بديل ــ الرباط

في هذا المقال المثير، يكشف محمد بوبكري، عضو المكتب السياسي لحزب "الإتحاد الاشتراكي"، العديد من ما أسماها مظاهر "الفساد" التي تنخر المنظومة السياسية بالمغرب، وخاصة التنظيمات الحزبية، التي استطاعت أن تُنصب زعامات "فاسدة" في نظر الكاتب.

 كما عرج بوبكري للحديث عن ما تُخلفه هذه الزعامات من مظاهر دخيلة على  الديموقراطية، عبر طرد المثقفين والمبدعين وكل المتنورين من أحزابها، وتعويضهم ببلطجية تخدم هذه الزعامة مقابل الاستفادة من "فضلاتها"، بحسب بوبكري.

وهذا نص المقال كاملا كما توصل به الموقع:

شيُوع الفسَاد وَمأسَسَته

سأل أحد الخبراء في الفشل والفساد ثلاثة موظّفين يعملون في مؤسسته: هل 2+2= 5؟ فأجاب الأوّل: "نعم أستاذ، 2+2= 5"، وأجاب الثاني: "نعم أستاذنا الكبير اثنان زايد اثنان تساوي 5 إذا أضفنا لها 1"، أما الثالث فكان جوابه: "لا يا سيدي، خطأ، فاثنان زائد اثنان تساوي 4!". وفي اليوم الثاني لم يجد الموظّفون زميلهم الثالث في العمل، وبعد السؤال عنه علموا أنه تمّ الاستغناء عنْ خدماته، فغادر العمل!. فتعجب الموظف المكلف بمكتب هذا الخبير وسأله: لماذا تم الاستغناء عن الموظف الثالث وتسريحه؟ فأجابه: إن الموظف الأوّل كذّاب ويعلم أنه كذلك، وهذا النوع من الموظفين مطلوب!، والثاني مُتّملّق ذكي ويعلم أنه كذلك، وهذا النوع من البشر مرغوب فيه كذلك!، أما الثالث فصادق ويعلم أنّه كذلك، لكن هذا النوع من الموظفين مُتعِب ويصعب التعامل معه!! وبعد ذلك سأل الخبير مدير مكتبه قائلا: هل 2+2=5؟، فأجابه: "سمعت كلامك يا سيدي وعجزت عن فهمه، لأنني لا أملك القدرة على تفسير قول عالِم مثلك!!!؟"، ففهم الخبير أن مدير مكتبه منافق، ومع ذلك فهو يرى أن هذا النوع من الموظفين مهم ومحبوب!!

تعكس هذه القصة الغريبة ثقافة مجتمعنا المغربي وقيَّمه التي تعوق بناء الذات وتعمل على محو الفرد والمؤسسة في آن واحد. فطغى عليه النفاق والكذب والتحايل رغبة في خدمة المصلحة الشخصية والحصول على الامتيازات اللامشروعة، حيث أصبح الصدق والشفافية مرفوضين عندنا، ما نجم عنه انقلاب في القيم نعيشه ونستشعره في كل وقت وحين!

هكذا اخترق التزلف والتسول وانمحاء الذات ثقافتنا المغربية، فأصبح القاهر مقهورا، وحالت هذه الظروف دون ظهور الذات الفردية، وانعدم البناء والتطور، واختفى الفرد والمؤسسة... وفي ظل هذه الشروط، يصعب الحديث عن التحديث ولا

عن البناء الديمقراطي، حيث يدل غياب الفرد على تكلس العقل والروح، وانعدام الإنتاج، ما يحول دون أي تحول للمجتمع والدولة. فعندما يغيب العقل ويضرب الجفاف الوجدان، تغيب المبادئ والقيم، فيعم الفساد بكل أشكاله وألوانه. وهذا ما سهَّل على بعض القوى وضع زعامات فارغة على رأس الأحزاب أفقرتها فكريا ووجدانيا، وأفقدتها استقلال قرارها. كما أصبح هاجس هذه الزعامات هو الدفاع عن موقعها عبر طرد المثقفين والمبدعين وكل المتنورين من أحزابها، وتعويضهم ببلطجية تخدم هذه الزعامة مقابل الاستفادة من فضلاتها، حيث يقتصر عمل هذه البلطجية على الحراسة وحضور المؤتمرات والتجمعات والهتاف بحياة الزعيم الذي يدفع لها...

وما دامت العلاقات الحزبية لا تقوم على المبادئ والأفكار والمشاريع، فما يسمى حزبا يبقى مجرد إطار فارغ لا يمت بصلة للحزب بمفهومه الكوني. نتيجة ذلك، أصبح الحديث عن الحزب مجرد كلام بدون معنى. وإذا كان الوضع كذلك، فليست هناك تعددية ولا أغلبية ولا معارضة، ولن يكون للمؤسسات المنتخبة والحكومة أي معنى أيضا، الأمر الذي يفضي إلى استنتاجات خطيرة أهمها أننا لم نعرف للمأسسة طريقا بعدُ...

هكذا، أصبح الفارغون والفاسدون والكذَّابون والمخادعون هم المتصدِّرون للزعامة الحزبية ولأعلى المناصب، إذ يتم تهميش الصادقين والشرفاء والمنتجين للأفكار والمشاريع، ليصبحوا منبوذين لمجرد رفضهم للثقافة السائدة وانعكاساتها السلبية على الأفراد والمؤسسات والوطن. ومن ثمة، يصبح الصادق عندنا مُبعَدا، ويتمكن الفاسد الفارغ الآفاق من تصدر الحياة السياسية في لمح البصر، علما أن الفراغ صنو الاستبداد، ويتعارض مع التدبير الجيد والتنمية لأنه لا يعرف للديمقراطية طريقا!!

تبعا لذلك، صار الكذب والنفاق والتحايل وسائل للوصول، وأصبح الأحرار منبوذين بسبب مبادئهم وقيمهم وكرامتهم، وسَهُل على المنافقين افتراش الحرير ومراكمة الثروات الطائلة، لا لشيء سوى لفسادهم وكذبهم ونفاقهم وخنوعهم...

لقد أصبحت الصراحة مرفوضة، وصار الخوف على المصالح الخاصة والرغبة في الحصول على المزيد من الامتيازات الشخصية غير المشروعة محبوبا. نتيجة ذلك، بات الكذب والنفاق والفساد والتضليل أهم من الصدق والشفافية، وأرفع شأنا من الديمقراطية... فلا أحد يريد الكشف عن الفساد، وعن المفسدين والمهرولين وراء المصلحة الذاتية، ما يدل على أننا لا نخلص لوطننا ولا لشعبنا.

وعندما تصمت "الحكومة" عن الفساد، وتعجز عن محاربته، وتقبل بالتعايش معه، فإنها تصبح عمليا متواطئة معه، ما يستوجب توجيه أصابع الاتهام إليها، وإلا فعليها أن تقدم استقالتها. وما دامت تزعم أنها تصلح بينما هي لا تصلح أي شيء، فإنها تبقى مجرد حكومة صورية تفضل المقاعد والامتيازات على محاربة الفساد والتشبث بالقيم...

تبعا لذلك، كيف يمكن الحديث عن وجود مؤسسات حديثة في بلادنا؟ وكيف يمكننا الحديث عن وحدة وطنية متينة؟ وكيف نقدر على الذود عن وطننا؟....

خلاصة القول، إن طريق الحق صعب مُرّ، لا يسلكه إلاّ الأحرار الذين يحبّون أوطانهم وينظرون إلى مصلحة شعبهم...