بديل ـــ محمد بوبكري

يكشف محمد بوبكري، رئيس آخر مؤتمر لـ"الإتحاد الوطني لطلبة المغرب"، في هذا المقال المثير، عن أسباب، ودواعي رفضه القاطع لفرض الإسلام كدين للدولة واعتبار الشريعة الإسلامية مصدرا للتشريع.

وساق بوبكري، في مقاله العديد من "الأدلة" التي يراها تُزكي طرحهُ، وتؤيد إبعاد الدين عن الدولة، من خلال أمثلة تاريخية من المرجعية الإسلامية، أبرزها فترة حكم الخلفاء الراشدين.

بوبكري، وصف "الدولة الدينية"، بأنها تجسد الظلم، على غرار الفترة التي عاشها المسلمون منذ العصر الأموي، وانتهاء بفترة سقوط العثمانيين.

وهذا نص المقال كاملا:

دين الدولة ودولة الدين

ترى مختلف جماعات الإسلام السياسي وُجوب فرض الإسلام دينا للدولة، والشريعة الإسلامية مصدرا رئيسا للتشريع، لكنني أرى ذلك غير معقول للاعتبارات الآتية:

1- يؤدي مثل هذا الكلام إلى حصر دائرة رَعَوِيَّة الدولة في المسلمين السنِّيين دون أصحاب المذاهب الإسلامية والديانات الأخرى الذين سيجدون أنفسهم "بشرا" من الدرجة الثانية.

2- يُخاطب الدِّينُ العقل والوجدان، والإيمان شأن فردي، بينما الدولة كيان اعتباري لاديني بطبعه وإن ادعى غير ذلك.

3- من شأن استخدام مقولة "الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع" مصادرة الحريات وحقوق المرأة، وإقصاء مخالفي جماعات الإسلام السياسي فكريا أو سياسيا، وإثارة الفتن التي قد تشرخ المجتمع والوطن...

4- غياب اصطلاح "الدولة" بمعناه الحديث في القرآن الكريم والحديث، وبالتالي لا يمكن تديينه مُطلقا. لقد عرفَ التاريخ الإسلامي نماذج ممّا يُسمى بـ "الدولة الدِّينية"، لكنها كانت تجسيدا للظلم... كما كانت سنوات الخلافة من أسوإ السنين التي قضاها المسلمون وغيرهم في ظل الخلافة التي امتدت من العصر الأموي إلى سقوط العثمانيين. والخلافة الراشدة بدورها لم تكن دولة بالمفهوم الحديث، إذ امتلأ عهدها بالحروب بين الصحابة لأسباب دنيوية وليست دينية. كما أن سلطتها لم تستطع وضع حدّ للفتن، وعجزت عن حماية الخلفاء الراشدين أنفسهم، فماتوا كلهم اغتيالا... وتذكر معظم مصادر التاريخ الإسلامي أن تلك المرحلة عرفت حروبا بين السيدة عائشة والإمام علي، وضرب الكعبة بالمنجنيق، واستباحة المدينة المنوَّرة، وتحبيل مئات من بنات الصحابة سِفاحًا. وإذا كان مستحيلا ردُّ تلك الأحداث إلى الله، أو الزعم بأنها من تجلّـيات دولة الله، أو أن الاقتتال كان من أجله، أو إصدار أحكام من قبيل أن السيدة عائشة هي الإيمان أو الكفر، أو أن الإمام علي هو الإيمان أو الكفر، فالثابت أنَّ الصراع بين الطرفين كان على السلطة وليس على الدِّين، وبالتالي فإدخال الدِّين في السياسة يُحَوِّلها إلى حروب وفتن تمزق الأوطان. ولاجتناب ذلك، يجب عدم تديين مفهوم الدولة.

وبسبب ارتكاب جماعات الإسلام السياسي عمليات إرهابية عديدة، فإنها ضَعُفَت فاضطر بعضها للقيام بما سُمِّي بـ "مراجعة فكرية" لممارساته الإرهابية، فتظاهرَ بقبول "الدولة المدنية". وكان ذلك محض تحايل لأن مشايخها يتحدثون عن "دولة مدنية بمعنى المتحضرة، المتقدمة بعدالة ومساواة ومرجعية إسلامية في الحلال والحرام والإطار العام". لقد أغفلت هذه الجماعات أن "الدولة المدنية" هي "الدولة الحديثة" التي تقوم على أساس"المواطنة" التي يتساوى فيها المواطنون أمام القانون بغض النظر عن دينهم وجنسهم ولونهم... إضافة إلى ذلك، لا يوجد في أوروبا، وهي منشأ الدولة الحديثة، شيء اسمه "دولة مدنية". فالمثقفون المصريون المعارضون هم الذين نحتوا هذا الاصطلاح للتدليل على أنهم يرفضون الدولة العسكرية أو الدِّينية...

تهدف الدولة ذات المرجعية الدِّينية إلى توظيف كل الطاقات لتحقيق غرض سياسي معين. ويؤدي تعارض المصالح والمذاهب إلى غياب فهم واحد للدين، حيث تسعى كل جماعة إلى تسويغ أهدافها السياسية دينيا؛ فهناك من قَتَلت باسم الإسلام، ثم تراجعت باسمه، فانتقلت من القتل إلى العمل السياسي، مما يفضحُ انتهازية الاشتغال باسم الإسلام وعبثية ذلك...
وللدفاع عن مصالحها السياسية، تستعمل كل جماعة منطق الحلال والحرام المتغيِّر بحسب المصالح والأزمنة، إذ قد يصبحُ ما كان حلالا في الماضي ممنوعا اليوم، كالرِّق، مثلا، الذي كان حلالا في الماضي وحُظرَ اليوم. مقابل ذلك، تشتغل الدولة الحديثة بمصلحة الوطن والمواطن لا بالحلال والحرام، وبمفهوم الصالح العام لا بمفهوم الرأي العام المُتلاعَبِ به.
يشكل الحديثُ عن "دولة مدنية بمرجعية إسلامية" دعوة صريحة لـ "دولة الحاكمية" التي يدَّعي أصحابها أنه لا حكم فيها إلا لله. لكنه تعالى لا ينزل من السماء لممارسة تدبير الشأن العام، بل الفقهاء هم الذين يختفون وراء الدِّين لممارسة الحكم باسمه.

لم يعرف الخلفاء الراشدون شيئا اسمه "نظام إسلامي في الحكم" بدليل أن كل واحد منهم تولى الخلافة بأسلوب مختلف عن الآخرين. وإذا سار المسلمون على هذا النهج، فستكون لكل دولة إسلامية خلافة خاصة بها، وذلك ما سيُحَوِّل الإسلام إلى مجرد برنامج سياسي...

كما أن الحديث عن المرجعية الدينية للدولة يمنع حرية التعبير، ويلغي الحوار، فيُقيمُ دولة الكهنوت التي يستأثر فيها الفقهاء والمشايخ بسلطة إصدار فتاوى التحليل والتحريم، مع أنهم أصحاب مصالح وليسوا معصومين. وبذلك لن يُشرِّعَ البرلمان لأن هؤلاء سيستأثرون بذلك بذريعة تطبيق شريعة الله، مما يلغي سيادة الشعب...

إنَّ الدعوة إلى "دولة مدنية بمرجعية دينية" مجرد تحايل، إذ يؤكد أصحابها حريتك في "دولتهم المدنية" قولا، ثم يصادرونها باسم المرجعية الدينية. فدعاة الإسلام السياسي يعتبرون الدولة الحديثة حراماً، لكنهم لا يجدون نصا قرآنيا صريحا لدعم زعمهم هذا. إنهم يصفونَ "الدولة الحديثة" بـ "الوثنية"، مع أنَّ التاريخ أثبتَ نجاح هذه الدولة وتحقيقها لتقدم هائل فيما يُثبتُ فشلنا لأننا عشنا أربعة عشر قرنا من الفتن والمحَن في ظل ما يسمى بـ "الدولة الإسلامية" التي لم تكن إسلامية إلا ادعاء.