يعيش الشارع المغربي حالة من الترقب فيما ستؤول إليه تداعيات مقتل بائع السمك "محسن فكري" في مدينة الحسيمة المغربية، وذلك بعد الواقعة الأليمة التي تجلت في طحنه في شاحنة للأزبال أثناء احتجاجه على مصادرة سلعته، وقد تم تشييعه في جنازة رهيبة لم يسبق لها مثيل في مدينة الحسيمة.
لقد بدا واضحا مند الوهلة الأولى كيف أن الدولة المغربية قد تفاجأت بردود الفعل القوية المصاحبة لمقتل بائع السمك بهذه الطريقة التي صدمت الجميع بحيث سيطر الموضوع على حديت نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي بالحجم الذي هيمن تماما على خبر اعتقال المغني الشهير "سعد المجرد" من طرف السلطات الفرنسية لأسباب أخلاقية. وقد سارع الملك "محمد السادس" إلى ايفاد وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال إلى مدينة الحسيمة وكلفه بتقديم واجب العزاء لعائلة الهالك. فيما تحركت الأجهزة الأمنية والاستخبارية في اتجاه العمل على احتواء هذا الاحتقان في أوساط النشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي والمتظاهرين في الساحات، أولا عن طريق تجنب التصادم واعتراض المسيرات بحيث استطاع بعضها الدخول في مبيتات واعتصامات ليلية وهي سابقة من نوعها ان تسمح الأجهزة بهذه الخطوات التصعيدية مند مخيم "اكديم ازيك" حيت لم تسمح بها حتى في أوج مظاهرات 20 فبراير. وفي الاتجاه الأخر عملت هذه الأجهزة حسب مراقبين على تعميم ونشر رسائل موازية في وسائل التواصل الاجتماعي تحدر المغاربة من مغبة الإخراط في الثورة أو في أي خطوات احتجاجية قد تُقود هذا البلد من وضع الاستقرار حسب لغة هذه الرسائل الى وضع يشبه ما هو عليه في سوريا واليمن وليبيا.

حجم الاستجابة الكبيرة لنداء التضامن مع الشهيد محسن فكري يعتبر بمثابة رسالة قوية من الشعب إلى القائمين على شؤونه لعلهم يلتقطونها هذه المرة ويفهمون بأن النظام السياسي "لم يقطع الواد ولم تنشف رجليه بعد" كما يقول المثل الشعبي المغربي.
الدولة المغربية اليوم أو "المخزن" كما يطلق على النظام السياسي في المغرب يتوجب عليه أن يفهم بأن هناك حالة كبيرة من الاحتقان ومن الحقد الاجتماعي أصبحت تسود في المجتمع خاصة في أوساط الشباب بسبب هول الحرمان والبطالة والتهميش الذي يطاله في هذه المرحلة. حالة الاحتقان هاته بلغت في الواقع مستويات تتجاوز بكثير ما هو عليه الأمر قبيل مسيرات 20 فبراير 2011. والدليل على ما نقوله هي أن جل المظاهرات العارمة التي خرجت في أكثر من 30 بقعة تضامنا مع المطحون "محسن فكري" تحولت في ضرف قياسي وجميعها بدون استثناء الى ما يشبه جلسة محاكمات شعبية للنظام السياسي بجميع تجلياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لتنضاف هذه المؤشرات الجديدة القديمة الى حجم المقاطعة السائدة للانتخابات البرلمانية السابقة والتي تكفي لوحدها لكي تجعل الدولة المغربية تستفيق سباتها وتعيد النظر في سياساتها التي أفرزت هذا النوع من الاحتقان وغياب الثقة في مؤسساتها الرسمية.

كل من تابع هذه التظاهرات يوم الأحد 30 أكتوبر سوف لن يعتقد سوى انه وسط إحدى مظاهرات حركة 20 فبراير، ذلك أن شعاراتها ضلت سائدة وضلت ملهمة للجماهير، كما أن الطابع العفوي الذي لا يستطيع أي تنظيم سياسي مغربي ادعاء الوقوف ورائه والذي طغا على هذه المظاهرات وطبيعة الاشخاص المشاركين فيها والذين كان معظمهم من الشباب المتعلم من شباب الجامعات وشباب عاطلين عن العمل وجدوا فرصتهم المواتية للتنفيس والتعبير عن سخطهم للواقع الذي يعيشونه، كل ذلك كان كافيا للتأكيد على أن مطالب العشرين من فبراير لم تمت بعد.

المغرب اليوم يمر في حالة غير طبيعية رغم كل المظاهر المعاكسة لذلك والتي قد يعتقدها من لا يعرف خبايا هذا البلد وكل مؤشرات انتفاضة جديدة غير محسومة التداعيات هي قائمة. وعليه فيلزم الدولة اليوم التسريع في معالجة قضايا آنية بوجه السرعة وفي مقدمتها الغلاء والبطالة والهشاشة، وإعادة تعريف صياغة علاقة المواطن بالأجهزة الأمنية بما يفيد تصحيح صورة العدائية السائدة بين المواطن وهذه الأجهزة.