المغربي فعلا مسكين ، فبعد يوم صيام حار يجلس امام تلفزته ليشاهد ما تجود عليه القنوات التلفزية المغربية، طمعا في عرض تلفزي ممتع . إلا أنه يتحول شيئا فشيئا الى سلة قاذورات ، ليستقبل اوسخ و اتفه ما يقدم اليه مما يسمى الانتاجات الوطنية . فبعد جوع وتعب يوم كامل ، يفرض عليه طبقا متنوعا عبارة عن خلطة متعفنة تتكون من سيناريو مفكك لا معنى له ،و حوار سطحي ركيك ،و صور بشعة تفتقد للحد الادنى من الابداع ،و اخراج بليد، و شخصيات فارغة من اي روح فنية مزعجة بصيحان بدوي هنا وهناك . التفاهة والبشاعة وصلت مع هذه الانتاجات الى مستوى الاستعراضية والاحتقار ،و كأنها توجه الى دوريات مياه وليس جماجم شبه- مواطنين، المفروض انهم دافعي الضرائب والممولين الحقيقيين لهذه القنوات. الغريب ان البعض انتقد ظهور "جنيفر لوبيز" وجمال رقصاتها و حركات مؤخرتها في احدى السهرات ، في حين لم نلاحظ اي احتجاج او فتح اي نقاش عمومي حول الوجوه- المؤخرات البشعة التي تفرض علينا من طرف هذه القنوات، بما تلفظه من عفن وقذارة بكل وقاحة .وكأن المغاربة جبلوا على الخوف من الجمال وعشق الذمامة .
منطق الزيف السائد في جميع حقول البنيات الاجتماعية المتخلفة والذي يتمثل في " افراغ الواجهة الحداثية عبرمضمون تقليداني فج"، يمس بشكل اكبر الاعلام و خاصة المرئي منه. حيث حول المخزن التلفزيون الى اداة بروبغندا لترويج خطابه البئيس ،ووسيلة لتنميط المشاهد المغربي بهدف تحويله الى "رجل صغير " يقبل القهر و التجهيل و التخلف و يدافع عليهم بكل استماتة. فاغلبية برامج هذه القنوات ، تفتقد لروح الابداع و الخلق و تعطل العقل النقدي وتنشر البشاعة والتفاهة .كماانها تروج لقيم الزيف والوهم عبرتطبيع المغاربة مع واقعهم البئيس من خلال استعراض برامج بعيدة عن الاشكاليات الحقيقة التي يعيشونها .
البرامج السياسية والاجتماعية :
تناقش البرامج السياسية والاجتماعية في القنوات المغربية كل شيء ماعدا الاشكاليات الحقيقية التي يعيشها المواطن المغربي . وحتى ان مست احدى هذه الاشكاليات فهي تقوم بتشويهها عبر طرح الاسئلة والاجوبة الخاطئة وتسطيحها الى درجة تمييعها .هذه البرامج تسعى الى خلق راي عام يقبل الدخول لعبة المخزن ونخبه المشوهة ضمن شروط و خطوط حمراء محددة سابقا .وتسيد لثقافة هجينة مخزنية فصامية، تنتج ميكانيزمات واليات هيمنة الفئات الحاكمة ثقافيا و اجتماعيا وسياسيا . كما انها تحاول خلق "نخب سياسية" تستعمل كأدوات لتأثيث المشهد السياسي و لخدمة مصالح المخزن في المرحلة : كإظهارحزب العدالة و التنمية كبديل في فترة ما يسمى الربيع العربي،اوالترويج لشخصيات شعبوية مخزنية بامتياز مثل افتاتي، شباط ، لشكر ، العمري... للقتل الرمزي ،في اللاوعي الثقافي الشعبي، لمفهوم رجل السياسة المناضل من اجل مصالح المواطنين ، صاحب الرؤية الواضحة ورجل الدولة المسؤول والقادر على منافسة رجال المخزن ونخبه.
نشرات الاخبار:
نشرة الاخبار المغربية تشخص فعلا بؤس الاعلام المرئي شكلا ومضمونا. فالمقدم لهذه الاخبار،يشبه الى حد كبير تلك القطط الغبية البلاستيكية الجامدة التي كان يلعب بها اطفال الستينات والسبعينات.وذلك بجلوسه الساكن الفاقد للحياة ،و طريقة القائه الانشائية التي تشبه القاء تلميذ كسول في مستوى الاعدادي امام استاذ تقليدي يتمتع بالاستماع الى مخارج الحروف "المسيدية" لانه ، اي الاستاذ ، لم يتخلص من الفقيه الذي داخله.كما ان هذه النشرات عبارة عن تجميع عبثي لأخبار مرتبة عكسيا مع اهميتها ،وتستعرض بشكل سطحي وكاريكاتوري يقضي على كل استمتاع او فضول لتتبعها.
الاعلانات :
ان سيكولوجية الاعلانات تعتمد على اثارة الرغبات و استثارة المشاعر عبر الربط بين السلع و الصحة والجمال والنجاح، وترتكز على مبادئ تعديل السلوك و التاثير فيه . في البلدان المتقدمة تخضع الاعلانات لشروط خاصة في التلفزات العمومية كإحترام الوقت ، التنبيه الى المضار الصحية الناتجة عن بعض السلع ، الخضوع الى الحق في التنافس الشريف بين الشركات المنتجة لهذه السلع ، تفادي الخطاب العنصري ....
في المغرب ،تقدم الاعلانات بشكل فوضوي دون احترام لتوقيتها ( لاحظوا الاعلانات اثناء الفطور ) . وبطريقة احتكارية لبعض الشركات كشركة الضحى ، والتي تبيع اقفاص بئيسة للمواطنين تفتقد لجميع شروط السكن اللائق والتي حولت مجموعة من المواطنين خاصة الفئات الوسطى الى ضحايا شركات قروض مفترسة و مصاصة دماء. وتستعرض (الاعلانات)بأسلوب بشع وممل وفي غياب لثقافة صحية استهلاكية، ففي مايخص المنتوجات الغدائية مثلا ، نلاحظ انه لا يصاحبها تنبيه الى مضار صحية ممكن ان تنتج عن هذه المنتوجات ولا تدعو الى التقنين في استهلاكها. كما انها في اغلب الاحيان تروج لثقافة متخلفة سواء في ما يتعلق بوضعية المرأة او بعض الفئات خاصة سكان البادية .
ان من حق المغاربة ان يتمتعوا بإعلام مرئي متقدم مهتم بهمومهم الحقيقية، و مستفز لبداهاتهم المتخلفة ،و يفتح نقاشات عمومية حول الإشكاليات الحقيقية التي يعيشونا ،ويقوم بعرض فني وترفيهي جميل يربي فيهم الحس الجمالي والنقدي . ويحولهم الي منتجي افكاروفاعلين في مجتمعهم.ولن يتأتى هذا الا بتغيير على جميع المستويات ، يرمي القديم المتعفن الى مزبلة التاريخ و يؤسس لمجتمع جديد ، مجتمع الحرية و العقلانية و المواطنة والعدالة الاجتماعية . فالشكر كامل الشكر لثورة الاعلام والإتصال والتي سمحت لنا بان نبصق على "قنواتنا الوطنية" بكل ما تحمل من تفاهة وبشاعة وبداوة وملل، ونغيرها الى فضاءات ارحب واكثر احتراما للعقل والجمال والإنسان .