ساذج من يعتقد أن رئيس الحكومة،الأستاذ عبد الإله بنكيران، قد تعرض للإستغفال من طرف وزيرا المالية والفلاحة في حكومته ،بخصوص المادة 30 من مشروع قانون المالية للعام 2016 ،التي يصبح بمقتضاها وزير الفلاحة والصيد البحري، السيد عزيز أخنوش "مالكا" لصفة الآمر بالصرف على صندوق التنمية القروية، عوضا عن رئيس الحكومة "المالك " الأصلي لهذه الصفة، التي يمكن- دستورا وقانونا- أن يفوضها- طواعية- إلى من يشاء من وزرائه حسب مقتضيات الفصل 90 من الدستور. 

ذلك أن أهمية هذا الصندوق ،بالنظر إلى الأدوار المنوطة به، والميزانية المخصصة له (55ملياردرهم على مدار6سنوات)،والأهداف المبتغاة منه ( إنجاز برنامج متكامل للنهوض بالعالم القروي)، لم تكن لتجعل رئيس الحكومة يغفل عنه طرفة عين! ،بالأحرى أن يتنازل طواعية- عن تدبير ملياراته ،التي قد تشرع له أبواب القرى والبوادي، التي ما تزال مستعصية على مرشحيه، فأي سياسي مغفل هذا الذي يهدر هذه السانحة السياسية التي تأتي غداة انتخابات مصيرية تقرر مآل البيجيدي على رأس السلطة التنفيذية؟! . وبالتأكيد، فإن رئيس الحكومة، السيد عبد الإله بنكيران، ليس من هذه الطينة من السياسيين الذين يفرطون في الفرص السياسية، و يدعونها تمر أمامهم مر السحاب!، فكيف – إذن – سمح بمرور هذا المقتضى أمام عينيه في المجلس الحكومي أثناء عرض مشروع قانون المالية عليه،ولم يعترض عليه في إبانه؟
ثمة ،بالطبع، أكثر من فرضية يمكن أن تفسر هذا السلوك السياسي، للسيد عبد الإله بنكيران ،منها على سبيل المثال هذه الفرضية، التي يتبناها هذا المقال، وهي "تتوقع" أن رئيس الحكومة كان واعيا بمتغيرات المادة 30 من مشروع قانون المالية ، دون أن يمليها هو،ولكن قبلها ضمنا، حتى دون أن يبدي ذلك علنا ،معتقدا أنها "اختيار إستراتيجي" للجهات العليا، خاصة وأن الصندوق مهيأ لإنجاز مهمة إستراتيجية ، وراءها إرادة ملكية واضحة ، فأخفى بنكيران إعتراضه عن متغيرات المادة 30 فى حضرة وزرائه لإعتقاده أن لا دخل لهم في هذا المتغيرات، الذي تمتد إلى صلاحيات رئيس الحكومة، ودعهت تمر في صمت، وذلك، بانتظار أن تشعره الجهات العليا بمسوغات إسناد تدبير ملايير صندوق التنمية القروية إلى وزير الفلاحة والصيد البحري،السيد عزيز أخنوش ،بدلا من رئيس الحكومة ،الذي هو أولى بهذا التدبير ،إلا أن يفوضه إلى أحد وزرائه ،ولعل السيد بنكيران يخمن الأسباب التي جعلت الجهات العليا تبعد عن يديه هذه الصلاحية ،لكن يحتاج إلى من يثيرها ،ويلتمس منه تفهم خلفياتها لا ليرفضها – طبعا- فهذا ليس دأبه ،وإنما ليتخذ منها مشجبا يعلق عليه "تفريطه" في صلاحياته الدستورية ،ويواجه بها- عند الضرورة- خصومه السياسيين ،الذين قد يؤاخذون عليه "تنازله" عن سلطاته ،خاصة وأن مشروع قانون المالية ،الذي تضمن المادة 30- التي لا تسلم من مآخذ دستورية وقانونية ،سيعرض على البرلمان ،وستجد المعارضة في هذه المادة تحديدا ثغرات لاتهام رئيس الحكومة بالتخاذل في التمسك بصلاحياته الدستورية، ويحتاج السيد رئيس الحكومة – حينئذ- إلى ما يبرر به موقفه أمام المعارضة، وكذا أمام الرأي العام الوطني، وليس أفضل من "التعليمات العليا" مسوغا لإخراس أصوات المعارضين.. أو بالأحرى "التأويلات العليا" للدستور والقانون،التي ترفع الحرج عن رئيس الحكومة كمؤسسة دستورية معنية بمتغيرات المادة 30 المثيرة للجدل، ولا أعتقد ان رئيس الحكومة سيجد غضاضة في القبول بإسناد تدبير صندوق التنمية القروية إلى وزارة الفلاحة والتنمية القروية أو إلى أي جهة أخرى،شرط ان يكون ذلك بتعليمات سامية من أعلى سلطة في البلاد،لأن هذه الأخيرة تشتغل بمنطق إستراتيجي يراع مصالح متداخلة ،ولا ينازع أحد في نواياها،وعندما تقرر أمرا فإنما تفعل ذلك لمصلحة الوطن والمواطن،وهذا يدركه جيدا الأستاذ عبد الإله بنكيران، ربما أكثر من غيره نظرا لخلفيته الإسلامية، التي توجب النزول عند رأي الإمام،وهذا أيضا ليس محل جدل لا عند رئيس الحكومة ولا عند غيره
بيد أنه هذه المرة تأخر(البيان) من الجهات العليا،ودنا أوان عرض مشروع قانون المالية على البرلمان للمناقشة ثم المصادقة،فخشي بنكيران أن يصدر القانون عن البرلمان متضمنا المادة30 كما "دست" في مشروع قانون المالية ولا يأتي (البيان)،فيظهر رئيس الحكومة أمام الرأي العام وكأنه إختار طواعية أن يتنازل عن صلاحياته الدستورية والقانونية في تدبير موارد صندوق التنمية القروية،مثلما ستجد المعارضة في هذا الموقف مدخلا إلى إتهام رئيس الحكومة بالتهاون في التنزيل الديمقراطي للدستور،وفي الأخير يجد رئيس الحكومة نفسه ضحية "مقلب" سياسي نصب له من طرف أعضاء في حكومته لفائدة أجندة جهات خارج الحكومة،فيصبح يقلب كفيه ندما على سلطات كانت بين يديه ففرط فيها مجانا دون أن يطلب منه أحد ذلك بشكل مباشر وصريح ،إلا ما كان من رسائل غير مباشرة ضمنها-بتشديد الميم- وزيري المالية والفلاحة المادة 30 من مشروع قانون المالية،لكنها لا تنهض كحجج حاسمة، لأنها لا تحمل طابع الجهة المرسلة ،وربما قبلها رئيس الحكومة بادي الرأي،على أن يليها (البيان) من الجهات العليا،فلما( تأخر البيان عن وقته) شعر بنكيران أنه ربما وقع "ضحية" فخ سياسي نصبه له وزيريه في الفلاحة والمالية بتواطؤ من جهات خارج الحكومة، وذلك لإبعاده عن تدبير صندوق إستراتيجي ذي مردودية سياسية وإنتخابية من جهة،وإظهاره بمظهر المتهاون في صلاحياته من جهة أخرى، لذلك لما أحس ،السيد رئيس الحكومة بخطورة الفخ الذي قد يكون نصب له من طرف وزيريه ،إنتفض ضدهما متهما إياهما بالتحايل عليه! ،بمحاولة الإيحاء له بوجود "إرادة" عليا" وراء محتوى المادة 30 من مشروع قانون المالية ،وهي- ربما- ما جعل بنكيران يسمح بتمرير محتويات هذه المادة،بانتظار أن يحصل البيان من الجهات العليا.وليس صحيحا -أو هكذا يفترض- أن بنكيران لم يعلم بمحتويات المادة 30، وأنها مررت أمامه "بطريقة السماوي"،فالسيد رئيس الحكومة أذكى من أن يتعرض لمثل هكذا"مقلب"،بدليل أن إنتفاضته في هذا الوقت تحديدا ،أي غداة الشروع في مناقشة مشروع قانون المالية في البرلمان ،تحمل أكثر من رسالة ،أولاها: إلى "الجهات العليا"، بامكانية إستدراك البيان إذا كانت حقا ترغب في إسناد تدبير صندوق التنمية القروية إلى السيد وزير الفلاحة والصيد البحري ،وثانيها: أن الحكومة قادرة ،بمعية أغلبيتها في البرلمان على تعديل المادة 30، وثالثها:إمكانية الطعن في قانون المالية ،وتحديدا في المادة 30 أمام المحكمة الدستورية..وبذلك يظهرأن رئيس الحكومة ليس "نية" كما يدعي البعض بل هو ثعلب سياسي ماكر.