من الأفكار الزائفة التي تروجها مجموعة من الدوائر والخفافيش المتسترة بعتمة الليل وسواده الزائل، فكرة أريد لها أن تصبح حقيقة لصيقة بالمغرب. "المغرب أجمل بلد في العالم"، نعم أجمل لكل هؤلاء،لكل المنتعشين على الريع الإقتصادي والإجتماعي والسياسي، لريع الوسيطة ، لريع النقابات والمؤسسات، لريع المناصب والمكاسب دون تقدير في هذا الوطن ، "وطن الجمال"، للكفاءة والشهادة والكد والجد..

دون اعتبار للجهد المضني وسهر الليالي ونار المعاناة، وقساوة الطريق وعذابات الوصول وخيبة العراقيل وخطورة المسالك والمعابر باجمل بلد بالعالم.
والطبيعي أن ينطق هؤلاء الشهادة باسم جمال المغرب بديلا عن شهادة الإسلام، فهم الفائزون والمتفكهون والناعمون والمتنعمون بخيرات هذه البلاد الجميلة دون حسيب أو رقيب.
ولعل من بين أهم الاختلالات التي تتكسر على صخرتها المقولة السالفة الذكر، أجمل بلد، حقيقة قاصمة لظهورنا وظهور طبقاتنا الشعبية الهشة، وما اكثرها في هذا البلد، حقيقة الوساطة والزبونية بلغة ناعمة ، "وباك صاحبي" بلغة دارجتنا المغربية المعبرة.
بالرجوع إلى لغة الارقام، فقد كانت مندوبية الحليمي قد أعلنت أن نسبة ليست بالهينة حصلت على المناصب والوظائف عبر الوساطة والمحسوبية في قطاعات متنوعة بالمملكة المغربية.
ولعل كل متابع للواقع المغربي المعيش سيرى رأي العين تجليات ومظاهر المحسوبية والزبونية في كل قطاعاتنا وخدماتنا الإجتماعية من التعليم المدرسي والجماعات المحلية والصحة والقضاء والرياضة والإعلام والتعليم العالي ووزارة الاوقاف والثقافة والفن والصحافة والأمن والمقاولة والشركة ... بل وصل الأمر حتى البرلمان والاستوزار.
فما عادت وما كانت لمعايير الكفاءة والتفوق أس للانتقاء والاختيار والتنصيب في المواقع والمناصب مثلما يقع الان بين الاحزاب السياسية لتنصيب تابعيها في المناصب السامية.
تستنزف الظاهرة السلبية هاته النصيب الأكبر من إمكانيات طاقاتنا الشابة الكفؤة، التي تفضل الهروب والمغادرة ، مغادرة التراب الوطني ، الرحيل عن اجمل بلد في العالم ، كما يحب أصحاب الامتيازات والوساطات والزبونيات وصفه.
أن تقتص من شريط حياتك ربع قرن من الدراسة الابتدائية والثانوية والجامعية، وانت تنتظر مصيرك المجهول في بلد الجمال، كباقي المنتظرين الكثر من نفس وضعك الاعتباري والثقافي والاجتماعي ، وأن تعاين بعينيك الباكيتين من ليس منك وإليك مستوى يستأثر بمنصبك المفترض، ويتباهى به أمامك دون أدنى مركب نقص او دون خجل او استحياء، فهو منتهى الكفر والجحود الذي ينتابك، ويدفعك إلى التفكير في الارتداد عن هذا الوطن الجميل، ضاربا عرض الحائط كل ما التقطته أذناك إنصاتا سنوات قبل وأنت على مقاعد الصف المدرسي من اناشيد وطنية وقصائد شعرية عربية لمحمود درويش وأحمد مطر ونزار قباني..
فأنت اليوم حسير، ماذا عساك ان تفعل في أجمل بلد في العالم، فيه كل ما تشتهي من أنواع الوساطات، وأشكال الزبونيات وأنماط القرابات والمعارف التي استشرت في بلدنا. الوساطات تنطلق من بيتك الحميمي إلى حيك، فشارعك العام ، ثم بلدتك حتى وطنك الاكبر، مغربك الجميل.
يا "وطني الجميل"، ألم تغير فيك السنون أمرا؟، ألم تحولك رياح ثورات الربيع الديمقراطي قيد انملة؟ هل مازلت تأبى الإقلاع عن عاداتك القديمة الحديثة، عن ملامحك الخشنة، ووجهك المخادع ، وسريرتك الشريرة، وطويتك المناهضة لكل رجة هنا وهناك؟
متى ، متى يا وطني العنيد ساطبق الافاق صراخا ونحيبا زهوا بمصداقيتك ، واعتدادا بعدالتك ومصداقيتك، بل بديمقراطيتك الوهمية الكاذبة التي صدعت رؤوسنا بها في أبواقك الإعلامية الرسمية والمأجورة؟؟؟.
انهض يا وطني من موتك المشتهى بتعبير "درويش"، وانظر حولك هنا وهناك، فما مر قد مات وما قد يأتي، وهو ماأخاف منه عليك يا وطني ، لن يموت، لن يموت...