ينص الفصل الثامن من دستور 2011 على أن "تساهم المنظمات النقابية للأجراء والغرف المهنية، والمنظمات المهنية للمشغلين، في الدفاع عن الحقوق والمصالح الاجتماعية والاقتصادية للفئات التي تمثلها، وفي النهوض بها. ويتم تأسيسها وممارسة أنشطتها بحرية، في نطاق احترام الدستور والقانون. يجب أن تكون هياكل هذه المنظمات وتسييرها مطابقة للمبادئ الديمقراطية..." وتخضع هذه المؤسسات في سياق تأسيسها ونشأتها الى القوانين، والتي تحدد كيفية تشكيلها عبر آلية الانتخابات.
كما تأتي انتخابات المنظمات المهنية لسنة 2015 في إطار استكمال بناء المؤسسات الدستورية التي نص عليها دستور ما بعد الربيع العربي، فبعد انتخابات الأجراء التي تمت في يونيو 2015، جرت يوم الجمعة 7 غشت 2015 انتخابات الغرف المهنية-غرف الصناعة التقليدية، غرف التجارة والصناعة والخدمات، غرف الفلاحة، غرف الصيد البحري- من أجل التجديد العام لممثلي المهنيين داخل هذه المؤسسات، وتعد هذه أول انتخابات في ظل الدستور الجديد الذي كرس الجهوية الموسعة، حيث جرت هذه الانتخابات حسب التقسيم الجهوي الجديد للغرف المهنية، بعدما كانت شبه إقليمية (من 28 غرفة للتجارة و الصناعة و الخدمات 12 غرفة ، ومن 24 غرفة للصناعة التقليدية إلى 12 و من 16 غرفة للفلاحة الى 12).
كما أن انتخابات الغرف المهنية تكتسي أهمية خاصة، بحكم أنها أفرزت الهيئة الناخبة التي ستختار ممثليها في مجلس المستشارين، والذي خصص للغرف المهنية 20 مقعدا، كما يمكننا أن نستنتج من نتائجها اتجاه التصويت لباقي المحطات الانتخابية المقبلة.
إن قراءة أولية لنتائج هذه الانتخابات، تجعلنا نبدي ملاحظات نعتبرها غاية في الأهمية، فالنتائج التي أعلنتها وزارة الداخلية تبرز احتلال حزب الأصالة والمعاصرة للمرتبة الأولى، بزيادة 16 مقعدا لرصيده عما حصل عليه في 2009، فيما الحزب الذي أضاف أكبر عدد من المقاعد الى خزانته مقارنة مع انتخابات 2009 يبقى هو حزب العدالة والتنمية، الذي انتقل من 81 مقعدا الى 196 مقعدا خلال هذه الانتخابات، و ذلك بكسبه ل115 مقعدا إضافيا، فيما صنف "حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية" كأكبر حزب خاسر في هذه الانتخابات، حيث فقد ما مجموعه 75 مقعداً مقارنة مع انتخابات 2009، و كذلك كان الحال بالنسبة لحليفه في المعارضة حزب الاستقلال، والذي خسر 28 مقعداً. كما أن حزب علي يعتة واحد أحزاب الأغلبية الحكومية يعد ثاني أكبر مستفيد، حيث كسب 49 مقعدا جديدا، فبعد أن كانت عدد مقاعده في الانتخابات السابقة 59 مقعداً، فاز في هذه الانتخابات ب 108، فيما كسبت الحركة الشعبية 42 مقعداً، بينما فقد التجمع الوطني للاحرار 5 مقاعد، وحظي حزب الاتحاد الدستوري ب 4 مقاعد إضافية مقارنة بنتائجه لسنة 2009، لتقتسم الأحزاب الأخرى المقاعد المتبقية، مع تسجيل حصول اللامنتمون على 285 مقعد.
إن الحديث عن وجود خروقات واستعمال بيّن للمال وغيرها من السلوكيات غير القانونية في استمالة الناخبين - تصريحات لزعماء بعض الاحزاب – لا يمنع من إبداء الاستنتاجات التالية :
أولا: تسجيل أحزاب الاغلبية (التجمع، الحركة، العدالة والتنمية، التقدم والاشتراكية) تقدما ملموسا في نتائجها بزيادة 206 مقعدا مقارنة بنتائجها في 2009، بينما لم تفقد إلا خمسة مقاعد، وهي إشارة على أن ما تتخذه الحكومة من قرارات وتبدو غير شعبية، لم تؤثر على صورتها لذى جزء مهم من الرأي العام يشمل التجار الصناع الفلاحين وكل المهنيين ...
ثانيا: احزاب المعارضة (الأصالة والمعاصرة ، الاستقلال، الاشتراكي، الدستوري) وبالرغم من حفاظها على الصدارة، إلا أن مقاعدها تراجعت، وفقدت أكثر من 90 مقعد مقارنة بسنة 2009 . فباستثناء الأصالة والمعاصرة والذي أضاف مقاعد جديدة، مع انتقاله من المرتبة الثانية في2009 إلى المرتبة الأولى في 2015، وهي نتيجة كانت متوقعة على اعتبار أن كل التوقعات كانت تشير إلى أنه سينافس على المراتب الأولى في المحطات الانتخابية المقبلة، في حين يبدوا ان الإشكالات التنظيمية التي عرفها حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي قد اثرت على نتائجهما.
ثالثا: نسجل أن حزب العدالة والتنمية ضاعف عدد مقاعده بالمقارنة مع 2009، بالرغم من احتلاله الرتبة السادسة، وهنا نختلف مع من يقول بان نتائج الغرف المهنية تعد مؤشر " العقاب" للحزب الحاكم، فالتقدم في عدد الأصوات الذي حققه الحزب، يمكن قراءته بالإيجابي، إذا ما استحضرنا خصوصية هذه القطاعات، باعتبارها مجالات ظلت محفوظة للأعيان و متمرسي الانتخابات، بل يحسب للعدالة والتنمية اقتحامه لهذا المجال الذي ظل حكرا على الأحزاب التي ترشح الأعيان (أصحاب الشكارة).
رابعا: التراجع الكبير لحزب الاتحاد الاشتراكي : لا شك أن ما عرفه حزب الإتحاد الاشتراكي من تصدع وانشقاق كبيرين، قد كان لهما بالغ الاثر على نتائجه في هذه الانتخابات، ولا شك أنه سيكون له نفس التأثير في الانتخابات المقبلة الجهوية والجماعية و مجلس المستشارين، بما يعني أن الحزب يسير بخطى ثابتة نحو الانحدار وتذيل الترتيب، ليحقق ادريس لشكر مشروع انهاء حزب سي عبد الرحيم.
لا يمكن ابدا قراءة نتائج انتخابات الغرف المهنية بعيدا عن السياق التاريخي الذي أوجد فيه المخزن هذه المؤسسات، فهي بمثابة خزان انتخابي يلجئ إليه كلما دعت الضرورة لذلك، كما أنها بمثابة السلاح الذي يجلد به الخصوم من خلف الستار، كما حدث مع مسيرات حركة 20 فبراير، عندما تعبأ عدد كبير من رؤساء هذه الغرف للقيام بالهجوم على مسيرات الحركة، وكيل التهم للمناضلين، كما أنها مؤسسات يتم فيها ترضية الأعيان وخدام المخزن المغضوب عليهم من تسيير الجماعات أو المنهزمين في الانتخابات البرلمانية.