عندما تبرر المعارضة قرار مقاطعة احتفالات فاتح ماي لهذه السنة، بكونه "الوسيلة الوحيدة للاحتجاج على السلوك اللاديمقراطي للحكومة"، فإن ذلك يعد مصيبة ما بعدها مصيبة.

ماذا يعني هذا التبرير؟ يعني أمر واحد لا ثاني ولا ثالث له، إنها تمارس التدليس على وعي المغاربة؟ والدليل ما تنبئنا به صفحات التاريخ عن عشرات القتلى الذين أزهقت أرواحهم في مذبحة "شيكاغو" سنة 1886، ولاحقا آلاف الجرحى والقتلى والمصابين في العالم من أجل تخليد ذكرى فاتح ماي في الشوارع، وفي الأخير تأتي المعارضة المغربية، لتبدع موقفا أقل ما يمكن أن يقال عنه بأنه كارثي ومقزز إلى حدود الغثيان.

يكفي أن يُطالع القارئ كرونولوجيا الأحداث الموثقة لتاريخ فاتح ماي، ويعلم أنه لحد اليوم لازال فاتح ماي ممنوعا الاحتفال به ببعض الدول الإفريقية والأسيوية، ثم يتذكر ضحايا العمال على عهد بيسمارك من أجل تخليد هذا اليوم، ويسترجع الصفحات المغربية على عهد الحسن الثاني، وكيف كان الأخير يمنع في العديد من المناسبات الاحتفال بهذا اليوم، إلى أن قررت الكتلة الدخول معه في إطار ما يسمى بـ" السلم الإجتماعي" و"الإجماع"، ليقتنع(القارئ) بأن المعارضة تمارس التدليس على الشعب المغربي.

السؤال الآن هو لماذا اختار لشكر و شباط ومخاريق والأموي التدليس على وعي الشعب المغربي؟

الجواب عن هذا السؤال لن يخرج عن فرضيتين؛ إما أن المعارضة أدركت ضعفها الكبير وانعدام أي مصداقية لها لدى الشعب المغربي؛ وبالتالي هي تخاف من أي منازلة لبنكيران في الشوارع، فتراها، اليوم، تواجه رئيس الحكومة بالدولة والملك، عبر محاولة تخويف الأخير من مشروع بنكيران وإمكانية ان يتغول داخل المؤسسات، وهو ما عبرت عنه بشكل مخجل، مؤخرا، بتوجيهها مذكرة للملك، تتوسل فيها؛ كالطفل، أن ينوب عنها في مواجهة "البيجيدي" ، وإما أن المعارضة استجابت لرغبة أمنية، خمن أصحابها أن ينفلت الوضع هذه السنة، إذا جرى الاحتفال بفاتح ماي، خاصة أمام الاحتقان الشعبي الكبير الذي ولدته "فاجعة طانطان" وفضائح وزراء الحكومة، أمام غلاء المعيشة وعجز الحكومة عن تقديم أي إجابة للمعضلات الاجتماعية خاصة معضلة التشغيل، وهو ما تأكد يوم فاتح ماي، من خلال الحصار والعنف الشديد، الذي جوبهت به حركة المعطلين، رغم أن أعدادها لم يكن كبيرا.
وعندما نتحدث عن خوف المعارضة من بنكيران، فهذا لا يعني أن الأخير يحمل برنامجا ثوريا للتغيير، أو إنه يتمتع بشعبية لدى الجميع بل فقط لدى فئات من الشعب الواسعة، المحدودة الوعي السياسي، بعد أن نجح في إقناعها بأنه "بغى يخدم أوماخلاوهش"، كما لا يعني هذا أن أعضاء حزبه أكثر صدقا من أعضاء المعارضة، فكلاهما، بالتجربة والواقع، سيان، فقط أن الجماهير المغربية والعربية عموما فقدت الثقة كليا في أي شيء اسمه الأحزاب الاشتراكية أو الأحزاب الليبرالية المتولدة عن اليسار، بفعل الهزيمة أمام اسرائيل وعجز هذه الأحزاب عن الإجابة على التطلعات الديمقراطية لشعوبها.

كما أن بنكيران يبقى مجرد موظف كبير لدى القصر، الذي يبقى هو المقرر الأول والأخير في أي تفاوض بين الحكومة والمركزيات النقابية حول الملف الاجتماعي؛ وإذا قرر الملك أن يجيب على مطالب النقابات، فلا يسع بنكيران إلا أن يردد سمعنا واطعنا.

فاتح ماي ليس مكسبا حكوميا حتى تُعاقب بمقاطعته الحكومة بل هو مكسب عمالي تحقق بفضل نضالات مريرة، وإذا كانت النقابات، تريد التفاوض وليس فقط الحوار مع الحكومة فيكفيها أن تنسحب من الغرفة الثانية، ومن المجالس العليا الاستشارية كالمجلس الاعلى للتعليم وغيره.. ومن اللجنة الوطنية لإصلاح انظمة التقاعد، ثم تنسحب من تسيير "الكنوبس" والسنيسيس" و"لامتييل" ومن مؤسسات الأعمال الاجتماعية، وأن تقاطع انتخابات اللجان الثنائية القادمة، ثم تنزل للشارع، وأنداك لن يصبح الأمر بيد بنكيران بل بيد الملك، الذي سيسارع إلى توجيه أوامره لرئيس الحكومة للجلوس إلى طاولة المفاوضات وتلبية جميع المطالب بما فيها إعادة النظر في الثروة وكيفية توزيعها على جميع المغاربة.