يتكلم بلا كلل ولا ملل . يردد نفس الكلام ونفس العبارات .يعرف أن الكلام استثمار مدر لربح كثير ،أنها سلعة باهضة الثمن ،أغلى ربما حتى من الذهب والمعادن النفيسة .

السياسيون الأكثر حيلة ومكرا يكونون عادة ذوي دراية عميقة بأكثر الوسائل فتكا بوعي الناس وشلا لتفكيرهم . عكس الاخرين لا يلجأون إلى الكلام الجميل والمعسول ولغة الخشب المألوفة . يتكلمون نفس لغة البسطاء . يمشون في الأسواق ويأكلون البيصارة في مطعم شعبي حقير ...لكي تبيع سلعتك جيدا يجب أن تكون ملما بكل تفاصيل السوق ، وتكون بضاعتك تستجيب لرغبات الناس ...حدث الناس بما يريدون . الكلمات تعيش كالأفكار
.معانيها متحركة ومؤقتة ومتغيرة يقول غوساف لوبون .

خطب نارية تتخللها انفعالات وغضب ولم لا دموع .كل شيء مباح
لتجعل الناس تثق أنك لست مثل الاخرين وأنك المهدي المنتظر...
في خطابهم تحس أنك مخير بين اثنين لا ثالث لهما :معهم أو ضدهم .أبيض وأسود فقط ولا وجود لألوان أخرى .
نحن الأخيار والاخرون أشرار . وفوق كل ذلك الله معنا . والاخرون من معهم؟ الشيطان؟ ومن قال لك أن الله معك ؟

ما يفعله السياسيون في الواقع أنهم يقايضون الكلام بثقة الناس .يعرفون ان اللسان رأسمال كبير إن أحسن صاحبه استثماره سيعود عليه بخير كثير وغنائم لا تعد ولا تحصى . وقد يكون عدو الشخص وأداة حفر قبره السياسي لو أساء استعماله كما وقع لوزير ترشح في الإنتخابات الجماعية الأخيرة . الوزير الذي رأى في المغاربة مجرد قطيع ماشية وجد نفسه في موقف جد محرج عندما هزمه سائق طاكسي لا رصيد له في المجال السياسي ...

بيع الكلام ليس حكرا على السياسيين .الفنانون أيضا اكتشفوا طريقا أخرى للإغتناء السريع غير طريق الإبداع المليئة بالأشواك والحفر والعقبات .كلمات فقط تكفي لجني أربعمئة مليون سنتيم من مال الشعب السائب .كم كنت كبيرا في أعين المغاربة يا كبور قبل أن تفعلها .كنا سنفرح كثيرا لو أن هذا الرزق الكبير الذي نزل عليك في رمشة عين منحه إياك شخص محب للفن والإبداع من جيبه الخاص وليس من أموال الفقراء المغلوبين على أمرهم .

نعرف أنك لست الوحيد المخطئ.وأن الفضيحة تلاحق بالأساس الوزير الدي ائتمن على المال العام وتصرف فيه دون الحكمة والترشيد اللازمين .
رواج تجارة الكلام الفارغ والوهم والعبث واللامعنى له ارتباط وثيق بمنسوب الوعي الجماعي ومدى الإرتقاء القيمي والتشبع بالأفكار الديموقراطية . صحيح أن السياسيين يكذبون حتى في البلدان الأرقى ديموقراطيا لكن المقارنة بينهم وبين سياسيينا تبقى مجحفة وظالمة إلى حد كبير .
رجاء يا ساسة . حافظوا على حد أدنى من الأخلاق السياسية . دون "اسميك" أخلاقي أنتم تجهزون حتى على حقنا في الحلم والأمل في غد أفضل.