أحمد دابا

لم يعد الإشراف السياسي لرئيس الحكومة عبدالإله بنكيران هو المطلب الوحيد دلك على الأقل ما تفي به تصريحات ومواقف كل من حزب الاستقلال
والاتحاد الاشتراكي ، فبعد الحركة السريعة في مواجهة حصاد وزير الداخلية المنتمي لفصيلة التكنقراط الدي حمل للبرلمان ما يفيد أنه هو من سيشرف على الانتخابات يومين قبل دلك ، أسرع بنكيران في الرد عقب دعوته الأحزاب السياسية المغربية لمقر الحكومة لمناقشة ترتيبات انتخابات 2015 ، والتي
جرى فيها التأكيد على أنه هو من سيشرف وحكومته على الانتخابات ، وهو بدلك سحب عمليا البساط من تحت تهديدات الحزبين المتحالفين حزب الاستقلال والاتحاد بمقاطعتهما الانتخابات في البلاغ الدي أصدره كل من المكتب السياسي للاتحاد واللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال في لقاء تنسيقي جمع
بينهما .
لكنهما اليوم وعلى ما يبدو يصران على صعيد الخطاب والتصريحات على الأقل وأخرها تصريح الكيحل عضو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال في برنامج
مباشرة معكم ليوم الأربعاء الماضي و الدي تبثه القناة الثانية على استبعاد وزارة الداخلية تماما، دلك أن الاستقلال والاتحاد يطالبان اليوم بإسناد الإشراف على الانتخابات لهيئة مستقلة ، وهم عمليا يرفضان حتى الإشراف التقني والإداري لوزارة الداخلية على الانتخابات .

فهل هي عودة لما سبق وجرى التخلي عنه نزاهة الانتخابات أولوية الأولويات في السابق من الانتخابات في ما ترجموه وقبلوه إجماعا على وزارة الداخلية مشرفا أساسيا؟ أم أن الأمر لا يعدو مجرد ارتباك أمام الدهاء السياسي الدي ميز تعامل بنكيران إلى حدود الساعة ؟

فإذا كان حزب الاستقلال والاتحاد قد أسس هجومهم وإستراتيجية فعلهماستنادا لمعارضتهم لحزب العدالة واعتبروا رهانهم في الانتخابات القادمة
هو إسقاطه ، فإن هده الإستراتيجية مسها كثير من غير المتوقع التحركات النشيطة للآلة الانتخابية الجهنمية وذات التاريخ العريق في أكثر من
موقع لصالح حزب البام ،لدلك بنكيران يعي أن الحزبان معا يريدان ويسعيان لتوريط هدا الأخير في معارك بالوكالة أو على الأقل إقحامه في معارك لا
يريد أن يقتحمها أو يعي أنها معارك ستستنزفه ، خاصة أن الاستقلال والاتحاد يصدران التصريحات والبلاغات ويتجنبان تضمينها العنوان أو
المرسلة إليه ، من هنا يمكن فهم إصرار بنكيران على أن يكون هو العنوان الوحيد لكل الرسائل التي سيجري ومن ألان توجيهها في سياق التسخينات
السابقة على الانتخابات القادمة ، وأخرها التحذير الدي أصر أن يوجهه لولاة وعمال المملكة منبها إياهم إن هم لم يلتزموا قواعد الحياد أنهم
سيتعرضون لما لا يحمد عقباه ، وكدا إصراره على تكرار أنه محملا بتوجيهات ملكية واضحة تجاه نزاهة ومصداقية الانتخابات القادمة .
في المغرب ليس الجديد هو أن يجري ولو شكليا إسناد الإشراف السياسي للانتخابات لرئيس الحكومة ، وإنما الجديد النوعي أن دلك يتم والإسلاميون
على رأس السلطة وبتناغم ولو غير صريح يصر الإسلاميون على إبرازه وكأنه تحالفا تاريخيا مع الملكية ، يخوض الإسلاميون معركتهم المقدسة هاته في ظل أوضاع إقليمية وجهوية مضطربة جرى فيها على الأقل استبعاد جماعات الإسلام السياسي في بلدين اثنين تونس ومصر ، ولدلك رهان العدالة والتنمية أكبر من أن يكون فقط رهان انتخابي صرف بل إنه رهان تطبيع تاريخي بين الملكية والإسلاميين في نسخة حزب العدالة والتنمية وبعض الأجنحة من الإسلام السياسي المتعاطفة معه .تحالفهم مع الملكية أو كسب ودها هو ضمانتهم الوحيدة ليكونوا ودائما رقما أساسيا في معادلات المشهد السياسي
المغربي .
في حين يظهر رهان خصوم هدا الحزب وكأنه استبعاد هدا الأخير أو على الأقل إقناع صناع المشهد السياسي من خلف الستار بالحاجة لإضعاف شوكته وتقزيم حجمه ونفوذه وامتداداته خاصة في الحواضر والمدن . ورغم أن لا أحد يمكن أن يحسم أو يملك أن يحسم بما فيهم رئيس الحكومة نفسه
إلى ما ستنتهي له توازنات ما بعد انتخابات 2015 و2016 ، فإن المؤكد أن مهندسي المشهد السياسي المغربي لديهم كل الأوراق وكل الخيارات ليصنعوا
خريطة سياسية تبقي على نفسه الوضع السياسي ولو إلى حين .

لدلك ستظل كل الرهانات مشدودة لحسابات مشهد سياسي يبدو أنه لن يتغير قريبا ولن يكون في حجم التحديات التي تنتظر وطنا يجر وراءه تجربة سياسية
معطوبة ، فبين رهان إسقاط بنكيران وحزبه أو إضعافه ورهان تلميع سلطة استبداد يحمي الفساد بقليل من الحداثة الاجتماعية وقليل من التلميع
لديمقراطية الواجهة ، سيظل سؤال انتقال المغرب نحو الديمقراطية معطلا أو يراوح مكانه، وسيظل أشكال النخب السياسية واستعداداتها للتخلي عن
الحسابات الصغيرة وأحيانا التافهة سؤالا مؤرقا .

ملحوظة لها علاقة بما سبق

بنكيران يصرح أمام مجلس المستشارين بكلام فيه إساءة للنساء العاملات حيث قال : " وحين تعود الثريات متأخرات بعد يوم عمل شاق يجدن الضوء لا يزال منطفئا والرجال في العتمة ممدين على الأريكة في انتظار الضوء " ، هدا التصريح حتى وإن بدا أنه شاعري وفيه نوع من التقدير للنساء فإنه في عمقه ومضمونه ينم عن عقلية رجل محافظ شرقي لا يرى للنساء من دور إلا المكوث في المنزل وإبقاء الأضواء مشتعلة في المطبخ وفي كل جدران وغرف المنزل ، وهو تصريح يستحق كل الشجب والاستنكار ويحتاج أكثر من وقفة واحتجاج لأنه يمس نصف سماء الوطن ، ويمس بمبدأ حاسم وجوهري في مبادئ وقيم الديمقراطية ممثلا في مبدأ المساواة الكاملة بغض النظر عن الجنس أو اللون أو الدين... ، وهو المبدأ الدي لا يستطيع لا بنكيران ولا غيره المس به أو إزالته لسبب بسيط أنه حفر ويحفر بقوة الواقع وتكشف عنه الوقائع والأرقام لنساء يعلن ألاف الأسر ويدرن بكفاءة ألاف الوظائف ، لنساء ينحتن الصخر عطاء ومساهمة في اقتصاد بلد تنخره المحسوبية والريع . 

لكن أن تتحول الوقفات ضد أصولية بنكيران وبتضخيم مقصود وغير حقيقي هدفه تبرير قبولنا بقليل من الديمقراطية مقابل قليل من الحرية ، أو بادعاء
كاذب انتماء لحداثة وليبرالية تسقط أمام أول امتحان في مواجهة أصولية المخزن واستبداد السلطة فدلك ما لا يمكن أن ينطلي إلا على السذج ، بعض
القضايا تضعك مباشرة أمام كثير من نفاق نخب لا ترى ضررا أن تعيش الازدواجية ديمقراطية يوما ومدافعة عن الاستبداد يوما ، حداثية طورا
وتقليدية محافظة طورا أخر .