د: المريزق المصطفى

كانت هزيمة حزيران بالنسبة لآلاف الشباب صدمة حفزتهم على المشاركة السياسية، و قبلها كانت نهاية المرحلة الأولى للمقاومة المسلحة المغربية قد فتحت باب النضال أمام المئات من أبناء الشعب المغربي لمواصلة الكفاح بعد خفوت أصوات بنادق روادها من أمثال الشريف أمزيان، و أحمد الهيبة، و موحا أوحامو الزياني، و موحا أو سيعيد، و محمد بن عبد الكريم الخطابي.

و كان أعداء الحلم الديمقراطي يعتقدون أن هذا المنحى لم يكن إلا ظاهرة عرضية في تجربة النضال التقدمي المغربي. و كانت العديد من القضايا الكبرى مطروحة آنذاك للنقاش مقتصرة على عدد محدود من أجهزة النظام التي كانت ترفض أن يكون للتقدميون قسطهم في معالجتها. و رغم ذلك ظل الوطنيون الأحرار و المناضلون التقدميون أوفياء للكفاءة العلمية و للتجربة السياسية المبنية على الحلم بتحقيق المساواة و العدالة الاجتماعية.

اليوم، لا يدعي أحد أنه بنى المغرب رغم أن نواته الصلبة لم تتضح بعد على الساحة التي يناضل فيها عموم التقدميون و الحداثيون. فنظرة إلى ما وصلت إليه السياسة في بلادنا من حضيض على يد رئيس حكومة ملتحي ، منتخب من طرف الشعب، ترينا قدر ما استحقه المغاربة رغم كفاحهم التاريخي و نضالهم ضد أعداء الحرية و تياراتهم اللاوطنية.


إن ما وصل له السيد رئيس الحكومة بن كيران من ضحالة سياسية و من رداءة حزبية و من انحدار أخلاقي و من التهاب حاد في الدماغ نتيجة الأعصاب المحيطية، يبين شيئا واحدا ألا و هو: و صول فيروس خبيث للجهاز العصبي المركزي لبنكيران.

لقد أثبت زعيم الحزب الحاكم ما كان موضوع شك لدى عموم المواطنلت و المواطنين، حين استعمل قاموس القوادة السياسية من دون حرج و لا حشمة و لا تقدير لبنات و أبناء الوطن، و كأن البرلمان المغربي أصبح بورديل ل"الزلالة" و استعراض "الأدوات الجنسية".

فهل نحن جاهزون اليوم لفهم ما يمثله رئيس الحكومة في عصرنا من تشويه للحياة السياسية و من ضرب للأخلاق السامية التي تربى في أحضانها المغاربة الشرفاء؟

إن فشل بنكيران في تمثيله للشعب داخل المغرب و خارجه، جعله يفقد الصواب ويعلن علانية تدشينه لمنعطف جديد من مسيرة الصراع الدائر ضد مغرب ما بعد الجمر و الرصاص، من أجل فرض حل استسلامي ظلامي على الشعب المغربي و على قواه الحداثية و الديمقراطية. و يبقى السؤال مطروح حول من يرعى ممارسته الرجعية، و من يوقع له و ثائق الهزالة و السفاهة؟ و من يشجعه على إلحاق الضرر تلو الضرر بالشعب المغربي المغلوب على أمره؟ ثم، من ينفخ في روحه و يمده بسيف من سماء و بحراس من جياع الجنس؟
المغرب الديمقراطي الحداثي، هو البلد الوحيد الذي يرضى المغاربة العيش في كنفه. و كما هو معروف، فإن هذا البلد يتعرض اليوم للقصف من لدن الرجعية المتواطئة مع الاستعمار المشرقي الجديد، مما يجعل المطالبة الجماعية بالمجابهة الفعلية، لا الشكلية، مع العدوانية البنكيرانية مطلبا مستعجلا.

و لا ريب، ان تجديد الكفاح النضالي و أسسه، هو من مهمة القوى الديمقراطية التي أصبحت مهددة في هويتها و في تقدميتها.

هناك اليوم فرق كبير بين التمسك بالهوية التقدمية بالمعنى الكلاسيكي، و التشنج تجاه السياسات اللاديمقراطية، أو الاكتفاء بالاحتجاج ضد الدولة اللاشعبية. الكفاح المغربي التقدمي هو مهمة دفاعية لا مهمة استفزازية، هو استعداد لمقاومة الحرب الأهلية التي يحلم بها بنكيران، و هذا يعني مجابهة كل الفصائل الرجعية بكفاح مستمر و بكل الأسلحة، و على رأسها سلاح العلم و المعرفة.

و ليتعلم أعداء المغرب الجديد جميعا درسا على يد الشعب المغربي و مناضليه: فلا شيء يمكن أن يمر ضد إرادة الشعب و ضد طموحاته العميقة لدحر الظلامية عن أرض الوطن حتى يمارس الشعب حقه في تقرير مصيره بنفسه (دون تدخل خارجي) و بناء دولته الحداثية الديمقراطية.

و في هذا المضمار، ندعو من جديد لتشكيل جبهة عريضة من الشباب و النساء و المثقفون و كل التقدميون للتكتل ضد المخاطر المحدقة بمكاسب الشعب المغربي و مواجهة كل المؤمرات على مجمل النضال التحرري المغربي، بل و أيضا مقاومة الغزو و المخاطر التي تواجه الوطن و مؤسساته.

و أخيرا، أدعو عموم المناضلين لجعل يوم فاتح مارس القادم يوم عيد ميلاد "جبهة النضال ضد الظلامية" لكي نتلمس جميعا الطريق الذي يقودها هؤلاء إلى إنجاز أهدافها في تأمين الحقوق الوطنية للشعب المغربي و إغناء ملموسا لفكر التغيير الديمقراطي السلمي، سواء من خلال طرح الفكر العقلاني الحداثي بجرأة ووضوح، أو من خلال الإسهام في بلورة مسيرة و نهج التغيير الديمقراطي الشامل.