قال مدير جريدة "أخبار اليوم" الزميل توفيق بوعشرين: "إن هناك بعض القضاة الذين يتصرفون كقضاة، لكن الأغلبية للأسف تلبس جبة القاضي طوال النهار، وتتصرف بهيبتها طوال الوقت، لكن حينما يحين وقت تحرير الأحكام تنزع البذلة السوداء وتستبدل صوت الضمير بصوت الهاتف المحمول، ومن القضاة من يفعل أسوء من هذا".

وأضاف الزميل بوعشرين، الذي أدانته المحكمة الزجرية بالدار البيضاء، يوم الثلاثاء 24 نونبر الحالي، بأربعة أشهر سجنا موقوف التنفيذ و20 ألف درهم غرامة و160 مليون سنتيم تعويض، مع نشر الحكم بصحف وطنية أخرى على نفقته، بتهمة القذف في حق مالك مجموعة "ميدي إيديسيون"، أحمد الشرعي، والصحفي الامريكي ريتشارد مينيتيز ، (أضاف) في افتتاحية له منشورة بجريدة "أخبار اليوم" في عدد الأربعاء 25 نونبر،"أنه مند زمن بعيد، فقد الثقة في استقلالية ونزاهة وشجاعة القضاء في بلاده، ومن باب الصواب يمثل أمامه كل مرة، ويشرح ويوضح ويدافع عن نفسه رفقة محامين أصدقاء وأساتذة أجلاء".

وأوضح ناشر "أخبار اليوم" ، "أن فقدان الثقة في القضاء ليست قناعته لوحده، بل "هذه قناعة شريحة واسعة في المغرب لا تثق في عدالة المحاكم المغربية، خاصة عندما يقف المتهم في وجه سلطة وشبه السلطة، أو أطراف نافذة أو وهم الآخرين أنها نافذة"، مؤكدا على "أنه من حق أي أحد أحس أن الصحافة ظلمته أو أساءت إليه أو نسبت إليه خبرا كاذبا أن يذهب إلى القضاء ويطلب تصحيحا أو تعويضا أو تنبيها".

واعتبر بوعشرين، أن القاضي السعداوي، الذي أصدر الحكم في حقه، وهو قاضٍ بجناح القضايا الجنحية التلبسية، وقضايا الصحافة لما يزيد عن 12 سنة بالمحكمة الابتدائية الجزرية، بعين السبع بالدار البيضاء، (اعتبر) "أنه تصرف معه في هذا الملف كـ"طرف وخصم بعد عدم أخذه بالدفوعات الشكلية وعدم سماعه للشاهد" متسائلا، بوعشرين " عن ما معنى الحكم بـ 160 مليون سنتيم كتعويض؟ وما معنى إصدار عقوبة حبسية حول مقال رأي؟" معتبرا "أن ذلك له معنى واحد وهو تخويف الصحافيين من الاقتراب من القضايا الحساسة".

وتابع بوعشرين قائلا: "إنه في أحكام جل القضاة الذين ينتصبون للحكم في قضايا الصحافة لا يوجد فهم عميق للمهنة ولا بخصوصيتها ولا بقانونها وفقهه، ولا لاجتهاد القضاء في الشرق والغرب بشأنها".

وتفاعلا مع ما قاله الزميل بوعشرين، في افتتاحيته، قال العضو المؤسس بـ"نادي قضاة المغرب" محمد الهيني: "إن ما قاله الصحفي توفيق بوعشرين عن الحكم الصادر بحقه من اتهام للمحكمة المصدرة له بكتابة الحكم في الرباط كتعبير عن عدم حيادية المحكمة واستقلاليتها يبعث على القلق لتجنيه على سمعة القضاء المغربي والثقة المفترضة فيه بدون إثبات وبصفة غير مسؤولة، فهو يريد قضاء على مقاسه، فشخصيا أعتبر نقد الأحكام شيئا عاديا ومسألة مطلوبة ولو كان النقد قاسيا شريطة أن يكون ذلك في الإطار العلمي والقانوني المحض، بمناقشة تمحيصية للحيثيات ووسائل الإثبات بعيدا عن لغة الاتهام والتخوين والتجريح التي تعتبر جريمة يعاقب عليها القانون"

وأضاف الهيني، "أوجه رسالة لبوعشرين لو أنه دافع عن القضاء المستقل لكان على الاقل ناضل على مبدأ لفائدة الوطن وإن خسر قضيته لكنه الآن خسر نفسه وقضيته وقضية قضاء الوطن، فاتهام القضاة بغير دليل عملة رخيصة لمن عازته الحجة وافتقد البصيرة"، معتبرا "أنها سياسة صاحب نظرية دولة القضاة ومروجها". وأكد الهيني، "أنهم لن يقدموا شكوى ضده لأنهم يحترمون حرية التعبير حتى وإن كان هناك تطاول، لأنهم يعرفون أنه يريد قضاء كما يحلو له، لا كما يحلو للقانون والمواطن، فالقاضي حينما يصرح بأقل من تصريحاته بكثير ولمجرد النقد العادي يتابع تأديبيا لكن بوعشرين الصحفي المحمي محصن من المتابعة ؟" حسب الهيني.

وأردف الهيني: " لن ننسى أبدا أنه هاجم حرية تعبير القضاة ضدا على الدستور، واعتبرنا كقضاة الرأي، نجوما في الإعلام فلم يمهله الوقت ليصبح نجم اتهام القضاة".

وفي ذات السياق، قال القاضي عضو "المجلس الوطني لنادي قضاة المغرب"، عبد الله الكرجي، "إن ما يقوله بوعشرين، مسألة معروفة وعادية وتم تداولها في الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة، ويتم تداولها يوميا، ولم يقل شيئا جديدا، لكن ما هي الحلول التي يقترحها؟".

وأضاف الكرجي في تصريح لموقع "بديل"، "نلاحظ أن هناك فرقا بين الخطاب والممارسة، حينما نجد البعض يردد أن هناك فقدان الثقة في العدالة، وبالمقابل يطالب ببقاء النيابة العامة تحت سلطة وزير العدل، وأنه ضد ضمانات استقلالية السلطة القضائية، مما يعطي ازدواجية الشخصية بين الخطاب والممارسة وكأننا أمام شخصين"، ثم قال:"عندما نقول أننا فتحنا ورشا لإصلاح العدالة وطرحت فيه مجموعة من النقاشات ولو كانت عدالة بلادنا بخير لما فتح هذا الورش، الإشكال هو أنه يجب أن يكون لدينا أشخاص مواطنين ووطنيين سواء في الصحافة أو القضاء أو المحاماة أو غيرها يشاركون في هذا الورش".

وأردف الكرجي، في ذات التصريح قائلا: " إن استقلال السلطة القضائية يجب أن يكون استقلالا مؤسساتيا وذاتيا للقاضي كفرد، ومن يقول إنه فقد الثقة في السلطة القضائية سواء بوعشرين أو غيره، يجب أن يقول لنا ما هي البدائل التي يقترحها ، وهل البدائل التي يقترحها هي أن يظل السياسي أو السلطة التنفيذية تترأس السلطة القضائية أو تداخل بينهما، ونحن نطالب بقضاء قوي ومستقل ولا نطالب بأن يظل وزير العدل يترأس النيابة العامة ويحضر ترقية القضاة وتأديبهم وانتقالهم، بعدما أخرجه الدستور من هذه العملية".

من جهته، قال عضو "هيأة إدارة الحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة" مصطفى المانوزي، " ليس كل القضاة خيرون ولا جميعا عكس ذلك ، وبوعشرين لا يناقش الكفاءة ولا النزاهة هو يركز على عدم الاستقلالية ، ويركز على معطيات يصعب إثباتها من ادعاء تعليمات وغيرها ".

وأضاف المانوزي، المحامي بهيئة الدار البيضاء، خلال حديثه للموقع، "أنه مادام الحكم ابتدائيا، من الأفيد انتظار القرار الاستئنافي للتقييم، فالقاضي الجنحي يحكم باعتقاده الصميم وبالتالي فهو معرض للخطأ"، داعيا (المنوزي) "بوعشرين إلى التريث وإعداد مذكرة جيدة ببيان أسباب الطعن".

وأوضح المانوزي، "أنه بصرف النظر عن قضية بوعشرين وعن موقفه ( الذاتي ) لانعدام المسافة ، فمادام المجلس الأعلى للسلطة القضائية لم ينصب بعد فلا يمكن الحديث عن استقلالية وعن ضمانها ، فلابد لنا من فترة انتقالية تواكب باليقظة والرقابة والمواكبة النقدية، لأن النزاهة والاستقلالية من القيم التي تعاني من الانقراض والانهيار التدريجي في زمن تردت فيه الأخلاق بمعناها الإيتيقي، والتمثلات لا زالت تهيم"، وأكد المنوزي، "أنه لن يتغير القضاء إلا إذا أراد القضاة تغيير أنفسهم ، ولكن دون أن نظلم الجميع ، فهناك قضاة أجلاء وشرفاء ونزهاء، غير أن الإقتصاد لعب دوره فصارت العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من الحياة المهنية على مستوى مكونات منظومة العدالة ككل".

أما القاضية أمال حماني، عضوة "نادي قضاة المغرب"، فقالت في تعليق على ما نشره الزميل بوعشرين، "إن ما عبر عليه الأخير، يدخل  ضمن حرية التعبير المكفولة للجميع لاسيما العاملين بالمجال الصحفي حتى لو تعلق الأمر بانتقاد أحكام قضائية لكن بالمقابل كان يجب عليه أن يتفادى التعميم و ذكر الأسماء".

واعتبرت حماني، "أنه كان يجب على السيد بوعشرين ترك هامش من الحرية للقارئ لفهم ما يريده عن طريق نشر الحكم القضائي الصادر ضده لتقييميه من طرف الجميع بكل حيادية لأن هذا النشر سيسمح لنا جميعا بالإطلاع على النازلة من جميع جوانبها فإما سيكون هذا الحكم حجة لصالح القاضي أو ضده".