اقتربت ساعة ثاني انتخابات في عمر سادس دستور للمملكة المغربية هذا الأخير الذي كان نتيجة حراك شعبي قادته فئة عريضة من المجتمع دستور أمل منه المغاربة الكثير و انتظروا أن يصير مرحلة انتقالية بعبارة أخرى جدارا زمنيا فاصلا بين الماضي و المستقبل , مستقبل مشع بأنوار الديمقراطية و الكرامة و الحرية و جل القيم البراقة التي لطالما تغنى بها التاريخ ليظل السؤال ماذا تغير بعد دستور فاتح يوليوز 2011 ؟؟ هل السياسات المبتدلة و المتجاوزة لمكونات المشهد السياسي قد تم عبورها بكل سلاسة إلى شاطئ النسيان أم لازلنا نعيش في كنفها بصورة منمقة و محسنة المشاهد ؟ هل حقا ارتقينا إلى درجة نضج تجعلنا نضع فرضية نضوج المكونات السياسية و تبلورها بشكل حديث المتعارف عليه داخل المنظومة الاجتماعية و السياسية المعاصرة على كف الميزان ؟؟ و هل لهذه الأخيرة الجرأة على ملامسة تطلعات الفئات الشعبية الهشة و المتوسطة أم أنها ليست سوى أدوات انتخابية و مكون مجتمعي يتم التعامل معه بطريقة براغمتية صرفة ؟؟ كل هذه الأسئلة و أخرى في نفس سياقها تطفوا إلى سطح النقاش و من المجيب .
إن في ظل غياب مشاريع و إرادات سياسية بناءة تعلوا بالمشهد السياسي المغربي فإننا نظل في إطار حلقة مفرغة من الإستبلاد المجتمعي و هذا يعكس عدة فراغات أخلاقية و فكرية للعديد من الزعامات الحزبية مما يجعل من الخطاب السياسي لهذه الزعامات يصل لأقصى درجاته الدنيا و يفتح باب التأويلات على مصرعيه مع تواجد أحزاب سياسية لا تظم سوى كتل بشرية يجمع بينها روابط المصلحة الشخصية و الكذب و قضاء أشياء في نفس يعقوب , فروابط هذه الكائنات مع القواعد أساسها الهشاشة و عدم الإمتداد للعمق و الإقتصار على رياضة امتطاء الظهور و الإستغلال .
و بالعودة لمقتضيات الوثيقة الدستورية لفاتح يوليوز 2011 التي جادت علينا بعدة دلالات اجابية بشكل عام رغم الكثير من الأمور التي لم ترقى إلى مازدحت به الحناجر في الشوارع المغربية إبان تلك الفترة ’ لكن غياب إرادة سياسية حقيقية في ظل خمس سنوات الفارطة من عمر الحكومة الأولى جعل من تعطيل تفعيل مقتضيات الوثيقة الدستورية من أهم اختلالات تدبير هاته المرحلة و عدم الإتجاه نحو التأويل الديمقراطي لمضامينها الأمر الذي جعلنا أمام باب التطبيع مع الفساد و استمرار العيش مع بعض ممارسات الماضي و عدم تجاوزها .
فالرهان المطروح منذ ان انتهى عهد الحماية بالمغرب هو بناء إطار مؤسساتي قويم ينبني على تمثيلية ديمقراطية سليمة تنبع من إرادة شعبية حرة لكن في كل مرة يقف هذا الأمر أمام خيار الإخفاق و التعثر و الانكسار و العودة للوراء و لازال التاريخ يحتفظ بعدة صور و مشاهد قمة في البلادة في زمن كانت أجهزة المخزن هي المتحكم في العملية الإنتخابية و تلعب دور الحكم و الإختيار متخدة موقف العداء أمام التوجه الديمقراطي مما تركنا نسقط في كل مرة في براطين عدم الثقة و غياب الإرادة السياسة لتغير واقع الحال .
و بالعودة للتنظيمات الحزبية و الولوج في عمق تركيبتها البشرية و الفكرية نجد غياب تام لما يصطلح عليه بالديمقراطية الداخلية في تسير دواليبها و تدبير اختلافتها و تزكية مرشحيها بالإضافة إلى غياب تصورات لحلول بديلة لمشاكل المواطنين اليومية ( البطالة و التعليم و السكن و ارتفاع الأسعار ... ) فالنقاش الفكري و المعرفي داخل هذا الكيانات درب من دروب الخيال فتتشابه على المواطن و يصير التميز بينها منعدما و ينحصر الصراع القائم بينها حول المقاعد و المواقع و لترشيح أصحاب المال و الجاه رغم تلميعها المشهد من خلال مسرحيات محبوكة للقيام بحجب فراغاتها المؤسساتية .
محطة 7 أكتوبر هي محطة ستكشف لنا بالملموس هل دار لقمان لا زالت على حلها أم أن بسيس أمل سيرى النور ؟ و هل سنرى نخبا سياسية قادرة على القيام بدورها التشريعي على أتم وجه ؟ هل بإمكان الحكومة القادمة رفع مستوى التحدي و تجاوز تركات الماضي ؟؟ هل خيار تفعيل دستور 2011 بأبعاد ديمقراطية حداثية سيعلن وجوده بأفق بناء للذات و بوابة لنظام ملكي برلماني كما هو متعارف عليه ؟هل سنعود بالزمن للوراء و يتجسد خطاب العفو عن المفسدين و ناهبي المال العام أم سنعمل بشكل صارم وقوي بمبدء المسؤولية و المحاسبة ؟؟ هل سيتم خلق سياسية واضحة من أجل حل معضلة منظمتنا التعليمية و إعادة الإعتبار للمؤسسة العمومية أم أنه سيتم تكريس الخوصصة و توسيع الهوة بين الفئات المتمدرسة كما وكيفا ؟؟ هل سيتم تبني خيار اقتصادي تنموي حقيقي قادر على رفع شعار التطوير و الخروج من مستنقع الركود و الديون ؟؟ هل حقا سيتم الإجابة عن المطالب الشعبية في العمل و السكن و التربية و و و ؟؟ و هل ؟ و هل ؟ و هل ؟ .... كلها أسئلة مشروعة تتبادر في ذهن كل متتبع للمشهد السياسي المغربي آملا في مغرب أفضل قوامه كل القيم التي ترقى بالمجتمع لتبني أسس المواطنة الحقة , ليظل المستقبل هو الكفيل الوحيد بالإجابة عن جل هاته التساؤلات .