرهم لنصارى الموصل واليزيديين امتثال لفقه تزخر به كثيرا من أمهات كتب الفقه ، التي لا تقبل من الكتابيين سوى الإسلام أو الجزية، ولا تقبل من الوثنيين إلا الإسلام فقط.

بل إن الخوارج تاريخيا كانوا من أشد الناس على المسلمين وأرأفهم بأهل الذمة، حتى إنهم كانوا إذا لقوا المسلم مع النصراني قتلوا المسلم واستوصوا بالنصراني خيرا، وقالوا: احفظوا ذمة نبيكم.

داعش حين تشترط في الخليفة أن يكون عربيا قرشيا فهذا فقه سني لا خارجي.
داعش حين ترى أنها على الحق وغيرها على الباطل فهي تقتات من فقه احتكار الحق ومزاعم الأفضلية على الغير واستحقاق الجنة دون المخالف ، تشترك في ذلك مع كثير من الطوائف السنية التي لم لم يهيأ لها حمل السلاح، ولو حملته لربما فتكت بالمخالفين فتكا أشد داعشية.

داعش تستلهم من التاريخ السني البعيد والقريب تجارب مريرة، تجعلها أكثر حماسا لمشروعها، وتغريها بمزيد من الفتك والقتل، أليس لها فيما تقترفه سلف وأثر؟...
إذن لا هروب أيها السادة؛ لا نبرئ أنفسنا برمي التهمة على فرقة تكاد تكون منقرضة حتى ندفع عنا المسؤولية ونريح أنفسنا من عملية النقد والتنقيح والإقرار بأن في تراثنا السني ما ينتج التطرف ويغذيه.

ليس الحل هو الهروب والتناقض، الحل هو المراجعة الدائمة للتراث، وتنقيحه وتحديثه وتحيينه مع المتغيرات المجتمعية ، بما لا يمس أصوله ومسلماته، لكن أيضا بما لا يجعله تربة خصبة لكل نفسية متطرفة قابلة للعدوان.
الحل هو مراجعة التراث والتمييز فيه بين ما هو إسلام صحيح نقي، وبين ما هو نتاج عوامل تاريخية، وتفاعلات مجتمعية، وسياقات دولية.
هو هذا الحل، ولا خوف من أن يسلط عليكم أحده سيفه مدعيا أنكم تريدون هدم الدين، فمن يصر على قداسة كل التراث غثه وسمينه هومن يهدم الدين من حيث يدري أولا يدري.