في حديث أدلى به بتاريخ 02/11/2016 لوكالة الأنباء الألمانية عزا رئيس الحكومة المكلف بنكيران وقوع الفاجعة التي ذهب ضحية لها الفقيد محسن فكري طحنا في شاحنة لنقل النفايات إلى (( وجود اختلالات في الإدارة المغربية))، مشيرا إلى أن (( المهمة الأساسية والأولى للحكومة المقبلة، طبقا لتوجيهات الملك، ستكون معالجة تلك الاختلالات)).

بهذا الكلام يغالط بنكيران الرأي العام ويجافي الحقيقة، فإدارتنا لا تعاني من مجرد اختلالات بسيطة وعابرة كما يريد أن يرسخ ذلك في ذهن الجمهور رئيس الحكومة المكلف، الإدارة المغربية تعيش في أزمة بنيوية عميقة تتفاقم يوما عن آخر حتى أنها أصبحت عائقا يحول دون دوران عجلة التنمية.

الملك بنفسه أقر بهذا الأمر في خطاب ألقاه أمام البرلمان، وصرح فيه بأن أوامره التي يعطيها للحكومة لا تنفذ، وقدم بذلك مثالا بالرسالة التي بعثها إلى الحكومة سنة 2002 حول الشباك الأوحد. فمن على المواطن أن يصدق، رئيس الحكومة المكلف، أم رئيس الدولة؟؟

لنتجاوز هذا التناقض مع الملك في حديث بنكيران ولنفترض جدلا أن الإدارة المغربية تعاني فقط من اختلالات، لماذا لم يعالج بنكيران هذه الاختلالات في وقتها وهو الذي كان لمدة الخمس سنوات السابقة المسئول الحكومي الأول عن هذه الإدارة؟؟ عندما لا يعالج بنكيران الاختلالات في إدارة يرأسها، فإنه يتحمل المسؤولية الكاملة عن العواقب الوخيمة التي يقع ضحية لها المواطنون في تعاملهم مع هذه الإدارة.

يهرب بنكيران من مواجهة المسؤولية عن عدم القيام بواجبه ويلقي بكل الهمِّ على الملك، فوفقا لمنطقه الخالي من أي منطق، علينا أن ننتظر، في كل شيء، اتخاذ الملك للمبادرة، ليحل للمجتمع مشاكله العديدة والمتراكمة، وفي هذه الحالة ما هو دورك يا رئيس حكومتنا السابق والمكلف حاليا؟؟

وبموازاة الهروب من تحمل المسؤولية عما وقع في الحسيمة، فسر بنكيران خروج المواطنين في مظاهرات ضخمة بجهات مختلفة من المغرب بالقول: (( هذا هو المزاج العام حين تكون هناك حادثة مؤلمة مثل التي وقعت، المزاج العام لا يميز في اللحظات الأولى ما إذا المسئول عن القضية هو شخص بعينه أو إدارة محددة أو شيء من هذا القبيل ويوجه اللوم للمسئولين عموما..)).

خروج عشرات الآلاف من المواطنين في مسيرات احتجاجية بأكثر من 25 مدينة يعتبره بنكيران (( مزاجا عاما))، أي أن هؤلاء المتظاهرون ليسوا على وعي كامل بما يفعلون في تظاهراتهم، إنهم، من وجهة نظره، في حالة انفعالية، وما يصدر عنهم لا يستحق أن يكون موضوع اهتمام، إنهم، بالنسبة له، في حالة متقلبة، وفي غي، وعليهم الرجوع عن غيهم بالتوقف عن التظاهر.

أخطر ما في تصريح بنكيران هذا هو أنه يعتبر هذه الحشود المحتجة تعيش دون تمييز بين الصالح والطالح، ولا تدرك من هو المسئول عن المآسي التي تتعرض لها، وأنها تتصرف تحت ضغط غرائزها، أي ينطبق عليها المثل القائل: بكر علال..
ولكن عندما نتأمل في الشعارات التي رُفعت خلال هذه المظاهرات والمطالب التي تتضمنها من قبيل: حرية، كرامة، عدالة اجتماعية، رفع الحكرة والتهميش، ومحاربة الفوارق الطبقية الصارخة، والتوزيع العادل للثروة، والالتفات إلى قطاعات الصحة والتعليم وتجهيز البنية التحية بتوفير الطرق والقناطر والكهرباء للساكنة.. بوقوفنا على هذه الشعارات، نتأكد أن المحتجين لم يكونوا من الغوغاء والدهماء والأوباش، وإنما مواطنون في كامل وعيهم الوطني، وأن مقتل محسن فكري ليس إلا القشة التي قسمت ظهر البعير ففضحت المسكوت عنه في الخطاب الرسمي، وفضحت أيضا حيتان المخزن الاقتصادي بهذه المنطقة.

وفي مسعى يائس منه لتبرير صمته المخجل عما وقع في الحسيمة أورد بنكيران ما يلي: (( الملك أصدر أوامره ونحن ننفذ، ومن بداية القضية صدرت بحقها توجيهات ملكية، وحينما يعطي جلالة الملك توجيهات مباشرة في إحدى القضايا، تعتبر الحكومة أن جلالة الملك قام بالواجب، وأنه لا يوجد سبيل بعد ذلك لكي تتدخل هي بشكل خاص وصفة مستقلة)).

وللتذكير فإن بنكيران أعطى، قبل الملك، الأوامر لمريديه وكتائبه بعدم المشاركة في الاحتجاجات، معتبرا أن المشاركة في المسيرات الاحتجاجية لا فائدة ترجى منها، كما فعل تماما إزاء احتجاجات حركة 20 فبراير. لقد كان بنكيران يريد طي هذا الملف وإقباره للانصراف إلى مشاوراته الماراطونية من أجل تشكيل الحكومة، ضاربا عرض الحائط بآلام وغضب الشارع، حيث أنه لم يكن يتوقع أن الملك سيتصرف بطريقة مغايرة لطريقته.

وهكذا، قدم الملك التعازي للأسرة المكلومة، وأرسل وزيريه في الداخلية عندها، وأعطى أوامره بعدم ضرب وقمع المحتجين، وبذلك وجه الملك كالعادة لبنكيران صفعة مدوية، الأمر الذي يبين أن رئيس الحكومة المكلف لم يكن على علم بما سيقوم به الملك في هذه النازلة، وبدا واضحا للعموم أن تبريرات بنكيران في تعامله مع وقائع الحسيمة كانت مجافية للواقع والحقيقة.

كان الواجب الحكومي يفرض على بنكيران أن يقوم هو باتخاذ المبادرة وإصدار القرارات اللازمة في هذا الشأن، كتقديم التعازي وإيفاد وزير الداخلية للحسيمة، وإعطاء الأوامر لوزيري العدل والصيد البحري من أجل فتح تحقيق عاجل ومعمق حول ظروف مقتل الضحية، مراعاة لظروف جهة تعيش فوق برميل من البارود يمكن أن ينفجر في أي لحظة. لكن رغم هذا الخطر المحدق بجهة الشمال، فإن بنكيران لم يتحمل مسؤولياته الحكومية، ولم يكن على قدر المهمة المُطوَّق بها، الأمر الذي أجير الملك على التحرك شخصيا لتدارك الوضع والسعي لنزع فتيل الانفجار.

وإمعانا منه في التملص من تحمل أي مسؤولية عن كل ما يقع في المغرب من حوادث مفجعة، فإن بنكيران يتخلص من العبء ويقوم بإلقائه على كتفي الملك بالقول: (( الملك في المغرب هو رئيس الدولة ورئيس الحكومة ورئيس الإدارة... وأنا مجرد عضو في مجلسه الوزاري... وحين يقوم بشيء أو يقول شيئا في قضية ما، فهذا يعني أن هذه القضية قد حسمت، وأن الذي علينا القيام به في الحكومة هو التنفيذ فقط)).

كلام بنكيران هذا اعتراف صريح وبلا رتوش ولا مساحيق بأنه مجرد موظف بسيط في خدمة الأعتاب الشريفة، وأنه لا يتخذ أي قرار في أي قضية من القضايا، ومهامه منحصرة في تنفيذ التعليمات السامية، ولا شك في أن هذا الكلام يتنافى مع تصريحاته السابقة التي كان يقول فيها إن لديه برنامجا حكوميا ويريد تنفيذه، ولكن العرقلة تأتيه من العفاريت والتماسيح والبانضيا، وتمنعه من بلورة برنامجه. فإذا كان رئيس الحكومة المكلف يكتفي بتنفيذ ما يؤمر به، كما يصرح هو بذلك، فهذا إقرار من جانبه بأن ليس في جعبته لا برنامج ولا هم يحزنون، وأن لا وجود لا للتماسيح ولا للضباع ولا للعرقلة.

قول بنكيران إنه مجرد منفذ لتعليمات الملك، سواء كانت إيجابية أو سلبية، يبرئ به نفسه من أي مطالبة بالمحاسبة، وهذا القول يفيد بأن النظام المغربي، ملكية مطلقة يسود فيها الملك ويحكم، والجهاز التنفيذي لا يعدو كونه ديكورا للزينة. وإذا سلمنا مع بنكيران بأن الوضع في بلدنا على هذا النحو البائس، فما الجدوى من إجراء انتخابات، ووجود حكومة وبرلمان...فالحكومة المقبلة التي يسعى رئيس الحكومة المكلف لتشكيلها، لا حاجة لنا بها، ما دام الملك هو الذي يتولى كل الأمور في هذا البلد.