تأتي الانتخابات التشريعية ليوم 7 أكتوبر الجاري في المغرب ، في سياق دولي و اقليمي و وطني في غاية الخطورة و الدقة، مما يستدعي التعامل معها بكثير من الحذر و المسؤولية و الشجاعة اللازمة ايضا و الاستخلاص العبر من دروسها حملة و أجراء و نتائج.

فإذا كان العالم يعرف اليوم تحولا جذريا و انحداره نحوى الفوضى و عودة القطبية الثنائية من جديد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، نظرا لتضارب المصالح بين الدول الوازنة في العالم كروسيا و الولايات المتحدة الأمريكية، و انحدار أوروبا نحو الهاوية من جراء سياساتها التقشفية الناجمة عن الازمات المالية و الاقتصادية المتتالية و تراجعها الواضح على احترام و حماية حقوق الإنسان كأهم عنصر من عناصر التي بني عليه النظام الليبرالي بأوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية، و كذا تنامي العنصرية و عدم قدرتها على التعامل من ملفي الهجرة و اللجوء اللذان يزدادان عددا بسبب انتشار الحروب و الظلم و الجوع في العالم ناهيك عن تهديدات الإرهاب و صعود الأحزاب اليمينية الفاشية، فان الوضع الإقليمي (المغاربي و العربي و الإفريقي) لا يزيدان إلا حروبا و فقرا و إرهابا و ديكتاتوريات. و لنا في سرقة صناديق الاقتراع و تزوير النتاج في الغابون (أهم حليف للمغرب) و ما يجري في الجارة ليبيا و سيطرة العسكر على النظام بمصر و تدمير سوريا بالكامل و انسداد افق النضال الفلسطيني لخير امثلة عن ما يجري من حولنا.

المغرب
بالرغم من العفو الشامل في بداية التسعينات و تشكيل حكومة التناوب لعبد الرحمان اليوسفي و اعتلاء ملك جديد على عرش المغرب، و تشكيل هيأة الإنصاف و المصالحة، و القضاء على حركة 20 فبراير بالطريقة التي تمت بها، و وصول الإسلاميين إلى للحكم مع الملك، إلا أن المغرب ظل يراوح مكانه و لم يتجاوز مرحلة "السكتة القلبية" التي تكلم عليها الحسن الثاني، بعد، نظرا للوصفات المغشوشة و الادوية الخاطئة التي عولجت بها، و عدم كفاءة الاطباء الساهرين على علاجها من جراء فسادهم او نفاقهم او عجزهم. فكل ما عمله المهندسون للسياسة المغربية و صناع القرار هو تأجيل السكتة القلبية الى اجل غير مسمى بمسكنات مسمومة مكونة من مواد قابلة للانفجار و قادرة على احراق الاخضر و اليابس في أي وقت و حين، و ما الفوضى العارمة الذي يشهده المغرب و تضارب المصالح الاجهزة الامنية (مظاهرة الدار البيضاء مثلا) لخير دليل على ذلك.

اما الوضع الاقتصادي و الاجتماعي فيجتاز وضعا في غاية الخطورة و الصعوبة، نظرا للارتفاع المهول للمديونية التي وصلت الى اقصى درجاتها في تاريخ المغرب "المستقل"، و ارتماء المغرب الكلي في احضان دول الخليج و الرهان عليها كتمسك الغريق بالغريق، بعد تذبذب سياساته الخارجية من جراء توتر العلاقات مع حلفائه التقليديين كأمريكا و اوروبا بسبب مشكلة الصحراء و حقوق الإنسان، و هي الدول التي رهن بها النظام المغربي مصيره منذ الاستقلال الشكلي إلى يومنا هذا.

أما على المستوى الاجتماعي، فيتسم بالانهيار الكلي للمدرسة العمومية و الفشل الذريع لكل الإصلاحات التعليمية باعتراف أعلى سلطة في البلد، و غياب إمكانيات التطبيب في شروط إنسانية (الصحة) و تعميم الفساد الإداري و السياسي، و الارتفاع المتزايد لنسبة البطالة، ناهيك على انتشار الجريمة المنظمة "التشرميل" و "الكريساج" العلني و الاتجار بالممنوعات أمام أعين السلطة، و تهديدات الإرهاب و انسداد الأفق السياسي ككل بعدما كانت امكانية التغيير الديمقراطي السلمي ممكنة ايام اندلاع مظاهرات حركة 20 فبراير.

اي رهانات؟

الانتخابات التشريعية أو البرلمانية في الدول الديمقراطية ، تكون فرصة لمحاسبة اداء الحكومة المنتهية ولايتها و تقييم حصيلتها و انتقاد اخفاقاتها و التنويه بنجاحاتها و البث في برامج الاحزاب المتنافسة و مناقشة الحلول المقترحة لتدبير السياسات العمومية اقتصاديا و اجتماعيا و ثقافيا و تمكين المواطنات و المواطنين من التعرف اكثر على ملامح البرنامج السياسية و الاجتماعية لكل المتنافسين، بل التعرف على التوجهات العامة للذين يقترحون انفسهم كبدائل منتظرة للتصويت عليهم يوم الحساب و العقاب (يوم التصويت) بشكل حر و ديمقراطي و بكل شفافية بعيدا عن أي شكل من اشكال الضغوطات و التدخلات.
في مغربنا الحبيب ستجري الانتخابات في ظل اجواء اقل ما يمكن ان يقال عنها انها تجري في اجواء نفور جماعي للمواطنين و من المنتظر ان لا تتعدى نسبة المشاركة 30 في المائة من المغاربة الذين لهم الحق في التصويت و الذين يقدر عددهم ما يقارب 24 مليون ناخب و ناخبة) و فقدانهم الشبه الكلي للثقة في اللعبة السياسة لان الحاكم عندهم معروف و محسوم مسبقا و كل ما يجري ما هو إلا تغيير ديكور لتزيين وجه (الفيترينا) لتجميله صورة النظام المغربي امام الرأي العام الدولي و ليقدم نفسه كدولة اقليمية ديمقراطية تتبارى فيها الاحزاب...الخ.
كل المغاربة (إلا المنافقين منهم) يعرفون بان كل السلط موجودة بيد الملك و ديوانه، فلا استقلال للقضاء و لا للبرلمان و لا للحكومة. فكل ما يمكن ان تسفر عليه الانتخابات من نتائج بما فيها تشكيل الحكومة فستبقى مرتبطة بالملك و ان الحكومة المقبلة لن تنفذ إلا برنامج الملك. و لذلك سيظل سؤال حول ماذا تتصارع الاحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات مشروعا.
الاحزاب السياسية
يبدو ان هناك حزبين متصارعين حول ترؤس الحكومة المغربية المقبلة و هما حزبا الاصالة و المعاصرة و العدالة و التنمية، أما الأخرين (باستثناء فيدرالية اليسار الديمقراطي) فينضوون كلهم في فلك هذا وذاك في انتظار حسم النتائج ليتحالفوا مع حكومة يترأسها احد الحزبين "الكبيرين" في المغرب كما يقدمان انفسهما.
ما لم يعرفه المغاربة او يعرفوه جيدا فان الحزبين معا يحكمان مع الملك بعد او حتى قبل دستور 2011. فحزب الأصالة و المعاصرة يسير الجهات و عدة مدن و قرى و يترأس الغرفة الثانية للبرلمان و له نفوذا سياسية و اقتصادية قد تفوق نفوذ العدالة و التنمية. و هذه الأخيرة (العدالة و التنمية) تترأس الحكومة و تسير قطاعات و ملفات مهمة في غاية الخطورة مع حلفائها كالتعليم و الصحة و الشغل و الاقتصاد و المالية و البنيات التحتية و النقل و الثقافة و الفلاحة و الصناعة و السياحة...الخ.
اذن فالصراع بين الحزبين هو صراع بين من سيتقرب اكثر من الملك و يخدمه بشكل افضل و ينفذ سياساته بشكل ناجع. فإذا استثنيا اختلاف الحزبين حول بعض الشعارات (الحداثة، طريقة التدين، الكيف، الجهوية، الامازيغية ...) فلا شيء اخر يمكن ان يميزها. فكلاهما يتحدثان على انقاذ المغرب و محاربة الفساد و الحكامة الجيدة و سياسة "المعقول" و الاستقرار و الدفاع عن الملكية و الوفاء لها و الحفاظ على الطقوس المخزنية البالية فيما فيها الركوع لأمير المؤمنين). اذن فيحق القول بان حزبا الاصالة و المعاصرة و العدالة و التنمية هما وجهان لعملة واحدة و هذه العملة هو نظام لا وطني لا ديمقراطي لا شعبي و فاسد يتسامح مع المفسدين و يخرق القانون و يسمح بتهرب الاموال إلى الخارج (فضيحة باناما) و و يستغل خيرات البلاد برا و بحرا و يقمع المواطنين و المواطنات في خرق سافر للدستور (بالرغم من علاته) و المواثيق الدولية ذات الصلة بحقوق الانسان.

فدرالية اليسار و الخط الثالث
اذا كان حزب التقدم و الاشتراكية انساق كليا مع حليفه الجديد العدالة و التنمية، بل صار ناطقا باسمه في العديد من المناسبات في قضايا و ملفات حساسة كان اخرها استعمال مصطلح "التحكم" التي ابتدعته العدالة و التنمية مما كلفته تصادما مباشرا مع صناع القرار و تأنيبه. و ان الاتحاد الاشتراكي الذي اضحى جسدا بلا روح و اسدا بلا انياب (مع احترامنا الشديد للعديد من مناضلي الاتحاد الاوفياء و الصادقين في الداخل و الخارج)، و خاصة بعد تدهور الوضع الداخلي للحزب و اسرار قيادته الحالية للانحياز الى الطرف الاخر في الحكم و هو حزب الاصالة و المعاصرة و الرهان عليه للوصول الى الحكومة ، فيبقى الرهان و الامل المتبقى في طرفين من اليسار الجذري فدرالية اليسار الديمقراطي و النهج الديمقراطي بالرغم من ان الاول يشارك في الانتخابات و الثاني يقاطعها.
فاذا كان النهج الديمقراطي يعرف حصارا و قمعا شديدين و محروما من وسائل الاعلام و التواصل المباشر مع المواطنين و المواطنات، فان فدرالية اليسار بمشاركتها في الحملة الانتخابية الحالية بل قبلها ابانت عن امكانيات محترمة و انها قوة سياسية صاعدة و واعدة في المغرب ان عرفت كيف ان تدبر مرحلة ما بعد انتخابات 7 اكتوبر.
فمن خلال وضوح برنامجها و قوة افكارها و شجاعة قيادتها و نظافة مناضليها فان جل ان لم نقل كل مهرجاناتها عرفت نجاحات محترمة و مهمة و استطاعت ان تقرب منها شبابا و نساء و اطرا مغربية ظلت نظيفة طوال مسارات التوسيخ و التطبيع و التدجين التي مارسها النظام منذ عقد من الزمن او اكثر.
فكل المؤشرات تشير ان اليسار قادم و قادر على النهوض "من تحت الرماد" لان المغاربة محتاجون الى بديل ينقذهم و يقودهم نحو الخلاص، و ان فدرالية اليسار تشكل حلقة مهمة من اعادة البناء و توحيد اليسار على اسس برنامجية او نضالية على الاقل. فمهما كانت النتائج التي ستحصل عليها فدراية اليسار يوم 7 أكتوبر، فانه من الان يمكن ان نتحدث على نجاحات في التواصل مع شرائح مهمة من المجتمع و اعادة الثقة في الاحزاب و الساسة في المغرب و لو بشكل نسبي.
ان التعاطف المهم للمثقفين و الشباب و الفنانين و الاعلاميين و اعلانهم العلني على دعم الرسالة قد تكون نقطة تحول تاريخية لإطلاق ديناميكية جديدة و فتح نقاشات واسعة لإعادة بناء اليسار عبر اشراك كل تياراته و حساسياته الغير المتمخزنة لتمكين اليسار استثمار المعركة سياسيا و تنظيميا لتأهيل نفسه لخوض المعارك المقبلة التي من المؤكد انها ستكون صعبة و مريرة مع نظام فاسد و مستبد لا يعرف الرحمة، و طبقات اقطاعية و برجوازية هجينة لا تعرف إلا مصالحها الطبقية.
فأولى خطوات الممكن الاقدام عليها ما بعد اقتراع 7 اكتوبر هي كيفية الحفاظ على تواصل دائم مع ألاف المغاربة و المغربيات الذين تعاطفوا مع خطاب اليسار (و لدينا مقترحات عملية في هذا الشأن سننشرها مباشرة بعد اعلان نتائج الانتخابات)
السيناريوهات الممكنة ما بعد اعلان نتائج الانتخابات
السيناريوهات الممكنة مرتبطة كثيرا بنتائج الانتخابات و صناع القرار. فكيفما كان الحال فإننا نتوقع ثلاثة سيناريوهات لا رابع لهم.
السيناريو الاول: تصدر البام لنتائج الانتخابات،
سيكلف الملك رئيسا للحكومة من البام الذي من المحتمل ان يشكل تحالفا حكوميا يتكون من الاتحاد الاشتراكي و حزب الاستقلال و الاحرار و الاتحاد الدستوري و الحركة الشعبية.
السيناريو الثاني :تصدر العدالة و التنمية لنتائج الانتخابات
سيعين الملك رئيسا للحكومة من حزب العدالة و التنمية، قد يكون شخصا اخر من بنكيران. و الشخصية التي تبدوا مقبولة من صناع القرار في حزب العدالة و التنمية هو عبد العزيز الرباح). اما التحالف الحكومي الجديد قد سيشكل من حزب التقدم و الاشتراكية و حزب الاستقلال و الحركة الشعبية و ربما اخرين.

الاحتمال الثالث
تشكيل حكومة وطنية يترأسها تكنوقراط بثوب سياسي ك(اخنوش، وزير الفلاحة الحالي مثلا)، و ستتشكل الحكومة من البام و العدالة و التنمية و التقدم و الاشتراكية و الاحرار و الاستقلال و الحركة الشعبية و الاتحاد الدستوري.
و في هذه الحالة الاخيرة قد توفر شروطا موازية لليسار لينظم صفوفه اكثر و يشكل معارضة قوية داخل البرلمان و خارجه لقيادة الشعب نحو التغيير المنشود بالرغم صعوبة المهمة.
هذا دون ان ننسى المنافسة القوية للعدل و الاحسان التي تمارس التقية اليوم في انتظار تلقيها الضوء الاخضر لاستعراض عضلاتها.