شهد المسرح الوزاري المغربي قي الآونة الأخيرة، قصة أبواق كانت تصدح تحية للأخلاق و الإرشاد و الوعظ، و انتهت و هي تنزل على سلالمها كمثل الأطفال.

و بما أن الصحافة أصبحت لاعبا أساسيا في عملية الحكم خاصة في السنوات الأخيرة، و نظرا لكونها تحولت في العديد من القضايا السياسية الداخلية و الخارجية إلى لعبة السلطة الجديدة التي يصفها البعض ب"الوسطية" و البعض الآخر ب "ديمقراطية الاتصالات"، فإن مربع حكومتنا لم ينجح في استعمال الجيل الجديد من التكنولوجيا و أطباق الاستقبال العالية و الأرضية لحجب آثارها و كل ما هو خاص أو خصوصي في حكومته، و تحديد ما يجب تصنيفه كأمر "خصوصي" يجب أن يكون هناك "كشف عام" لما يدور حوله من حقائق، و ما يجب أن نعتبره أمور "خاصة" و ليست عامة.

كما أن شدة "السرية" المتعود عليها في تنظيم رئيس الحكومة، لم تصمد أمام حساسيات حياة و سلوكات بعض الوزراء مثل ما حصل ل "الثنائي الوزاري الحبيب و سمية". فحتى أدق الأسرار عن حياة هذا الثنائي أصبح موضوع الخاص و العام في جميع أرجاء الوطن و خارجه، بل و حتى داخل ساحات المدارس و الثانويات و الجامعات، و في الأسواق و قرى المغرب العميق.

هذا النموذج طبعا هو مبسط بشكل كبير، و لم نكن ربما في حاجة للكتابة عنه أو لاستعماله كمادة إعلامية أو سياسية لولا أن الثنائي (الحبيب و سمية) وزراء في حكومة جاءت في إطار خصوصية دولية و قطرية و وطنية محددة أولا، و لو لا هذه الحكومة تنسب لها الدين و الأخلاق و التخليق كمرجعية لها ثانيا، و لولا أن الحزب الحاكم وعد المغاربة بتطبيق برنامجه الانتخابي إذا ما طار على بساط الريح إلى سدة الحكم، ثم لكون واقعة "الحبيب و سمية" كانت وراء تعديل حكومي رسمي سيسجل في سجل تاريخ المغرب، و سيدرسه طلبة كلية القانون في المدرجات، و سيكون موضوع بحوث طلبة السوسيولوجيا السياسية و الانثربولوجيا و غيرها من فروع العلوم الاجتماعية.

و رغم الإحراج الديني و السياسي للسيد رئيس الحكومة، و رغم الآثار الجسيمة و المخلفات المادية و النفسية على الثنائي الحبيب و سمية، لم يتقدم أي أحد من المغاربة أمام المحكمة للدفاع عن الحق في " الحب و العلاقات الجنسية" و اعتبار كل المعلومات المتعلقة بالموضوع شيئا خصوصيا، لا يهمنا في شيء.

لكن العكس هو الذي حصل. فلماذا صمت الجميع؟ و لماذا ترك للصحافة أن تحكم بنفسها على ما هو جدير بالنشر حول الموضوع؟

إن سوق الإعلام ليس من المحتمل أن يحافظ على سرية الأشخاص الخصوصيين، لأن وسائل الإعلام المتعددة تحاول بكل الطرق جذب انتباه الرأي العام. و الدليل هو أن رغم ما وصلت إليه "الظاهرة الصوتية"، التي يمتلكها رئيس الحكومة من درجة و قمة، لم تنفعه في شيء أمام إجماع المغاربة على أن ما حصل فيه جانب كبير من "شغل الدراري" و جانب آخر من غياب روح المسؤولية الوطنية واحترام المؤسسات!

إن التحليل هنا يترك الانطباع على أن ما حصل هو طبعا بسبب الصحافة ( و هو ما أكده رئيس الحكومة بنفسه)، و انتهاكا لخصوصية الشخصيات الخاصة. لكننا هنا لا نزاحم رجال القانون و تفسيراتهم القانونية، و تحديد الفصول المتعلقة بما هو جدير بالنشر. لأن ما يهم عموم المغاربة هو كيف لوزيرة و وزير "شاط" لهم الوقت للنضال من أجل التغلب على الفقر العاطفي و إشباع عطش الحنان و الاستمتاع باللذة و البحث عن برهان العسل تحت قبة البرلمان و في اجتماعات المجلس الحكومي و على هامش اللقاءات الوزارية الرسمية منها و الخاصة !؟

الأمر هنا لا يتعلق بتاتا بفصل أعضاء وزراء من الكل، و جعلهم أهدافا للهجوم، و المس بكرامتهم، و تجريدهم من إنسانيتهم، و تأنيب الآخرين ضدهم، بل يتعلق الأمر بموضوع الحرية و العدالة و المساواة؛ هذا الموضوع المحترم جدا منذ القرن التاسع عشر، حظي باهتمام كبير من لدن فلاسفة السياسية الذين آمنوا بثقافة الأمم الأقوى (فلسفة ستيوارت ميل).

كما أن إثارة موضوع "الحب و برهان العسل في حكومة بن كيران" لا نهدف من و رائه سوى أن يكون ظلام هذه الفترة السياسية من عمرنا مضيئا، كما لا نريد منه سوى رفع الجور عن المغاربة المغرر بهم من طرف الحزب الحاكم، و عن النساء ضحايا غياب المناصفة الحقيقية و الابتزاز المادي و القانوني و الأخلاقي، و عن الشباب ضحايا العقاب من جراء المطالبة بالحق في القبل، و عن الطلبة ضحايا تهم العلاقة العاطفية خارج القانون، إلخ.

و مع ذلك، لا ينبغي حشر كل هذه الحالات في مستوى و احد، لأن قصة الثنائي الحبيب و سمية قصتهما قصة مثيرة و سابقة في تاريخ المؤسسات الوزارية المغربية! خاصة و أن الحزب الحاكم الذي ينتمي إليه الثنائي غيب لفترة طويلة رأي المعارضة و المجتمع المدني و ملايين من المغاربة ( الذين لم يصوتوا على أحد)، و أعطى لنفسه حق الإدعاء بالسلطة الدينية و الأخلاقية لإخفاء حقيقة مصالح المغاربة و المجتمع و الانفراد بالسلطة عكس رأي الإسلام في جوهره و حقيقته، حيث يقر بمدنية السلطة و يؤكد على شرعيتها من خلال الشورى بين أفراد الأمة و الاختيار و الإرشاد إلى ما هو أصلح و وضع السلطة عند كل أفراد الأمة حيث لا تجتمع أمة على ضلال.

كان إذا على الثنائي كوزراء و كنخب اسلاموية أن يمارسا ذكاءهما في الكد و الاجتهاد حتى نفهم معا الآثار البليغة التي خلفتها مجتمعاتنا العربية الإسلامية التي تجاوزتها الثورات الثقافية و العلمية و السياسية العالمية، و حتى نفهم جميعا أسباب التخلف و أسباب استمرارية التشبث بالعودة إلى الشريعة الإسلامية و استبدال القوانين الوضعية بقوانين دينية.

إن المسؤولية التي كان يتقلدها الحبيب الشوباني كوزير مكلف بالعلاقة مع البرلمان و المجتمع المدني، لم تكن مسؤولية رخيصة إلى هذا الحد. و لم تكن وزارته مثل باقي الوزارات، خاصة و أن العلاقة مع المجتمع المدني كانت تتطلب تفرغا بالليل و النهار بدل اختزال هذه العلاقة في حوار تشاوري ووضع مصيره في يد كمشة من ذوي... ( الله أعلم !).

نعم، من حق السيد الوزير السابق أن يطلب العلم من المهد إلى اللحد، و يطلبه و لو في الصين. لكن، هل من حقه اجتياز مباراة ولوج سلك الماستر و التنافس على النفيس العلمي مع الطلبة الذين ليس لهم سوى أمل النجاح للبقاء داخل أسوار الحرم الجامعي هروبا من البرد القارس و من حرارة الصيف و آلام البطالة "حتى يفرج الله"؟ ربما كان على الشوباني أن ينتظر نهاية فترة و لايته بعد سنة ليتفرغ للعلم و الدراسة، لكي لا يسجل عليه استغلال النفوذ و الدخول في معركة التباري الغير المتكافئ.

إن قفزة الحبيب الشوباني النوعية من سلك التعليم الإعدادي و الثانوي إلى سدة الوزارة، كانت تكليفا و ليست تشريفا. و كان على السيد الشوباني أن يلعب دور المصلح مع المجتمع المدني في حكومة جاءت في ظرف استثنائي كما يشهد بذلك العالم، بدل البحث عن "الترقية العلمية" و "برهان العسل"!

نعم، و كما قلت سابقا، من حق الثنائي الحبيب و سمية أن يتمتعا بحبهما و يتذوقا برهان عسلهما ليل نهار على الأقل بعد انتهاء فترة "جنديتهما" في البرلمان و الوزارة. كان عليهما الصبر قليلا ( و الصبر مفتاح الفرج!) للتفرغ إلى حقوقهما الطبيعية و حياتهما العاطفية، خاصة و أن السيدة سمية بنخلدون كانت لها هي الأّخرى مسؤولية و زارية في قطاع مهم جدا و يعتبر من القطاعات الأكثر تدهورا حسب التصنيف العالمي، حيث كان يتطلب منها تفرغا كاملا و جهدا استثنائيا و ذكاءا خارقا و قوة نووية لمتابعة قضايا التعليم العالي و البحث العلمي بدل الاهتمام بأحوالها الشخصية التي لا تخصها إلا هي. لأن المغاربة لا يهمهم مغامراتها الغرامية و لا أنواع التقية كسلاح لسلطة ظالمة.

و إلى جانب كل هذا، كان على هذه النخبة العالمة للحزب الحاكم، أن تبذل جهدا مضاعفا لتقربنا من فهم مشروع "العدالة و التنمية" فيما يتعلق بالدعوة و دور التنظيمات الدينية المتعددة و صراعاتها حول النمط النبوي الخليفي و ما كرسه عبر التاريخ من ممارسات قيادية مبنية على العصبية و الفردية في أول الأمر، و على انتظار الرجل العظيم فيما بعد، و على دعوة التوحيد و الايخاء بين المسلمين ثالثا، و غياب الضوابط المؤسسية رابعا؛ بدل السقوط في المراهقة العاطفية و السياسية المتأخرة.

و اليوم، يبدو أن نخب الحزب الحاكم لا زالت لم تستوعب دورها الحقيقي في السلطة، و لا زالت لا تفرق بين النضال من أجل محاربة الفقر العاطفي و البحث عن الحنان حبا في برهان العسل، و النضال من أجل محاربة الهشاشة و الفقر و الأمية و الفساد و المفسدين.

إن النضال من أجل محاربة الفقر العاطفي ليس عيبا إذا كان ذلك من حتميات الانتقال إلى مجتمع الحريات الفردية و إرساء قوانين التعويض عن الفقر العاطفي و ضمان الحب و الحنان لجميع المغاربة حتى يتمتعوا جميعا بحلاوة العسل. و ربما هذا جزء من المجتمع المنشود الذي ناضلت من أجله فئات و اسعة من الشعب المغربي. المهم هو أن يعقد السيد رئيس الحكومة ندوة وطنية و يصرح بكل هذه المكتسبات للمغاربة، لكي نعممها على الجميع و ندرسها للأجيال المقبلة في المدارس و الجامعات و المعاهد العليا للحفاظ عليها و صيانتها من أي مكروه!

أما إذا كانت العناصر الأربعة التي لا زالت هي التي تحرك دواليب الصراع بين التنظيمات الدينية، بحثا عن موطئ قدم في مجتمعنا بعدما فشلت في تكريس استمراريتها في العلاقات القيادية العربية المتسمة بالعلاقات القيادية المبنية على الصراعات اللامؤسساتية و المتميزة بالفردية و الذاتية و انتظار الرجل العظيم كما حدث في مصر جمال عبد الناصر و تونس بورقيبة، أو حضور القائد الخليفي في تجربة حزب البعث العربي الاشتراكي، و غياب الرجل العظيم بالنسبة لحركة الإخوان المسلمين، أو الزعيم الفردي في تجربة الحزب السوري القومي الاجتماعي؛ فهذا يجعلنا نشكك في كل شيء و نرفع من وثيرة اجتهادنا لفهم ما يحاك ضد مجتمعنا من مؤامرة.

المغاربة لا ينتظرون اليوم من سيقدم لهم في السنوات القليلة القادمة " نقد ذاتي جديد"، و من سيكون له السبق في ذلك...لأن كل كتب النقد الذاتي محصنة في رفوف المكتبة الوطنية بالرباط و هي في حاجة لمن يقرأها و يعيد قراءتها.

فإذا كانت مسألة السلطة و علاقتها بالدين مسألة قديمة قدم التاريخ (أي منذ ظهور السلطة كآلية لتسيير شؤون الأسرة و القبيلة و المدينة و الدولة، و الدولة الإمبراطورية و الدولة الحديثة)، فإن تنوع الآراء و المصالح لدى الأفراد و الجماعات هو الذي بات يشكل المجتمعات الحديثة. و يعتبر العمل الحزبي أداة ضرورية للنهوض بالحقل السياسي من خلال تنظيم أفراد متشابهين تقريبا في أوضاعهم الإجتماعية- الإقتصادية، و انتماءاتهم الدينية، و موقفهم من العالم و رؤيتهم له. و لأن جميع المجتمعات غير متجانسة، بدرجات مختلفة، فإن الأحزاب تضعهم (الأفراد) في مواجهة الذين يتميزون عنهم بالنظر للمعايير نفسها. و لهذا على كل الأحزاب التي تقدم مرشحيها ل "تاوزارت" أن تطلب منهم الإدلاء بشهادة " الغناء العاطفي" لكي لا يكونوا مرضى ب "الفقر العاطفي"، هذا المرض الذي يعاني منه الملايين من الناس نتيجة انتشار العديد من الأوبئة الاجتماعية و النفسية المرتبطة بالتربية الجنسية و بالتحرر من الطابوهات و بالكبت و القمع الجنسي، وبالعزلة الجنسية و القوانين الردعية و السلطة البطريكية و التسلط الذكوري، و بالزواج التقليدي و الحشمة و العار و برامج التشييء النسوي و النفاق الاجتماعي، إلخ.

أخيرا، ليس الهدف من هذا المقال البحث عن لجوء نظري أو التربص بأحد، أو ممارسة العنف اللغوي ضد أي كان، بل هو فقط محاولة لبسط رأينا و مواقفنا من ظهور و تطور بعض الظواهر الاجتماعية بغية المساهمة في إلقاء الأضواء عليها نظرا لكونها حظيت بالنصيب الأوفر من اهتمام الرأي العام المغربي و الدولي.

المنتظم الدولي اليوم يرافع بكل قوة عن الأقليات في العالم و يطالب بحقوقهم و على رأسها التعددية الثقافية و الحرية الفردية و ما يتفرع عنهما، و هي حقوق باتت مؤثرة في مفهوم العدالة و الحرية و المساواة.. كما انتهت العديد من المجتمعات إلى تجاوز الأنماط العتيقة التي لم تعد تتناسب مع ظروفها التاريخية و البشرية. و لهذا نقول على أننا مع النضال من أجل الحريات الفردية، كنضال مستمر في إطار الشرعية و المشروعية، و سنبقى ندافع عنها باستمرار إلى حين تحقيقها.

في المغرب، نتذكر جميعا سنة 1999، حينما غامرت كتابة الدولة المكلفة بالرعاية الاجتماعية و الأسرة و الطفولة ب"مشروع خطة العمل الوطنية لإدماج المرأة و التنمية" من أجل جعل موضوع المرأة مدخلا مهما إلى التنمية الاقتصادية و الاجتماعية باعتبارها مكونا أساسيا لها و شرطا ضروريا لتحقيقها و أكدت على تحسين أحوالها و تطوير قدراتها و كفاءتها لتمكنها من الإسهام بفعالية في التنمية.

ورغم المنطلقات التي اعتمدتها الخطة الوطنية من مرجعية دينية و وطنية دولية، فإن تعزيز مكانة المرأة القانونية و السياسية لم يتم طرحه تحت إشراف العلامة الشيخ النفزاوي صاحب "الروض العاطر في نزهة الخاطر"، و لم يكن فيها أي استفزاز للمرأة المغربية بشكل خاص و للمجتمع المغربي بشكل عام، و لم تنص الخطة في أي ركن من أركانها على من يصطحب معه العريس للتقدم لخطبة عروسته. بل ربطت و ضعيتها بقضية حقوق الإنسان بعدما كانت أكثر ارتباطا بالقضايا الاجتماعية. و لهذا كان من الضروري أن يساهم الثنائي الحبيب و سمية في مسيرة الضغط على الهيئات التشريعية و القضائية و الإدارية و العمل على ترجمة الإجراءات القانونية التي تهدف إلى القضاء على كل أشكال التمييز ضد النساء و رفع العراقيل الكبرى التي تعترض طريق التنمية النسائية بدل التشجيع على دونية المرأة و على خنقها و سجنها في العبودية و الأمية و في الأدوار التقليدية، و جعلها قضية فقهية تتعلق بالأحوال الشخصية ضدا على البديل المرحلي الذي تجسده "مدونة الأسرة".