مرّت بنا منذ أيام ذكرى نكسة أو هزيمة حزيران (يونيو1967) ، غير آبهين بما تحمله من أثر في تاريخ الوطن العربي ، و بما تثيره ذكراها من شجون في نفوس العرب الذين عايشوها ، والذين يـَلُـونهم من أجيال الستينيات والسبعينيات .. و كما هو معلوم ، فنكسة حزيران، وتسمى أيضا حرب الأيام الستة ،و هي الحرب التي نشبت بين إسرائيل وكل من مصر وسوريا والأردن بين 5 حزيران/يونيو 1967 والعاشر من الشهر نفسه، وانتهت باحتلال إسرائيل لسيناء وقطاع غزة والضفة الغربية والجولان، وتعتبر ثالث حرب ضمن الصراع العربي الإسرائيلي.. نكسة أدّى العرب ولا يزالون حصادَ زرعهـا و جنيَ غرسها ، من أمنهم وقوتهم و وحدتهم واستقرارهم ، و كل ما يرتبط بحياتهم الآنية و المستقبلية ..
وفي كل عام تمر الذكرى وتمضي ونحن على نفس الحال من التفرق والتشظي ، والتخلف والتردّي ،لا نبالي بالذي يجري حولنا ، ولا بالذي يحاك ضدنا .. وقد ابتلانا الله بتَـــتَـرِ جُدُد، يأتون على الأخضر واليابس ، يسفكون دماء المسلمين باسم الدين ، و يحللون ويحرمون ما تهوى أنفسهم باسم الدين ، يضللون شبابنا باسم الدين ، وكل ذلك خدمة لأغراض أعداء الدين ، سواء من الغرب أو من الشرق .. وقد وجد البعض ضالته في هذا الوباء الخبيث ، الذي استعصى عن العلاج ، و تمنع عن الشفاء ، فاتخذوا منه ذريعة للانفراد بالحكم ، وتصفية الحساب مع المعارضين ، و التنكيل بالمخالفين ، ولو أدى الأمر إلى إبادة شعب بأكمله ، كما يحدث الآن في اليمن وسوريا والعراق ، وهو على وشك الوقوع في ليبيا وجوارهــا .
تَمرُّ ذكرى النكسة ، دون أن تُحرك فينا نخوة العروبة أو نزق الانتماء الى هذا الوطن الكبير، وها هو شبابنا يمتطي الموت ، مقدما نفسه قوتا لأسماك المتوسط ، سعيا نحو حلم موعود .. ونحن لا نزال نُـكابر ونُداري الحاضر ، وكل ما حصلَ بعدَ النكسة ذاتها ، كان عبارة عن نكسات ونكبات ، بل كان أشد وقعا ، وأكثر إيلاما من النكسة الأم ، والوقع أصدقُ أنباء من الكتب ،.
أَهنالـك نكسة أكبر من نكسة تدمير العراق ، وتقديمه على طبق من ذهب إلى إيران لتعبث فيه ، و لتمعن في أهله تقتيلا وتنكيلا ؟ أو أشد من نكسة تخريب سوريا والجوار ، و تلغيم الشام كله بشتى أنواع الألغام الطائفية والدينية والعرقية ، ابتداء من ورم داعش وانتهاء بعصابات الحشد الشيعي المجرمة؟؟.
أَهنالـك نكسة أكبر من تشظي اليمن السعيد ، وتدمير بناه التحية المترنحة أصــلا، وجعله حديقة خلفية لتصفية الحسابات بين قوى المنطقة من جهة ، وبين القوى الكبرى من جهة ثانية ؟.
بل وما أشد نكستنا الكبرى، حين سُرقت من الشعوب العربية ثوراتهـا وانتفاضاتها الشعبية ، و تم ــ بفعل فاعل ــ تحويل وجهتها إلى غير الوجهة الصحيحة التي قامت من أجلها ، وهي العدالة الاجتماعية و الكرامة الانسانية و الحرية .. فأين نحن من هذه الشعارات، وأين نحن من تحقيق هذه الغايات ؟
ألم يُفوت بعض الأحزاب وبعض القادة على شعوبهم، فرصة تاريخية للتغيير ؟ فرصةً لن تتكرر إلا بعد ردح غير معلوم من الدهر ؟ أم إن الشعوب نفسها لم تكن في مستوى اللحظة التاريخية ، ولم تُـحسن التصرف حيال الأمر ، تاركة فعلها التاريخي المجيد ، فريسة للمتربصين من حراس الدولة العميقة ، وزعماء الثورات المضادة ، الذين سارعوا إلى السيطرة على زمام الأمور بدهائهم ومكـرهم المعهود ، مُستعملين القوة تارة ، وتارة الاعلام المأجور ، والدعاية الخبيثة ، ضد كل قوى التغيير .
لقد ألفنا النكسات والنكبات ، وتعايشنا معها كأنها قدر مقدور ، لا يمكن الفكاك منه ، وهذه نتيجة طبيعية لسياسة التدجين والتطبيع الممارس على شعوب المنطقة لفترة طويلة ، من طرف أبواق الدعاية الإعلامية ، للأنظمة الحاكمة ، التي يمكن اعتبارها المستفيدَ الأول من ديمومة هذا الوضع الكارثي .. مما خلق نوعا من الاحساس بالإحباط والتذمر المفضيان إلى التطرف الذي بدأت الأنظمة نفسها ، تجني ثماره القذرة ، وتتلظى بنيرانه المستعرة ، لتبقى الشعوب وحدها - في آخر المطاف - هي الخاسرة ،و لمواعيد التاريخ مُخلفــة ، فيما يُسرع أعداء الأمة ــــ وفي مقدمتهم "إسرائيل" ــــ الخُطى نحو الغـد ، بكل ثقة وعزم على تحصين المواقع ، وتمتين الدوافع ، وتفادي النكبات والمواجع .. مُهتدون في كل خطوة بما استخلصوه من التــاريخ من عبره ، واضعين المستقبل الزاحف بكل تحدياته نصب الأعين ،،لأنهم بالفعل قرأوا التاريخ ، وأحسنوا القراءة ، وبالتالي أحسنوا الخُلاصات ، و ايقنوا بالهفوات والزلات فتخطوها ، وأقروا بالخلافات والعداوات و تناسوها ، أما نحن "العرب" - مع الأسف- فقد أخذتنا الحَميّة المقيتة ، و قادتنا الطائفية والعرقية ، فأبدعنا في الاقتتال ، و أبهرنا العالم بكل أنواع التنكيل والإذلال ، فأضحى الطريق إلى الجنّة عند البعض ، مُضمخــا بدماء الإخوة والعشيرة ، ومَعبَـرا إلى تدمير كل مظاهر التمدن و الحضارة .. فمتى نُوقف مسيرة التطبيع مع النكبات ، و الاستئناس مع النكسات ؟؟ لنا التساؤل والاستفهام ، ولكل جوابه ، وللأيام الزاحفة نفاذ القول و العمل، والعاقبة لمن بالتاريخ اعتبر ، وعلى ضعفه و نقائصـه اقتدر وانتصـر..
وكل نكسة و "وطننا العربي الكبير " في نشاط وضجر.. فإما بين ضرب بسيف أو ذبح بخنجر، أو بين هزّة بوط وقرع طبلة و مِزمـــر !! .
محمد المهدي ــ تاوريرت
09\06\2016