مصطفى المريني

جرت في الجزائر مؤخرا، "إنتخابات" رئاسية، لتجديد ولاية الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة على رأس هرم السلطة في الجزائر، وذلك للمرة الرابعة على التوالي، كما ينتظر أن تجري في مصر قريبا إنتخابات مماثلة لتنصيب المشير عبد الفتاح السيسي رئيسا للجمهورية المصرية إلى ما شاء الله. أليس هذا هو الوصف الصحيح لما جرى في الجزائر مؤخرا، ولما ينتظر أن يجري قريبا في مصر.؟ !

وحدها كلمة "إنتخابات" تبدو مقحمة في الوصف، وبلا مضمون تماما. هي موجودة شكلا فحسب، أما مضمونها فبعيد كلية عما شهدتها الجزائر في السابع عشر من أبريل، وما ينتظر أن تشهدها أم الدنيا. في مايو المقبل.

إذ المؤكد أن ما جرى في "إنتخابات" الرئيس بوتفليقة، وما ينتظر أن يجري في إنتخاب المشير عبد الفتاح السييسي لا يشبه في شيء مفهوم الإنتخابات كما هو متعارف عليه في الفقه والممارسة الدستورية والسياسية لدى الدول الديمقراطية، فمفهوم الإنتخابات في العرف الديمقراطي، يرتبط بآليات وشروط وتدابير أدناها تحقق عنصر المفاجأة في النتائج، وذلك نتيجة وجود (عدة) متنافسين. يختار الناخبون بينهم واحدا أو أكثر لتولي المنصب، وهذا ما يعطي للعملية الإنتخابية في إطارها الديمقراطي، ذلك البعد الحر و الشيق الذي يجعل كل ناخب يحس بأهمية دوره في ترجيح كفة هذا المرشح أو ذاك، فيندفع عن طواعية واقتناع وحماس إلى الإدلاء بصوته لإختيار مرشح معين يعتقد أنه الأجدر بتمثيله في مؤسسات الدولة.

والحال أن نتائج الإنتخابات التي جرت في الجزائر لتجديد ولاية عبد العزيز بوتفليقة للمرة الرابعة على التوالي، وكذا تلك التي ستجري في مصر لتنصيب الفريق عبد الفتاح السيسي رئيساً لأم الدنيا هي خلو من هذا المقوم الأساس للإنتخابات، لأن نتائجها هي معروفة سلفا أو بالأصح هي مطبوخة قبلا، وهذا إنتهاك فظيع لأهم "لغز" في اللعبة الإنتخابية: وهي معرفة النتائج، إذ المفترض في إطار الإنتخابات الديمقراطية أن تظل النتائج في طي الغيب إلى حين إغلاق مكاتب التصويت وفرز أصوات الناخبين من طرف لجنة خاصة تتوفر فيها كل مقومات الحياد والنزاهة، بموازاة إشراف القضاء على العملية الإنتخابية برمتها، للتأكد من صحة العمليات الإنتخابية وسلامتها. هذه هي إذن أعراف وقواعد الإنتخابات كما هي معطاة في الأنظمة الديمقراطية.
وبالقياس إليها فإن ما جرى في الجزائر وما سيجري في مصر لا يمت بصلة إلى الإنتخابات بالمعنى المشار إليه آنفا، فماذا نسمي إذن ما جرى في الجزائر وما سيجري في مصر؟
الأكيد أن ما جرى في الجزائر وما سيجري في مصر ليس "إنتخاب" بالمعنى الذي بسطنا آنفا، فهل هو إذن "بيعة" بالمعنى الذي إستقر في التجربة التاريخية الإسلامية، بغض النظر عن مقومات البيعة من الناحية النظرية والشرعية، حيث تغدو "البيعة" وسيلة لتكريس الأمر الواقع، وإحتفاء بوصول ذي سلطان جديد أو تجديد البيعة لذي سلطان قديم، بقطع النظر عن الكيفية التي وصل بها، أليس يقال في الأحكام السلطانية أن نصرة = بيعة المتغلب واجبة؟. ولكن لماذا لا يسمون ما يجري بهكذا وصف، خاصة وأن الفقه السياسي الإسلامي لا يعدم حججا في تأييدهم؟ ويتركون مفاهيم من قبيل الإنتخابات والديمقراطية في"التيقار"؟

إنهم لا يفعلون، لأنهم يريدون أن يخلعوا على ممارساتهم لبوس الديمقراطية والحداثة، وهي لبوس العصر التي لا يرتضى الناس عنها بديلا، أو على الأقل معظم الناس، لذلك يتمسحون بمفاهيم العصر لكي يخدعوا مواطنيهم ودول العالم من حولهم بأن وصولهم إلى السلطة إنما تم عن طريق الإنتخاب "وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون"، فيسمون الإستبداد "ديمقراطية"، وفرض الأمر الواقع على الناس "إختيارا"، والبيعة "إنتخابا".. وهكذا..بينما الواقع يشهد بأنهم ألد أعداء الديمقراطية، وأشد الناس خصومة لمتعلقاتها من الإنتخاب والحرية والعدالة والمساواة ..إلخ

ربما قد يحاجج البعض بأن تجديد ولاية عبد العزيز بوتقليقة على رأس السلطة في الجزائر، إنما تمليه ضرورة "وطنية وسياسية واستراتيجية هكذا"، كما أن تنصيب المشير عبد الفتاح السيسي رئيسا لأم الدنيا هو أيضا تمليه" ّضرورة وطنية وسياسية وإستراتيجية" علمها من علمها وجهلها من جهلها.طيب ليكن هذا، لكن لا تسموا هذا إنتخابا رجاء، لأن ذلك يسيء إلى مفاهيم جميلة مازالت تداعب خيال الملايين من المواطنين، وتشكل وسيلتهم إلى التغيير وبناء المجتمع الديمقراطي القائم على الحرية والإختيار كتعبير حر ومسؤول عن إرادة الناس في إنتخاب من يمثلهم في مؤسسات ديمقراطية ودستورية حقيقية لا مجازية.