جر حديثي عن معركة حلب في المقال الأخير كثيرا من ردود الأفعال والتعليقات الإيجابي منها والسلبي، كما هو الأصل في كل تصور مبني على قناعات خاصة نسبية تحتمل الصواب والخطأ، بعيدا عن الوثوقية وادعاء الحق المطلق الذي يتعامل به كثير من منتسبي الطائفة المنصورة والفرقة الناجية، وبعد متابعتي لكل هذه التعليقات والاستفادة من كثير منها، حتى ما كان جارحا أو طاعنا أو مغفلا لكثير من الحقائق والخلفيات، كان لا بد لي من التوقف عند سؤال طرحه كثير من هؤلاء المتفاعلين، وتكرر في تعليقاتهم، ومفاده على اختلاف تعبيراتهم هل هي حالة من الصحو بعد طول سكر؟ هل هو نوع من اليقظة بعد طول سبات؟ هل هي لحظات بوح بما خفي قد لا تتكرر ولا تعاد؟.
كان بإمكاني تجاهل كل هذه الأسئلة والإعراض عنها واستكمال مسار التنوير والوقوف على مكامن الخلل حسب ما أراه دون التفات لكل العوارض والتساؤلات المطروحة، لكنني فضلت الإجابة عنها توضيحا وتفسيرا لما سماه البعض بحالة الصحو أو الاستيقاظ، محاولا التجرد من كل تضخمات الأنا والسعي للظهور بصورة البطل الثابت الذي لم يعش يوما حالة الخطأ ولا خيبة الغلط ولا سوء التقدير، معترفا بالواقع كما هو دون تزويق أو تلفيق.
كل الحكاية تتلخص في أن الواحد منا مهما علا شأنه وارتفع نجمه لم يكن يوما مسؤولا عن بيئته التي نشأ فيها، ولا معتقداته التي لقنها وحفظها ( بضم اللام والحاء) كما يحفظ حروف الهجاء وسلسلة الأرقام، فالطفل يتلقى كل العقائد والتصورات وكل الأجوبة عن الأسئلة الوجودية والغيبية من محيطه وبيئته، بدءا بوالديه وأسرته ومدرسته ، وانتهاء بما يتلقاه عبر وسائل الإعلام والتواصل المختلفة، وهو في كل ذلك يسلم بكل ما يتلقى دون مناقشة أو اعتراض ، بل لايمكنه ذلك وهو لا يملك آليات النقد والاعتراض.
وكل ما سبق ليس بعيب ولا منكر، فدور المؤسسات المذكورة هو التربية والتلقين؛ والإجابة على كل ما يرد على بال الطفل الناشيء من أسئلة تؤرق باله وتداعب ذهنه، ولكن العيب كل العيب، هو أن يتملك المرء أدوات النقد، وطرق المعرفة؛ وسبيل الاطلاع؛ ويصر بعد ذلك على التعصب لموروثات لم يكن له دور في اكتسابها ولا حرية في اختيارها، العيب كل العيب، هو أن يصر الواحد منا على عدم مساءلة قناعاته رغم أنه لم يحاول ولو يوما إخضاعها لميزان العلم المجرد دون تعصب أو ميل، يؤسفني أن أزعم أن كثيرا من المتدينين لو طولبوا بالاستدلال العلمي على أبسط ما يعتقدونه لما وجدوا جوابا، وإن كان من جواب فلا يعدو أن يكون جوابا تقليديا لا يسمن ولا يغني زمن الفيسبوك واليوتوب، والأخطر من ذلك كله، أن تجده مستعدا لبذل نفسه ودمه وإزهاق دم غيره فداء لتصورات يعجز عن الاستدلال لها والبرهنة عليها.
حالة الصحو التي يتحدث عنها أولائك المعلقون، ليست وليدة لحظة كما يتصور بعضهم، ولا يقظة محدودة انتشلت من ركام الثمالة والسكر، ولا أفكارا عابثة خلفها الرغبة في المخالفة أو التميز والظهور، ولا ردود أفعال نفسية وظرفية استدعاها بغي بعض المتدينين وظلمهم الذي تنوء بحمله الجبال، ولكنها إفاقة ويقظة أخذت أياما وشهورا وسنوات، ابتدأت يوم امتلك صاحبها أدوات النقد والمساءلة، فقرر دون تردد إعادة إنتاج كل تصوراته التي لم يكن له اختيار في تبنيها ولا الإيمان بها؛ قرر مساءلة كل ما كان يتلقاه عبر كل سنين عمره ليس عليه من رقيب ولا حاكم إلا الدليل العلمي الواضح والحجة المعرفية الصريحة التي تزرع الاطمئنان وترسخ الاقتناع، وليس مجرد تلفيقات وأوهام يحسبها صاحبها أدلة، ما تلبث أن تتهاوى مع أول استخدام منهجية علمية صارمة لا تعترف بالعواطف ولا بالانتماءات.
حالة الصحو هذه أيها السادة، هي تراكم سنوات من الخلوة بين قضبان السجن وثنايا المحنة والألم، هي عصارة قراءات ومطالعات وأفكار تعرضت للمخاض والعجن والخلط والفرز طيلة سنوات عديدة يوما بيوم وساعة بساعة، هي خلاصة التجرد عن كل الانتماءات والعصبيات والتقاطبات، خلاصة الخروج منها والعودة لحقل واحد وانتماء فرد، وهو ميدان الحقيقة ولاشيء غير الحقيقة، مهما كانت مخالفة لرأي الآباء والمشايخ والأساتذة والمربين، هي حالة التحول من الوثوقية وتوهم امتلاك كل الحقيقة والتفرد عن بقية الخلق والتعالي على كل مخالف، إلى حالة من الإنسانية بكل ضعفها وقصورها، ونسبية قناعاتها، وإيمانها بحق كل فرد في هذا الكون، في اقتناع ما يطمئن له قلبه، ويصله عقله.
حالة الصحو ابتدأت ذلك اليوم، ولم تنته ولن تنتهي أبدا، فقطار العقل والبحث لا يتوقف، وما أن ينطلق بعد ركود إلا ظل في دوران دائم وسير غير منقطع حتى يأتي اليقين.

*كاتب وباحث