أن يُقبل ملك علوي رأس مواطن مغربي وهو على فراش المرض، هي سابقة تستحق التقدير والإحترام بل وتستحق أن تختار لقطة السنة.
والظاهر أن اليوسفي يحظى بمكانة خاصة لدى الملك، فقد مرض المهدي المنجرة وتوفي ولم يحظ بهذه القبلة على الرأس ولا زيارة له، وقد مرض محمد الفقيه البصري ولم يزره الملك ولا حظي بهذه القبلة على الرأس، كما مرض عبد الله ابراهيم، ولم يحظ بزيارة الملك ولا بقبلته على رأسه، وقد مرض محمد عابد الجابري، ولا حظي هو أيضا بزيارة الملك ولا قبل رأسه، فهل يقل هؤلاء علما ووطنية وفاء للعرش عن اليوسفي، الذي حظي أيضا بشرف إطلاق اسمه على شارع بطنجة، بعد أن حظي بشرف الجلوس إلى جانب الملك على طاولة عشاء رفقة الرئيس الفرنسي فرونسوا هولاند، في غياب رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران، وكذا شرف قراءة الرسالة الملكية خلال الذكرى الخمسين لاختطاف واغتيال الشهيد المهدي بنبركة.

وللتذكير فإن المهدي المنجرة وطني وملكي و اقتصادي وعالم اجتماع، يعتبر أحد أكبر المراجع العربية والدولية في القضايا السياسية والعلاقات الدولية والدراسات المستقبلية. كما أنه عمل مستشارا أولا في الوفد الدائم للمغرب بهيئة الأمم المتحدة بين عامي 1958 و1959، وأستاذا محاضرا وباحثا بمركز الدراسات التابع لجامعة لندن (1970). واختير للتدريس في عدة جامعات دولية (فرنسا وإنكلترا وهولندا وإيطاليا واليابان)، وشغل باليونسكو مناصب قيادية عديدة (1961-1979). كما أن الراحل كان يحمل صفة خبير خاص للأمم المتحدة للسنة الدولية للمعاقين (1980-1981)، ومستشار مدير مكتب العلاقات بين الحكومات للمعلومات بروما (1981-1985)، ومستشار الأمين العام للأمم المتحدة لمحاربة استهلاك المخدرات. إلى جانب ما عرف عن المنجرة من دفاع مستميث عن قضايا الشعوب المقهورة وحرياتها، ومناهضته للصهيونية ورفضه للتطبيع".
أما عبد الله ابراهيم فيعتبر ذاكرة الفكر السياسي المغربي، وأحد المساهمين في إبداع أناشيد الحرية التي رددها المقاومون والمواطنون المغاربة في حربهم ضد الاستعمار الفرنسي، وهو من دعا إلى الاستجابة لمطالب انتفاضة الريف سنة 1959، كما دعا إلى تحرير الاقتصاد الوطني من الاستعمار الفرنسي وإخلاء إدارة الأمن من الموظفين الفرنسيين.

محمد الفقيه البصري كان أقرب المقاومين إلى قلب الملك محمد الخامس؛ بدليل أنه كان الشخصية الثانية والوحيدة، الذي يلقي خطابه بعد خطاب السلطان في كل مناسبة لتخليد ذكرى ثورة الملك والشعب، وكذا بدليل أن محمد الخامس أعطى للفقيه البصري ثقته الكاملة من أجل تشكيل حكومة عبد الله إبراهيم، التي ستسقط سريعا بعد عام ونصف من العمل.

محمد عابد الجابري وطني وملكي حتى النخاع، و له 30 مؤلفاً في قضايا الفكر المعاصر، أبرزها "نقد العقل العربي" الذي تمت ترجمته إلى عدة لغات أوروبية وشرقية. كرمته اليونسكو لكونه “أحد أكبر المتخصصين في ابن رشد، إضافة إلى تميّزه بطريقة خاصة في الحوار".

قبلة الملك على رأس اليوسفي وزيارته له داخل المصحة، التفاتة ملكية نبيلة تستحق التنويه والانحناء لها، بصرف النظر عن المؤاخذات الموجهة لليوسفي، والتي لا يسمح الظرف الانساني لذكرها، وكذا بصرف النظر عن طبيعة هذه القبلة وأهدافها إن كان لها أهداف.

نتمنى الشفاء العاجل للسي اليوسفي، كما نتمنى  أن يتبع هذه الالتفاتة تكريم الملك لوطنيين شرفاء أمثال المهدي المنجرة ومحمد عابد الجابري وعبد الله ابراهيم..ولو بإطلاق أسمائهم على شوارع مغربية أو الالتفات لوضعيات زوجاتهم وأبنائهم، مع متنياتنا بدعم الملك لفكر اليوسفي والسهر على تنفيذ أحلامه التي راودته ذات يوم رفقة المهدي بنبركة وعبد الرحيم بوعبيد وعبد الله ابراهيم....فهل يفجر الملك مصالحة حقيقية مع التاريخ؟