حميد المهدوي ـ يقضي المستشار الجماعي الزبير بنسعدون أول عيد في حياته بسجن طنجة، بعد إدانته بثلاث سنوات سجنا، ظلما وعدوانا، بتهمة "الإتجار في المخدرات" !

وحده بنسعدون عربون كاف على استبداد هذه الدولة وعلامة دالة على أن دار لقمان لازالت على حالها، بعد أن استند القضاء فقط على تصريحات "مُجرمين" مدانين في جرائم "مخدرات" بل والأطرف والمُبكِي أن هؤلاء المصرحين تربطهم بابن سعدون خصومة قضائية ثابتة بحكم قضائي، بما يفيد أن شهادتهما مجرح فيها، ومع ذلك أخذ القضاء بها ضد على القاعدة القانونية.

كتبت عن هذا الموضوع بالتفصيل في جريدة "الأسبوع الصحفي" قبل سنتين، وكتبت عنه بنفس التفصيل في موقع "لكم" قبل سنة، وكتبت عنه بتفصيل أكثر في موقع "بديل" ولا أحد التفت لما كتبناه، علما أن الأجهزة تلتقط كل كبيرة أو صغيرة كتبناها، مباشرة بعد النشر، بدليل ما اكتشفته من خلال خطأ مطبعي في كلمة واردة في مقال موضوع متابعتي ضمن المذكرة التي تقدم بها إلى المحكمة ضدنا محامي الإدارة العامة للأمن الوطني في قضية شاب الحسيمة كريم لشقر، إذ بعد عودتي لأرشيف الموقع وجدت الكلمة صحيحة، ما يفيد أني قمت بتصحيحها مباشرة بعد النشر، وهو ما يؤكد أن الأجهزة تنسخ كل مادة نشرناه لحظة نشرها، وبالتالي فالأجهزة في المغرب تعرف جيدا قضية بنسعدون فلماذا تصمت عن اعتقاله ظلما وعدوانا لحد الساعة؟

وحين أصبح الحكم نهائيا ضد بنسعدون، اتصلت بوزير العدل هاتفيا لترتيب لقاء معه، فأحالني على مدير ديوانه، وكان آنذاك محمد بنعليلو، المدير المركزي الحالي لمديرية التحديث والتعاون، وقبل أي كلمة في الموضوع قلت لبنعليلو "لم آت هنا طلبا للتدخل أو للتأثير على القضاء ولكن طلبا لفتح تحقيق ضد مواطن، أنا مقتنع ببراءته" فرد علي بنعليلو، وهو لازال حيا يرزق إن كذبت، "لو كنت اعرف أنك ستطلب مني ذلك لما استقبلتك وأنا اعرفك جيدا السي حميد تفضل قل ما عندك"، فحكيت له كل صغيرة وكبيرة في الموضوع بل واتهمت في حضرته جهات بالوقوف وراء محنة هذا المواطن، لكن بنعليلو رفض أن يسمع ذلك، وطلب مني أن أتجاوز لغة الإتهامات، طالبا مني أن أطلب من المحامي محمد طارق السباعي التقدم بطلب مراجعة للحكم، على أن يولي هذا الطلب عناية كبيرة، ولحد الساعة، وقد مرت شهور على ذلك، لم يحدث أي شيء.

قدمت ملف بنسعدون لجمعيات حقوقية عديدة، ووقفت أمام نُخب حقوقية وسياسية وإعلامية مغربية أشرح لها بمقر "الجمعية المغربية لحقوق الإنسان" قصة هذا المواطن، مؤكدا لهم أن قضية بنسعدون عنوان لأكبر "استبداد قضائي وسياسي" في المغرب، لعل وعسى أن يلتفت إليه أحد في بيان أو مقال أو يطلق مبادرة كتلك المبادرات التي تطلق بين الفينة والأخرى، ولكن لا حياة لمن تنادي، علما أن من سجن مواطنا بغير حق فكأنما سجن الناس جميعا.

يمكن لأي دولة في العالم أن تُقصر في بناء الطرقات والمستشفيات والمدارس وقد يهون، يمكنها أن تقصر في توفير فرص الشغل وقد يهون، بل حتى إن عذب فرد منها مواطن قد يهون، إذا كان هذا التعذيب غير ممنهج، لكن ما لا يهون أبدا هو أن تحرم الدولة، عن وعي وإدراك، إنسانا من الحرية وتدخله السجن، بلا ذنب ارتكبه..، مثل هذه الدولة عمرها قصير.

استمرار اعتقال بنسعدون أكبر دليل بالنسبة لي على أن وزراء العدالة والتنمية بلا شهامة ولا أخلاق ولا شجاعة سياسية؛ كما هو دليل على أن شباط مشتبه به ببيع بنسعدون لحزب الدولة العميقة، مقابل مكاسب في مدن اخرى، إذ كيف يُخرج شباط ابنه في قضية شبيهة بقضية بنسعدون ولا يخرج الأخير، بل الأغرب أن المُصرح ضد نوفل شباط لا تربطه بالأخير خصومة قضائية بخلاف المصرحين ضد بنسعدون تربطهما به خصومة قضائية، فكيف يكون الأخير سجينا وابن شباط حرا؟ كيف لزعيم يعد المغاربة بغد أفضل وهو يعجز عن تحرير ابنه السياسي من السجن، علما أنه مقتنع أكثر من أي شخص ببراءة بنسعدون؟

وزراء العدالة والتنمية ومزوار ورشيد الطلبي العلمي وشباط.. كلهم يعرفون حقيقة هذه القضية ويعرفون من يقف وراء اعتقال بنسعدون ولكنهم جميعا لن يجرؤوا على الحديث أو التحرك؛ لأنهم إن فعلوا أكلهم التمساح!

وعندما نكتب عن بنسعدون هذا لا يعني أنه الوحيد المظلوم في السجن، فقد يكون مثله كثيرون، يستحقون منا نفس العناية، نكتب عن هذا المواطن فقط لأننا مقتنعون أكثر من غيره ببراءته، بعد أن خصصنا لقضيته تحقيقا معمقا، وقفنا فيه على تفاصيل ملفه، ونحن مستعدون لمساعدة من يريد انقاد وجه الدولة في هذا الموضوع، وإذا ثبت أنه تاجر مخدرات فموقع "بديل" سيعتذر علانية لزواره والدولة وكل أجهزتها، وسيكون أول من ينشر الخبر وقد قلتها لبنسعدون في أكثر من مناسبة حتى عشية اعتقاله، وكان يرد علي بابتسامته المعهودة "لهذا أعزك يا حميد". وبنسعدون، بعد الله، يشهد على ما أقول.

قد يُكتب على بنسعدون أن يقضي ثلاث سنوات في السجن، لاقدر الله، ولكن سجنكم أيها الظالمون أقسى من سجنه وأطول منه مهما كابرتم ونافقتم، سجن بنسعدون سيمر ولكن التاريخ لن يمحو جريمة سجنه ظلما وعدوانا، لن يمحو الجرائم الصحافية التي شكلت غطاء للجريمة السياسية، فكل عيد وبنسعدون حر وشريف وكل عيد وانتم سجناء داخل ضمائركم، إن كانت لكم ضمائر طبعا.