أكد الإتفاق بين إيران والدول الست الكبرى حول البرنامج النووي الإيراني معطى إستراتيجيا في منطقة الشرق الأوسط ،مؤداه:أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية أصبحت لا عبا أساسيا لا يستغنى عنه في منطقة الشرق الأوسط ،وهذا المعطى كان موجودا قبل الإتفاق النووي ،لكنه كان مقيدا بالعقوبات الإقتصادية التي فرضها المنتظم الدولي على طهران لفرملة طموحاتها العسكرية والجيوستراتيجية في المنطقة ،كما كان مهددا بالتهديدات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ،لكن حصول الإتفاق بين طهران والغرب عموما ،سيضفى على هذا المعطى شرعية وإعترافا دوليين ،ينقلانها من دولة متمردة عن الشرعية الدولية إلى دولة "متعاونة" و"منخرطة" و"متفاهمة"، لكن أيضا دولة قوية وطموحة وفاعلة ،وهذا الوضع الجديد سيزيد طهران –بلا شك – ثقة في نفسها ،وفي قدراتها ودورها الإقليمي في المنطقة ،مثلما سيوفر لها فرصا إستثنائية لتطوير إقتصادها وزيادة تنافسيته،حيث يرتقب أن يفرج المنتظم الدولي جراء الإتفاق النووي عن أرصدة وأصول إيرانية تقدر بالمليارات كانت محجورا عليها في الأبناك الغربية ،ضمن سلة العقوبات التي سنها مجلس الأمن ضد طهران جراء إصرارها على تطوير برنامجها النووي بمنأى عن قواعد الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وبلا شك ، ستشكل هذه المليارات - وتقدربحوالي 150مليار دولار- دفعة قوية للإقتصاد الإيراني،هو أحوج ما يكون إليها في هذه الظرفية الموسومة بتراجع عائدات البترول ،بسبب إنخفاض أسعاره في الأسواق الدولية ، وكذا بسبب أثار العقوبات الإقتصادية على الإقتصاد الإيراني ،كما سيفتح الإتفاق النووي أبواب العواصم الغربية ،وفي مقدمتها الولايات الأمريكية ،أمام الجمهورية الإسلامية الإيرانية،لتدشين عهد جديد من العلاقات الدبلوماسية والإقتصادية ،مبنية على مراعاة المصالح وتبادل المنافع وحفظ الأدوار والأطماع ،لاسيما في منطقة الشرق الأوسط ،التي تشكل ملتقى لمصالح دولية متضاربة ،تسعى إيران دائما- بحكم تجذرها في المنطقة و موقعها الجيوستراتيجي وثقلها الديمغرافي، وأطماعها في تصدير نموذجها المذهبي والأيديولوجي إلى دول المنطقة ،خاصة في ظل وجود إمتداد شيعي في معظم هذه الدول- تسعى- إلى لعب دور محوري وفرض نوع من "الوصاية" على مجريات الأحداث في المنطقة.وهذا الدور سيتعزز- بالتاكيد- بعد الإتفاق النووي ،خاصة بعد أن تزول التهديدات العسكرية والعقوبات الإقتصادية الغربية على إيران ويحل مكانها التفاهم والتفاوض ،ويمكن أن يتحقق هذا الدور الإيراني في المنطقة هذه المرة في سياق "صفقة أمريكية إيرانية لم تتضح معالمها بعد"،يشجع على ذلك تحول موازين القوى في المنطقة لصالح التوجه الإيراني ،من خلال هيمنة العنصر الشيعي الطائفي على مقاليد السلطة في العراق ،وإنبثاق المكون الطائفي في المعادلة اليمنية ،والحراك البحريني ذي الخلفية الشيعية ،ودخول المكون الشيعي على خط الأزمة السورية ،ناهيك عن الحضور الشيعي في لبنان ممثلا في حزب الله ؛فعلى طول وعرض هذه "الجغرافيا السياسية" تتموقع إيران بشكل أو بأخر ،وتسعى جاهدة إلى ترسيخ تموقعها هذا ،وإضفاء نوع من "الشرعية" عليه،واجدة في العنصر الشيعي المنتشر في عموم دول وشعوب الشرق الأوسط سندا لها ودعما لمشروعها التوسعي ،في إطار تحقيق ما صار يصطلح عليه في أدبيات الصراع العربي الإيراني ب: "الهلال الشيعي " ،الذي يبدو أنه ماض نحو الإستدارة ليتحول إلى دائرة ستطبق على دول المنطقة كالكابوس،وخاصة بعد تحرر الجمهورية الإيرانية من دائرة العقوبات والتهديدات العسكرية التي عانت منها زهاء إثنتي عشرة سنة ،بسبب طموحاتها النووية ،وخرجت منها قوية أكثر من أي وقت مضى ،وأول من يقر لها بهذا الوضع هي الولايات المتحدة الأمريكية ،حين قبلت على مضض أن تتفاوض معها على برنامجها النووي بدل الإنجرار وراء مواجهتها عسكريا ،مقابل الإعتراف العلني والضمني بالدور الإيراني في المنطقة ،كقوة إقليمية لا غنى عنها في صياغة حاضر ومستقبل منطقة الشرق الأوسط، ،بل وربما إعتمادها كشريك في بناء التوافقات المستقبلية حول مجموعة من القضايا الإقليمية والدولية ،كمكافحة الإرهاب ،وتحقيق السلام بين الإسرائلييين والفلسطنيين،وتوحيد الجهود في إخماد الحروب المشتعلة في دول المنطقة ،وهذا كله مرهون بمدى الليونة في المواقف الإيرانية إزاء عدد من القضايا الإقليمية والدولية ،مثلما هو مرهون كذلك بمدى إستعداد الولايات المتحدة الأمريكية للتخلي عن إنحيازها إلى دول الخليج العربي وإبداء نوع من التوازن في علاقاتها بدول المنطقة ،والكل مرهون بمدى حيوية المصالح والأهداف التي يمكن أن تنشأ بين الطرفين ،وتجعل كل واحد منهما يغير وجهته بناء على تقدير هذه المصالح ؛فهذه الأخيرة – أي المصالح-هي ما يحدد مواقف الدول وسياساتها ، وكما يقال في السياسة : "ليس ثمة صداقات دائمة ولا عدوات دائمة بل مصالح دائمة" ؛فعدو الامس يمكن أن يصبح صديق اليوم والعكس أيضا ،وضمن هذا المنطق، ،فإن لا شيء يمنع أن تتحول أمريكا وإيران إلى صديقين ،تجمعهما مصالح مشتركة بعد أن كانا عدوين تفرقهما مصالح متفرقة ،وهذا ما بدأت تؤشر إليه تطورات المواقف على خلفية الإتفاق النووي ،سواء من الجانب الغربي-الامريكي تحديدا،أو من الجانب الإيراني،الذي بدا متفائلا بالإتفاق النووي، رغم التحفظات التي يبديها الجناح المحافظ داخل النظام الإيراني ، وتوازيها في الجانب الأمريكي مواقف الحذر والتشكيك التي يبديها الجمهوريون إزاء الإتفاق، وهذا طبيعي ؛لأن الإتفاق النووي كما صرح بذلك الرئيس الأمريكي نفسه: "لم يبنى على أساس الثقة، وإنما على أساس الإنجاز"، لكن هذا لم يمنع الرئيس الأمريكي من إعتبار الإتفاق النووي مع إيران "حدثا تاريخيا"، وهو ما رد عليه الرئيس الإيراني ،حسن روحاني، بقوله:" يمكن أن نزيل إنعدام الثقة بشكل تدريجي مستحضرا رواسب إنعدام الثقة في العلاقات بين الغرب وإيران ، معتبرا الإتفاق على لسان وزير خارجيته محمد جواد ظريف بانه :" صفقة جيدة"،وهذه رسائل سياسية متبادلة متوجهة إلى المستقبل ،ستنجلي مضامينها في المقبل من الشهور على شكل توافقات وتفاهمات بين الدولتين حول مجموعة من القضايا الإقليمية والدولية ،قد تغير خارطة التحالفات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط ،خاصة إذا راجعت طهران موقفها "الراديكالي" من إسرائيل ،ودخلت في إطار التوافقات الأممية بشأن النزاع الإسرائيلي العربي ،وكفت عن حملات الإستعداء ضد الدولة العبرية ،وبالطبع،فإن لكل شيء ثمنه ،ولاشيء مجاني، والثمن ستقبضه إيران مضاعفا ؛بإطلاق يدها في المنطقة والإعتراف بها كقوة إقليمية.. ومن هنا نفهم –مثلا- إنزعاج المملكة العربية السعودية من التقارب الأمريكي –الإيراني ،ومن حقها أن تنزعج بل وأن تقلق أيضا،لأنها تخشى أن يتخلى عنها الحليف الامريكي ويتركها وحيدة في مواجهة الخطر الشيعي، خاصة بعد إنفراط الحلف العربي المفترض أن يقف ضد الأطماع الإيرانية في المنطقة ،بل و تحول بعض دوله إلى موالاة إيران ( العراق، سوريا..) ،ووجود إمتداد شيعي في دول عربية أخرى( اليمن ،لبنان، البحرين، الكويت..إلخ) ،بينما بقية الدول العربية ،إما أنها مستغرقة في صراع داخلي على السلطة (مصر، ليبيا..) ، أو أنها لا تملك مقومات الإنخراط في صراع متشعب يتطلب قدرات عسكرية وإستراتيجية وإقتصادية كبيرة لا تتوفر لها، وبالتالي تفضل أن تنأى بنفسها وتحافظ على مسافة من جميع الأطراف.
وقد تعتبر إيران هذه الفوضى غير الخلاقة التى تضرب ديار العرب مناسبة مواتية لإستدعاء أجندتها التاريخية، وإيقاظ أطماعها الإمبراطورية في المنطقة العربية؛ من خلال خلق كيانات سياسية موالية وفرض وصايتها على دول المنطقة والإنتصاب كمخاطب إقليمي، في وجه الفاعلين الدوليين في المنطقة، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية، ولذلك- ربما- سارعت إيران إلى حسم خلافها مع الغرب حول برنامجها النووي، وتدشين عهد جديد من العلاقات مع دوله، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، بما يساعد طهران على تقليص جبهات الصراع والتركيز على تطبيق أجندتها في المنطقة، بعيدا عن تهديدات الغرب، وربما بتفاهم معه هذه المرة، أو على الأقل بدون ضغط العقوبات الإقتصادية والعسكرية، التي كانت تشل جزءا غير يسير من قدرات إيران وإمكاناتها، بيد أن كل شيء يبدأ بالإتفاق النووي الذي سيطلق "المارد" الإيراني من قمقم العقوبات والتهديدات العسكرية الغربية، وكذا ما ستسفر عنه المفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، وخاصة لجهة تحديد المواقف من القضايا الإستراتيجية في منطقة الشرق الاوسط، وعلى رأسها الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ومكافحة الإرهاب، وما دون ذلك سيكون محل تفاهم وتفاوض بما فيه - طبعا- أجندة إيران في بسط نفوذها المذهبي والسياسي على المنطقة العربية، وخاصة في دول الخليج العربي والعراق، واليمن، ولبنان، وسوريا، التي يشكل الإمتداد الشيعي فيها جزءا من المعادلة السياسية لهذه الدول، وهوما سيتعزز بعد الإتفاق النووي الإيراني الغربي، وقد يأخذ أبعاد أوسع تضع النظام الرسمى العربي برمته في مرمى الإستهداف الإيراني.
وتفاديا لهذا المآل المأسوي في علاقة إيران بالدول العربية، نصح الرئيس الأمريكي، بارك أوباما القادة العرب، قبل شهور من الوصول إلى الإتفاق النووي مع إيران إلى التفاهم مع إيران والإشتباك معها في علاقات دبلوماسية وإقتصادية وإستراتيجية تحفظ مصالح جميع الأطراف، وتمنع الإنزلاق إلى مواجهات مباشرة وغير مباشرة في منطقة تتوفر فيها إيران على إمتداد مذهبي موال، في معظم دولها، بيد أن هذا لا يمكن أن يتم بدون الإقرار بالمعطى الأساس الذي كرسه الإتفاق النووي ألا وهو، الإعتراف بإيران كقوة إقليمية لا محيد عنها في المنطقة. وهو ما تتجاهله الدول العربية حتى الآن، وإنفراد التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية بالأزمة اليمنية التي يحظر فيها البعد المذهبي الشيعي دليل على هذا التجاهل المستمر للدور الإيراني في المنطقة، وذلك تجنبا لما يمكن أن ينجر عن الإعتراف بالحضور الإيراني في المنطقة من تداعيات على حاضر ومستقبل الصراعات الدائرة في دول المنطقة. بيد أن ذلك سيصبح بعد الإتفاق النووي وما سيليه من "توافقات" و "تفاهمات" و"صفقات" بين إيران والغرب عموما، وفي مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية أمرا لا مناص منه، وهذا مرهون طبعا بالشروط المذكورة في تضاعيف هذا التحليل، أي بالمواقف الإيرانية من القضايا الإستراتيجية الكبرى في المنطقة، وخاصة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ومكافحة الإرهاب، وسواء كرهنا أم أحببنا، فإن الإتفاق النووي سيطلق " المارد الإيراني" من قمقم العقوبات الإقتصادية والعسكرية إلى أفاق أرحب تمتد إلى أبعد نقطة يمكن أن يصل إليها النفوذ الإيراني، ولذلك ربما قد تجد الدول العربية، وخاصة الخليجية منها نفسها مضطرة في تعاطيها مع الوضع الجديد الناجم عن الإتفاق النووي إلى تمثلها قول شاعرها العربي القديم - المتنبي- الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، حيث يقول:" ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى //عدوا له ما من صداقته بد!. فهل من سبيل أمام العرب إلى صداقة إيران؟!