كلما حل موعد مهرجان موازين – إيقاعات العالم، وبثث القناة المغربية الثانية دوزيم حفلا من حفلاتها، ذات المشاهد الجريئة، إلا وقلب علينا المشهد كما هائلا من المواجع، لا ترتبط فقط بمواقف التنديد بسياسة هدر المال العام أو حتى الخاص، ولا بمظاهر الابتذال و"الانحلال الخلقي"، ولكن ما يشي به الأمر من تعقيدات، أشد إيلاما، تهم الخط القيمي للقناة، فنستحضر بين ثناياه طبيعة الإرادة والميول، بين من يملكون ناصية القناة، وبين شعب له أعراف، محافظ في عمومه، وبينهما، تتأرجح نخب ليست على قلب رجل واحد، في نمط الحياة، في الذوق وفي مفاهيم القيم، وتتطاير شظايا قناعاتها على بساط الإعلام. ليهتز الرحب ضجيجا صاخبا بين أصوات الشجب، وشجب الشجب، وبين الاستنكار، واستنكار الاستنكار، وتعلو أصوات تدعو إلى المنع، تعقبها مطالب بمنع المنع.
تلك طبيعة مجتمع يعيش على إيقاع تعدد الثقافات والقيم، مثلما يروج أصحاب موازين لمهرجانهم، وهو أمر ليس غريبا، في ظل المنحى المضطرد، نحو انصهار اقتصادي معولم، وما يستتبعه من اصطفاف سياسي، وثقافي، يجعل مجتمعات الإمعة تهيم في تهافت على الوافد الغربي بكل حمولاته... وفضلاته.
حين نسمع بأن أكثر من مائة ألف، وربما مئتي ألف يحضرون حفلا ما من حفلات موازين، تحييه مغنية، تعشق جسدها أكثر من ناظريه، سرعان ما يسترعي الأمر انتباه المتتبع، لقوة جاذبية الحفل، بنمطه، بصخبه وبإيقاعه على أثير الأضواء ووهج الأجواء.
تلك سنة الحياة، فأنت أمام حشد لن تجمع عشره لو دعوته لأمر فيه استنهاض للهمم، حشد مشكل من نخب معظمها مستغرب الهوى، صقل ذوق وميول يافعيه بأنماط وسلوكيات كنا نخشى حتى سماعها أو رؤيتها، فبالأحرى التشبه به، إنها في أبهى وأزهى مراحل عمرها، وتلبية فضولها وتهييج غرائزها بضاعة يسيل لها لعاب الشركات التجارية، والمحتضنين والمنظمين والمروجين، وكل من يساير الموج بعين الرضا من أكابر القوم. وضع يجد النسيج المجتمعي البسيط نفسه على صفيح ساخن، تعايش بطعم التناقض، يدفعنا إلى أن نستفهم الأمر.
حين يعبر حفل ما، كل محطات الرقابة، الداخلية والخارجية، ليبث على قناة تلج بيوت العامة من الناس على حين غرة، وبه خدش للحياء بمقياس قيم المجتمع، يدفعنا المشهد إلى أن نستفهم الأمر.
حين يسعى بعض السياسيين، من ممثلي الشعب، من الأغلبية والمعارضة إلى التلويح بمحاسبة المسؤولين عما جرى، ثم يتناهى إلى مسامعنا صدور تعليمات تمنع إثارة موضوع، يثير مشاعر المجتمع، تحت قبة البرلمان، يدفعنا هذا إلى أن نستفهم الأمر.
تلك بواعث استفهام وأخرى كثيرة، تحفزنا لصبر أغوار قضية لا تحظى، في تقديري المتواضع، باهتمام وتحليل كافيين، قضية صراع الثقافات والقيم داخل المجتمع الواحد، داخل الوطن الواحد، يتجلى لهيبها عبر الواجهة الإعلامية. هنا يكمن التحدي الجوهري في سؤال الديمقراطية، فمتى ما ننجح في إدارة اختلاف قيمي بسلام وتناغم، نستطيع القول بأننا ربحنا رهان تدبير الاختلاف، إلا أن هذا، على ضوء واقعنا، يظل مجرد أماني بعيدة المنال، ولو أنها تبقى مشروعة ومنشودة، حد الجنون... والإحباط معا.
أكيد أن للموضوع شجون، لكننا علينا أن نلتزم بقواعد التحليل، لذلك، سأكتفي باستحضار أهم المحاور ذات الصلة بالواجهة الإعلامية دوزيم، أملا في إيصال الفكرة بشكل سليم إلى القارئ الكريم.
لماذا دوزيم، لأن هذه القناة تلعب دور الناقل "transmetteur " في توجيه الرأي العام، سياسيا، معرفيا وقيميا، بقوة الواقع، خاصة وأننا مجتمع، في عمومه، يعشق التعلم والتلقين بالأسلوب العرضي، والقالب الاستعراضي، عبر ما يستمتع بمشاهدته، ويمل بل لا يطيق نيل المعرفة بالقراءة، لذلك، فالقناة لها تأثير في تخوم المجتمع المغربي، نخبا وعامة، وربما تبلغ حدة وسرعة تأثيرها دور الموصل المتميز "supraconducteur" بامتياز، فما تعرضه القناة من مسلسلات وحوادث وأحداث، تجد لها صدى بين الناس، همسا وحتى ممارسة.
وقد قمت ببحث وتنقيب حول قناة دوزيم، ووصلت لمعطيات مثيرة، تجعلني أعترف مسبقا، بأن كل مطالبنا مجرد صيحة في واد.
والسؤال المحير الذي أبعث عبره شرارة الموضوع هو : من المسؤول عن القناة، وما هو خطه التحريري، وكيف يتم تمريره؟ لكن سرعان ما تنطفئ الشرارة بمجرد محاولة الإجابة عن الجزء الأول.
القناة الثانية دوزيم تخضع ملكيتها من الناحية القانونية لشركة إسمها : شركة الدراسات والإنجازات السمعية البصرية (SOREAD)، ورئيس هذه الشركة، هو نفسه مدير عام القناة الأولى (SNRT) وهي قناة منافسة في السوق السمعي البصري المغربي.
وللقناة مدير عام، عمر أكثر من سبع سنوات في المنصب، ولدينا مديرة الأخبار، تشغل منصب نائبة المدير العام، عمرت فيه لأكثر من خمسة عشر سنة، وهي مدة حطمت الرقم القياسي في قواعد تدبير المؤسسات العمومية، وبالتالي لابد من التذكير بأن بقاء أي مسؤول تنفيذي على رأس مؤسسة من مؤسسات الدولة، يصنع لنفسه عش الدبابير، يتنامى نفوذه ويصبح مرتعا للفساد ومكرسا له، بكل ما للكلمة من معنى.
وبالتالي يبدو أن القناة لا تخضع لإدارة ولا لإرادة مسؤول واحد، بل نحن أمام صانع قرار، مثلث الأضلاع، في ظاهره على الأقل.
وقد تناهي إلى مسامعنا سابقا، عن مشروع إحداث قطب إعلامي، حدث هذا في شهر يونيو من سنة 2006، وتحدثت عنه حصرا وكالة المغرب العربي للأنباء، لكن سرعان ما تبخر هذا الحلم إلى غير رجعة.
في سنة 2011، أصدر المجلس الأعلى للحسابات تقريرا حول الوضعية المالية والتجارية لقناة دوزيم، اختزل نقط الافتحاص (points d’audit) في جملة واحدة : علاقات تجارية غامضة (relations commerciales opaques).
لفهم هذا الاختزال الذي يستبطن أمورا مهمة، نتفحص طريقة تمويل القناة :
القناة لا تحظى بتمويل حكومي لميزانيتها الوظيفية السنوية إلا بنسبة تقل عن 10 بالمائة، فيما تتجاوز نسبة التمويل الذاتي نسبة 90 بالمائة، بعكس منافستها تماما (أي شبكة القناة الأولى SNRT)، وقد شهدت القناة حالات عجز هيكلي، دفعت صناع القرار إلى الزيادة في رأسمالها، عن طريق المال الخاص، بحوالي 8 ملايير سنتيم خلال السنوات الأربع الماضية، حيث أن الحكومة امتنعت عن إبرام عقد البرامج (contrat programmes) مع مسؤولي القناة لأسباب يعلمها الأطراف المعنيين، مما كان سيشكل فرصة قوية لمراقبة خط القناة بشكل تلقائي، خلافا لما هو عليه الوضع الآن.
لذلك، فالقناة تعتمد على المستشهرين لتحقيق عائدات لتغطية مصاريفها الوظيفية، لكن هذه العملية لم تعد تباشرها مثلما كان عليه الحال، حين كانت تابعة للهولدينغ الملكي (ONA سابقا) منذ أكبر من خمسة عشر سنة، عبر مديرية التسويق (Direction Marketing)، حيث تم تفويت كل الطاقم إلى شركة خاصة سموها REGIE 3، والتي ثم تفويت نسبة 60 بالمائة من رأسمالها إلى مؤسسة راديو ميدي 1، ذات التمويل المغربي – الفرنسي، ، ضمن سياسة إعادة الانتشار في مجال الاستثمار وتوزيع الأدوار في قطاع الإعلام.
هذه الشركة (REGIE 3) هي الصنبور الأساسي لتدفق الأموال لفائدة قناة دوزيم، بمقابل 15 بالمائة من العائدات لفائدتها، نظير خدماتها في تدبير علاقتها مع المستشهرين وسواهم، ممن لهم علاقة بالبث عبر قناة دوزيم.
وهذه الشركة هي من تبرم عقود مع منظمين لمهرجانات وحفلات وغيرها من الأحداث، التي يتم بثها عبر قناة دوزيم، وبالتالي ما تلتزم به أمام عملائها، تصبح دوزيم ملزمة ببثه بشكل تلقائي.
إلا أنه، من الناحية القانونية والمسطرية، فإن بث أية مادة، يخضع نظريا لرقابة لجنة للأخلاقيات (comité consultatif de déontologie et de programme) والتي تضم متخصصين من داخل وخارج القناة، توجد ضمن هياكلها لجنة المشاهد (comité visionneur)، مسؤولة على مراقبة ما يتم بثه، وتقوم بتصنيف المشاهد إلى أربعة أنواع (مشاهد دون تشوير، مشاهد ممنوعة على ما دون العاشرة (10-)، (12-)، أو (16-)). لكننا علينا أن ندرك بأن دورها استشاري، وتشكيلتها غير معروفة، فضلا عن أنها مجرد لجنة داخل لجنة داخل منظومة ضخمة، وغالبا ما تشتغل على مواد مسبقة الإنتاج، لتدلي برأيها قبل البث، أما أن يكون لها دور في بث حفل من وزن حفلات موازين، فالأمر بعيد المنال، هذا التقييم أقدره من الناحية الواقعية، فمنطق العلاقات التجارية والقانونية، يقضي بأن كل منع من قبل هذه اللجنة، يترتب عنه خرق قانوني، موجب للمتابعة القضائية والتعويض، أمر لن تتحمله، في تقديري، البنية المالية للقناة الثانية دوزيم.
من هنا، تبدو علاقة الحكومة، وبالتحديد وزارة الاتصال مع قناة دوزيم علاقة متباعدة ومتهالكة، يحكمها حصرا دفتر تحملات، ما دامت الحكومة ليست الممول الرئيسي، ولا تربطها بمن يملكون سلطة القرار داخل القناة، بما يمكنها من فرض إرادتها على إدارة القناة، إذا ما افترضنا أن لها إدارة معينة، ولذلك فالعملاء التجاريين، ذوي الهاجس التسويقي والترويجي لمنتوجاتهم، لا يوجد في سلم أولوياتهم مفهوم القيم ولا هم يحزنون، وهؤلاء لهم الكلمة الفصل.
وهكذا، حين تبرم شركة REGIE 3 مع اللجنة المنظمة لمهرجان موازين، وهي لجنة مستقلة ومختلطة الأطراف، عقودا مع مستشهرين، ومع من سيحيون حفلات مهرجان موازين، فإن العامل الأساسي، المتحكم في العملية برمتها هو العائد والأرباح التي يمكن جنيها من المهرجان ومن البث.
لذلك، من الناحية الواقعية، اللجنة المنظمة تسعى إلى بث الحفلات بتوزيع بين القناتين، القناة الأولى والقناة الثانية، بمعيار طريف، فالحفلات الغربية والجريئة، غالبا ما يتم بثها عبر قناة دوزيم، في حين أن الحفلات ذات الطابع الملتزم أو العادي، يتم بثها عبر القناة الأولى، (وربما تغير المشهد نوعا ما خلال النسخة الحلية بعد الضجة)، لكن الكل في معمعة واحدة، وما يجري مجرد توزيع للأدوار، وتلك سمة المجتمع المتعدد الثقافات، المتعدد الوجوه، المتعدد المشارب... والمقالب.
بعدما ثم توقيف بث برنامج مباشرة معكم، الذي كان سيتناول فيلم ''الزين اللي فيك''، صرح وزير الاتصال بأن أحد الصحفيين الأساسيين بالقناة، له صلة إجارة مع أحد مروجي الأفلام شبه الإباحية، المختص في جني الأرباح عن طريق الإثارة، بمبرر كشف الواقع، ولا أعتقد أن المسؤول الحكومي ينطق من فراغ، لتبدو الصورة أعقد مما قد يتصور المواطن البسيط، بالأحرى النخبة السياسية والمثقفة، خاصة إذا تذكرنا أننا امام عائلة تتمتع بنفوذ قوي في مجال الإعلام والإشهار، والقروض المقوضة، ونستحضر جيدا كيف يستميت والد هذا "المروج للواقع''، على مطلب إقحام الدارجة في تعليم أبناءنا، حتى يزيد جهلهم وبعدهم عن العلم والمعرفة والحضارة عمقا ومتاهة، في حين يبعث بأبنائه، هو ومن هم على شاكلته، إلى فرنسا وإلى الولايات المتحدة لاستكمال دراستهم، وتعلم أساليب التسلط والتحكم وجني الأرباح على حساب البسطاء والمهمشين.
وهكذا، فنفوذ الحكومة في مسألة إقالة أو اختيار إدارة قناة دوزيم يكاد يكون ضئيلا، وربما عديم الجدوى، فهل إقالة الرئيس تكفي، وهل إقالة المدير العام تكفي، وهل إقالة نائبة المدير ومديرة الأخبار تكفي، وهل إقالة صحفي تكفي، وهل إقالة الجميع تكفي، وهل تعيين بديل سيغير من عادات حليمة القديمة، طالما الحكومة ذاتها لا تؤمن لها النسبة الأكبر من مصادر تمويلها، وبالتالي لا تملك قوة الضغط على توجيه بوصلة القناة، ولا شأن لها بخطها التحريري.
يذكرني الأمر بقصة رجل ورع، معروف لدى الحي بملازمته بيت الله، أو هكذا يعرف، يعاني من ضيق ذات اليد، لكن لديه فتاة جميلة في سن المراهقة، يمتنع عن تزويدها بما تحتاجه من مال، لاقتناء ألبسة وأكسسوارات تضاهي بها زميلاتها، مما يدفعها واقعها، الذي تجتذب فيه المظاهر المرء اجتذابا، إلى ممارسة الدعارة خلسة، فتحصل على أموال كثيرة، تشتري موديلات وألبسة من طراز "لابسة من غير هدوم"، وتتباهي أمام أقرانها، فتتغامز أعين الناس ويصبح إسمها وسمعة الأسرة والوالد على طرف كل لسان، ويضطر الأب المسكين لالتزام الصمت وفي قلبه مرارة، وإذا أشار له أحد للموضوع، رد عليه : "إني بريئ مما تلبس ابنتي، ولا أعطها بما تشتري به ذلك اللباس الفاضح"، وتتعقد العلاقة، ويصبح الجو العائلي مكهربا، وتتراكم أزمات الفتاة ورب الأسرة والأسرة أجمعها. وهكذا نجد أنفسنا أمام وضع عليل، عصي على الحل، إنه المجتمع، وإنها طبيعته.
خلاصة القول، الغموض في المسؤولية (Dilution de responsabilité) والنمط التمويلي، المبني على النموذج الاقتصادي الليبرالي، والرأسمالي المتوحش، والنخبة المتحكمة في المؤسسة، التي تمرر نمط عيشها، الغربي الطبع والهوى، والتي لها جذورها وعشاقها في تخوم أصحاب النفوذ، وأصحاب الحل والعقد، يدفعان إلى تبني سياسة الكسب دون مراعاة قيم المجتمع، وهي السمة الغالبة في تدبير قناة دوزيم.
هذا الوضع يدفعنا إلى الاعتراف بأننا أمام تشبيك إعلامي ومالي أشبه بأدرع الأخطبوط، تلمس ضرباتها، لكنك لا تعرف كيف تشل حركتها الموجعة، وإذا ما حاولت ذلك، تهاجمك أدرع من حيث لا تدري، تظهر بمسميات مختلفة.
وهكذا، فنداءات الشجب، إزاء ما بثته قناة دوزيم، إنما صراخ وعويل، في وجه واقع مرير وعليل.
عبد الإله الخضري
رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان