بانتخاب رئيس مجلس المستشارين، يكون المغرب قد طوى صفحة الاستحقاقات الانتخابية الجماعية والجهوية، وجدد كافة المؤسسات المنتخبة بمرجعية دستور 2011، في انتظار استكمال رهانات الدستور التشريعية، وفي انتظار موعد انتخابي آخر على قدر كبير من الاهمية لاستكمال الرهانات السياسية التي ولّدها السياق الذي أفرز الوثيقة الدستورية.

طيلة الفترة ما بعد 25 نونبر 2011 الى 4 شتنبر 2015، تلاطمت على شاطئ المشهد السياسي المغربي، أمواج كثيرة بعضها كان عاتيا ومربكا، لكن النتيجة كانت في الأخير انكشاف الكثير من الزيف وافتضاح أمر الكثير من النخب المصطنعة، وتأكد فشل الكثير من الخطط التي وضعها مهندسوها ضد التيار.

خلال هذه الفترة أيضا تبين أن البلاد لم تكن إزاء حسابات سياسية ميكانيكية تتعلق بأغلبية تسير الحكومة، ومعارضة تنتقدها وتعبر عن الاختلاف في رؤية الانجاز ونجاعة السياسات العمومية، بقدر ما كنا أمام تدافع وصراع حقيقيين بغاية إعادة ترتيب أمور جمّة على رقعة مؤسسات الدولة وكافة مشمولاتها، وأمام تعبئة مجتمعية لفائد الإصلاح ثقافة وإنجازا وتعبئة مضادة استهدفت أداة الإصلاح وقياداته بمختلف الأساليب، في تقاطع كان واضحا مع أهداف مرتبة خارجيا لكبح الانتقال في البلاد من وضع سياسي حرج يسهل التبعية والانصياع، الى وضع آخر يبشر بالاستقلالية ويستدعي الندية في العلاقات.

ومع كل ما حدث فإن المغرب كان أمام تمرين ديمقراطي اتسم بالحيوية، وعرف شدا وشذبا أكدا أن أشياء تغيرت وأوهام سقطت، ولم يكن العطب المعيب بشكل كبير إلا في النخب الحزبية التي لم تستطع الانخراط في العملية، ولم تستوعب فيما يبدو رسائل الحراك الشعبي ورسائل الانتخابات التشريعية السابقة لأوانها، أو وجدت في وعود قُدمت لها هنا وهناك مناسبة لصد التقدم الانتخابي المتوقع لحزب العدالة والتنمية، فأخلفت الموعد بتضييع سنوات على الوطن لم تجنِ منها مكاسب انتخابية لأحزابها، ولا هي استطاعت ايقاف الزحف الانتخابي لمن اعتبرته خصما لها كما وضحت ذلك نتائج الانتخابات الجماعية التي تأجلت لمرات عديدة لذات الغرض.

وعموما كانت انتخابات 4 شتنبر جرسا منبها، لبعض هذه النخب الحزبية جعلها تستيقظ من عملية تنويم سياسي، خضعت له من قبل الجهات الصانعة والحامية لحزب وُلد ليستحوذ وليسيطر على المؤسسات المنتخبة، واتضح لهذه النخب أنها تعرضت للقرصنة من طرف هذا الحزب الذي وضعت تاريخها ورصيدها النضالي رهن إشارته مقابل وعود زائفة، لانه قائم أصلا على التزييف، فخطف أمام أعينها وبدعم منها نصيبه ونصيبها.

استمر الجرس في الرنين بانتخاب رؤساء الجهات ثم رؤساء مجالس الجماعات والعمالات والأقاليم، فاستمر معه وفاض النخب الحزبية المذكورة خاويا، لتأتي لحظة انتخاب رئيس مجلس المستشارين لتكشف بدورها أن الاصطفاف إلى جانب حزب هيمني كان خطأ ولم يكن من ورائه عائد، لذلك سيتحول تاريخ 13 أكتوبر إلى لحظة يقظة كلية تعود بعدها الأمور تدريجيا إلى الاقتناع بأهمية الفرز بين الأحزاب بناء على معطى الديمقراطية والشراكة الحقيقية في البناء المؤسساتي إلى غاية العبور السالك نحو فضاء سياسي خالٍ من هواجس الضبط والسلطوية التي كيفما كان الحال تقلصت وتراجعت نظرا لتكلفتها، وما فارق الصوت الواحد الذي مكن حزب الأصالة والمعاصرة من خطف رئاسة مجلس المستشارين، من حزب الاستقلال إلا دليل على ذلك، ولعل في كل هذا رغبة في التخلص من إرث المرحلة السابقة بمكافئة من قدموا خلالها خدمات لأطراف في الدولة، بتمكينهم من مواقع يضمنون بها صفة الاستمرار المقيد وامكان التحصين مما قد يأتي.

لذلك لا ينبغي أن ننظر إلى عمليات السطو على رئاسة جهتي طنجة تطوان والدار البيضاء ومجلس المستشارين، فقط من زاوية العودة المفترضة للتحكم والسلطوية بوسائل انتخابية، وإنما هناك قراءة تقول بأن ما حدث منذ 4 شتنبر من خدش للانتصار الديمقراطي للمغاربة وانقلاب في الظاهر على إرادتهم، قد تكون وراءه غاية أخرى هي ترتيب موقع جديد لحزب الياس العماري ليأخذ مكانه إلى جانب غيره من الأحزاب التي خرجت من رحم الإدارة في فترات متفرقة من التاريخ السياسي للبلاد، إلى أن يقول الشعب حكمه النهائي فيه وفي نهجه وفي امتداداته.

اليوم وحتى لا يستمر هذا الحزب موضوعا وحيدا للنقاش، من الواجب أن تتحمل القيادات المتبقية في الصف الأول للأحزاب الوطنية التاريخية مسؤولياتها في الدفع نحو عزل الأصالة والمعاصرة، ومحاصرته بقطع كافة علاقات الدعم والإسناد التي يمكن أن تشكل إمدادات له، والاسهام في منحه شهادة نهاية الصلاحية ومساعدته على أخذ مقعده في الصف نفسه الذي يجلس فيه "الأحرار" و"الاتحاد الدستوري" غير بعيد عن حزب أعرشان والقاديري