يوسف المساتي

في يوم التاسع والعشرين من أكتوبر سنة 1965 شهد العالم اختطاف المناضل الأممي المهدي بنبركة، عن عمر الخامسة والأربعين، قضى منها أكثر من 30 سنة مناضلا من أجل تحرر المغرب، سواء من الاستعمار التقليدي، أو الاستعمار في صورته الجديدة، وعرف خلالها تحولات فكرية عميقة، ساهمت في تحوله من مناضل وطني، إلى مناضل عالمثالثي، بعدما اكتشف ذلك التلازم الموجود بين الاستعمار والرأسمالية، وقدرتها على التمويه عن حقيقتها في أشكال وأنماط مختلفة، ما يستلزم بالتالي توحيد النضال ضد "رأس الحية" في أفق تحرير العالم الثالث من قبضتها.

وبعد مرور أكثر من نصف قرن على عملية الاختطاف، لازالت الأسئلة الحارقة التي طرحها بنبركة تطرح نفسها بشكل أو بآخر، ولازال اليسار الذي ساهم بنبركة في تأسيسه، ووضع أسسه النظرية والفكرية، يتخبط في دوامات عديدة، ويجتر أخطاء الأمس معانيا من تيه فكري وسياسي.

ونعتقد اليوم أن تخليد ذكرى المهدي بنبركة يجب أن يتجاوز القراءة التاريخية التبجيلية -والتي لن تؤدي سوى لتكرار نفس الأخطاء- ليصل إلى مستوى الرصد، والنقد، والتفكيك، ولسنا نزعم أننا سنقوم بهذا العمل الجبار المحتاج لجهد مؤسساتي، بقدر ما سنحاول رصد أبرز الرؤى الفكرية للمهدي بنبركة، ورصد مدى امتداداته في يسار اليوم، ونطرح بعضا من الأسئلة الملحة والمقلقة التي علينا مواجهتها بكل موضوعية وجرأة.
المحور الأول: أبرز جوانب فكر المهدي بنبركة

تصعب الإحاطة بكل جوانب فكر المهدي بنبركة، بسبب التعدد والغنى الذي طبعه، ولجمعه بين الممارسة والتطبيق، ما يجعل من تقصي فكره أمرا صعبا، بيد أن تقرير الاختيار الثوري الذي رفعه المهدي بنبركة إلى سكرتارية حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية (ماي 1962) يشكل مصدرا أساسيا لمحاولة الإحاطة بأبرز محاور فكر المهدي بنبركة ورؤاه وتصوراته، والتي يجب أن نشير إلى أنها قد تميزت بثلاث مميزات أساسية:

1- النظرة الشمولية

تميز المهدي بنبركة بنظرة شمولية، جعلته ينظر إلى مختلف القضايا والظواهر، في ارتباطها ببعضها البعض، وتداخلاتها، وعلاقاتها المعقدة، فنجده مثلا يربط تحرر المغرب بالجزائر، وباقي بلدان العالم الثالث، ويربط بين الديمقراطية والاقتصاد والتحرير، وهكذا دواليك.

2- منهجية التحليل العلمي

من خلال تبني المهدي بنبركة للاشتراكية العلمية، وتمكنه من أساليب الرصد، والتحليل، والدراسة، ما جعل نظرته أشمل، وأعمق، إذ تبدو انعكاساتها جلية في ممارسته وفي فكره وتنظيره.

3- النقد الذاتي

لقد امتلك المهدي بنبركة جرأة النقد الذاتي لمساره، ومسار الحركة الوطنية، ولخص الأخطاء القاتلة الثلاث التي أدت الى تردي الوضع في:
 نصف الحل: والذي تم في اكس ليبان مع ادراك الاستعمار لوصول الحركة الثورية في المغرب إلى منعرج هام، تميز باندماج الطبقة العاملة في الحركة الوطنية، وظهور حركة ثورية مسلحة في البوادي، ومقاومة في المدن، واقتران الحركة المسلحة المغربية بالجزائرية، في أفق امتدادها الترابي. قبل أن تؤدي ايكس ليبان إلى خيبة أمل لدى شرائح واسعة مسببة بذلك نكوصا نضاليا لدى فئات واسعة، بسبب المسار الذي اتخذته، عوض أن تؤدي إلى أفق أرحب للعمل الوطني، وقعت الحركة ساذجة في فخ الاستعمار.
 الإطار المغلق لمعارك ما بعد الاستقلال: سواء داخل اللجنتين التنفيذية والسياسية لحزب الاستقلال، أو داخل أروقة القصر الملكي، والتي عرفت مساومات انتهازية، ومؤامرات ضد جيش التحرير وكل القوى الحية، في حين كانت تستوجب طبيعة المرحلة التاريخية الكشف عن كل تلك الخفايا لتوفر الكثير من العناء، ومن المؤامرات والدسائس على القوى الفاعلة في البلاد.
 عدم وضوح الخط الايديولوجي: وهو ما أدى بحسب بنبركة إلى عدم وضوح أفق التنظيم، ولا أفق المعركة، رغم جلاء الصورة السياسية للقوى المتصارعة، إلا أن الغموض، والتذبذب والضبابية ظلت تلف الخط الايديولوجي للتنظيم.
لقد تظافرت هذه العوامل الثلاثة، لتبلور فكر المهدي بنبركة، وتطور تصوراته ورؤاه، التي يمكن اجمالها فيما يلي:

1- ارتباط الاستعمار بالرأسمالية:

ذلك ان التلازم بين الاستعمار والرأسمالية أفضى إلى محاولة تغييرهما من بنيتهما، عبر منح استقلالات شكلية، وتقديم مساعدات تضمن تبعية الدول "المستقلة" بشكل كلي للدول المستعمرة، أو خلق كيانات مصطنعة، مبرزا أن هذا التحول جاء إثر صراع داخل المعسكر الاستعماري، بين القوى المتمسكة بالشكل المباشر للهيمنة، وقوى ليبرالية ترى أن النظام الرأسمالي قد تغلغل في الدول المستعمرة لدرجة يستحيل معها الرجوع عنه.
وقد استعان كل تيار بفئات اجتماعية تسانده، ففي حين تحالف المعمرون العقاريون مع الاقطاعيين والموظفين الكبار، تحالف الليبراليون مع البرجوازية الناشئة الطامحة إلى السيطرة على زمام الدولة "المستقلة"، وعلى هذا فإن ما عرفته افريقيا من استقلالات لم تكن سوى انتصارا للتيار الاستعماري الليبرالي، على حساب تيار الحكم المباشر.
ذلك أن أي استقلال يستمر في الحفاظ على خصوصيات المجتمع الاستعماري القديم، تحت عناوين وأسماء جديدة، لن يكون إلا مخادعة وتمويها فقط لا غير، ما يفرض التنسيق بين شعوب العالم الثالث.
2- ترابط الوضع بين المغرب والجزائر:
أبرز المهدي بنبركة أن مستقبل الثورة الجزائرية ونجاحها يهم المغاربة والمنطقة المغاربية، بسبب محاولات الاستعمار التركز فيها، وخلق قوة ثالثة، تستنسخ أخطاء التجربة المغربية، وترهن المنطقة ككل للاستعمار الجديد، اضافة إلى الخطأ الذي سبق للمغاربة ارتكابه أثناء حرب التحرير، مؤكدا تلازم مصير الشعبين ومستقبلهما.

3- الوضع الطبقي في المغرب

أكد المهدي بنبركة أن الشرط الأساس لنجاح أي حركة ثورية هو التحليل العلمي الشامل والدوري للمجتمع، لتوفير تصور عام يكون مفتاح أي مشروع تحريري، وفي هذا السياق حدد المهدي بنبركة أربع طبقات تميز الوضع الطبقي لتلك الفترة وهي:
 القوى الشعبية، المكونة أساسا من الطبقة العاملة، والمحتاجة للتوضيح بين الفعل النقابي والسياسي.
 البرجوازية المتوسطة والصغيرة، والتي أصيبت بانتكاسة عقب الاستقلال الشكلي ما جعلها في حالة ركود عن متابعة النضال.
 صغار الفلاحين والمحرومين، المفتقدين لأي تأطير أو تعبئة تجعل منهم قوة ثورية.
 الحكم، وكل القوى المتحالفة معه، من القوى الاقطاعية، والبرجوازية الكبرى، الممسكة بالمجتمع، والمعرقلة لأي إصلاح حقيقي.
انطلاقا من هذا لخص المهدي بنبركة مهام الحركة النضالية اليسارية في 3 مهام أساسية:

1- الديمقراطية

مميزا بين ديمقراطية مزيفة فلكلورية للاستهلاك الخارجي، وديمقراطية حقيقية، تقوم على أساس دستور ضامن لممارسة الحريات، محددا لمختلف السلط، ومسؤولياتها، ومؤسسات شرعية مسؤولة أمام الجماهير الشعبية، وتصفية الحكم المطلق، واضعافه، في أفق تصفية حلفائه الاقطاعيين والبرجوازيين.
مؤكدا على استحالة قيام أي تعاقد مع القوى المحافظة، دون برنامج واحد محدد، لا يرهن العناصر التقدمية للحكم،ولا يحولها لمجرد مؤثثة ومشرعنة للاستبداد.

2- الكفاح ضد الاستعمار

مؤكدا على تلازم الكفاح الخارجي والداخلي ضد الاستعمار والرأسمالية، للوصول إلى تحرر كامل، عبر التضامن مع مختلف الحركات الثورية، لمقاومة الاستعمار خاصة في النطاق المغاربي والافريقي، تحت شعار الحياد الإيجابي، والوحدة التي باتت تفرض نفسها كضرورة وجودية.
والكفاح الداخلي، عبر القطع مع مخلفات السيطرة الأجنبية، وإنهاء التبعية الاقتصادية، والثقافية، وتحقيق مجتمع متكامل.
3- الافق الثوري

وهو مجموع النتائج المتوخاة من النضالات ضد الاستعمار والاقطاع، ولإقرار الديمقراطية للوصول لحل صحيح لمشكلة الحكم، وإقامة مؤسسات سياسية تمكن الجماهير الشعبية من رقابة ديمقراطية على أجهزة الدولة، وعلى توزيع عادل لثرواتها، وانتاجها، والتأسيس لاقتصاد مستقلـ يقطع مع كل مظاهر التبعية.

4- الأداة الثورية (الحزب)

اشترط المهدي بنبركة لتحقيق كل ما سبق، وجود أداة ثورية، متماسكة تنظيميا، مع ضرورة الاهتمام بالتربية الايديولوجية، من خلال دراسة القوانين العلمية، والتجارب الثورية، واستحضار التراث العربي الاسلامي، وضرورة التغلغل في أوساط كل الفئات الشعبية، مؤكدا على أن أي تنظيم لا ينطلق من أفق استراتيجي، مقسم على أهداف مرحلية يكون مصيره إما أن يصبح مجرد تنظيم انتهازي، أو أداة في يد خصومه، ملحا على ضرورة قابلية التنظيم للتكيف السريع مع متطلبات كل مرحلة، وتحديد الشعارات التي تجند الجماهير، مع ضرورة توضيح أبرز الشروط التي لا يمكن التنازل عنها.
كانت هذه إذا أبرز تصورات المهدي بنبركة ورؤاه الفكرية، ونحن في هذا المقام نعتقد أنه يحق لنا –بل يبدو واجبا- التساؤل حول مدى ارتباط يسار اليوم بفكر المهدي بنبركة؟ ومدى استمراريته وافاقه ورهاناته.

المحور الثاني: يسار اليوم وفكر المهدي بن بركة

على مدار نصف قرن قدم اليسار تضحيات جسام، وخط بدماء شهدائه صفحات على دفتر النضال، من أجل الكرامة والحرية، بيد أنه وإثر هزات عنيفة، سيدخل اليسار في حالة نكوص حولته من لاعب مهم، وطرف أساسي في المعادلات السياسية والاجتماعية، إلى مجرد لاعب احتياطي، أو مؤثث لمشهد سياسي عفن.
وهنا يحق لنا التساؤل عن مدى تمثل اليسار المغربي لفكر المهدي بنبركة؟ وهل تمكن من تلافي الأخطاء السابقة؟؟ أم أنه لم يقم سوى باجترارها وتكرارها؟؟
1- اليسار والنقد الذاتي
لقد كان النقد الذاتي واحدا من أهم مميزات فكر المهدي بنبركة، ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا أنه –النقد- كان هو ما ساهم في انضاج وبلورة فكره، فهل يتوفر يسار اليوم -بعد مرور أكثر من نصف قرن على اختطاف المهدي بنبركة- على جرأة القيام بنقد جذري وشامل لتجربته، بكل مطباتها وانكساراتها ونجاحاتها –اذا وجدت-؟ هل يتوفر اليسار المغربي على جرأة نقد أسسه ومرتكزاته؟ بعد كل التغييرات المتوالية التي عرفها العالم ككل، والتحولات التي طرأت على مختلف البنى والأنماط؟ ألم يعمل اليسار على استنساخ واعادة اجترار نفس الاخطاء؟؟
إن سؤال النقد الذاتي، يبدو مطلبا عاجلا، وجادا، أكثر من أي وقت مضى، خاصة بعد تجربتين أساسيتين مر منهما اليسار بشتى أقطابه، تمثلت التجربة الأولى في دخول جزء من اليسار المغربي في تجربة التناوب، أما الثانية فتمثلت في مشاركة جزء من اليسار في الحراك الشعبي الذي عرفه المغرب سنة 2011.

2- اليسار بين حكومة التناوب وحركة عشرين فبراير

ونحن نستحضر مسار اليسار وعلاقته بفكر بنبركة، لا بد أن نتوقف عند دخول جزء من اليسار في حكومة التناوب التوافقي، والذي أدى إلى هزات عنيفة، انعكست على اليسار المغربي ككل، ويحق لنا هنا التساؤل: ألم تكن المشاركة في حكومة التناوب اعادة إنتاج لنفس أخطاء المشاركة في حكومة عبد الله ابراهيم؟؟ ألم يفض تجميد المطلب الدستوري والدخول في توافقات وتعاقدات غير واضحة مع القوى المحافظة، إلى فشل تجربة عبد الله ابراهيم، ليعيد اليوسفي انتاج نفس الفشل –من ذلك مثلا قبوله بوجود ادريس البصري في حكومته-؟ رغم أن المهدي بنبركة سبق وأن اكد على استحالة نجاح أي حكومة يسارية في ظل هذه الشروط؟؟ وبالتالي إلى أي حد استفاد هذا الجزء من اليسار، ووعى بأخطاء الماضي؟ وإلى أي حد تمثل تجربة عبد الله ابراهيم، والنقد الذاتي الذي وجهه المهدي بنبركة لهذه المشاركة.
ثم ألم تسبب مشاركة جزء من اليسار في حكومة التناوب التوافقي نكوصا نضاليا داخل المجتمع المغربي؟؟شبيه بذلك الذي حدث بعد الاستقلال؟؟ وإلى أي حد نجح اليسار "الممانع" في ملأ فراغ ما بعد التناوب؟؟ والتكيف مع المرحلة؟ والإجابة على أسئلتها الملحة؟؟ ولماذا فشل اليسار الممانع في استثمار حركة عشرين فبراير لإضفاء زخم نضالي عليها؟؟ وهل امتلك اليسار القدرة على التأقلم مع متطلبات مرحلة ما قبل عشرين فبراير وما بعدها؟؟ وتمكن من استيعاب مناورات الحكم وحلفائه، أم أنه ظل مجرد رد فعل وصدى فقط لا غير؟؟

3- اليسار والخط الايديولوجي

سبق للمهدي بنبركة في نقده الذاتي، أن أشار إلى أن ضبابية الخط الايديولوجي قد أدت إلى ضبابية الأفق والرؤية، وإذا كان اليسار قد تبنى فيما بعد الماركسية، فإلى أي حد استطاع اليسار مواكبة مجمل التحولات التي عرفها هذا الفكر؟؟ ألم تتجه محاولات النقد اليساري إلى نقد التجارب التاريخية –الاتحاد السوفياتي مثلا- أكثر من توجهها لنقد أسس ومنطلقات ومرتكزات الفكر الماركسي؟؟ وبالتالي ألم يعد اليسار انتاج خطاب ينطلق من فكرة الأصل النقي والتجارب التحريفية؟؟.
فإذا كان من الممكن أن نتفق على أن الفكر الاشتراكي هو الأكثر قدرة على تحليل ودراسة آليات الرأسمالية وقوانينها ونقدها في أفق تجاوزها، لكن ألن يكون اعتبار هذا الأمر معطى نهائيا نوعا من الدوغمائية الفكرية؟؟ ألا يتطلب المنهج الاشتراكي إعادة نظر جذرية وشاملة، في ظل كل التغييرات التي عرفتها طبيعة النظام الرأسمالي؟ وانتقاله من المجتمع الصناعي صوب المجتمع التكنولوجي ثم الرقمي (الافتراضي)؟؟ وبالتالي تغيرا كبيرا لطبيعة العلاقات بين قوى الإنتاج وعلاقاتها؟؟ والتغيرات التي مست مفهوم الصراع الطبقي؟ ألا يحتاج اليسار المغربي إلى القيام بنقد جذري شامل لأسسه الايديولوجية، ومرتكزاته، ومنطلقاته الفكرية؟؟ في أفق إعادة بناء هوية واضحة المعالم، بأفق نضالي واضح؟؟

4- اليسار والسلطة

كانت مسالة الكفاح ضد السلطة، عنصرا أساسيا في فكر المهدي بنبركة وممارسته، وقد ورثها اليسار، مقدما في سبيل ذلك تضحيات جسيمة، بيد أنه مع كل التحولات التي عرفها العالم ككل والمغرب من بينها، يحق لنا التساؤل: ألازال مفهوم السلطة بالشكل الذي صوره المهدي وتبناه اليسار قائما؟؟ أم أنها تحولت من سلطة مركزية، إلى سلطة متشظية استوطنت كل المجالات والعلاقات والقوى والسلوكات؟؟ وبالتالي تتحول مقاومة السلطة إلى مقاومات، تتعدد وتتنوع، بتنوع أشكالها، واختلاف مواقعها وأماكنها؟؟
ألا تفرض مجمل التحولات التي عرفتها السلطة وأنماطها ومواقعها على اليسار إعادة تحديد عميق لمفهوم الصراع؟؟ وتحديد مستوياته؟؟ ومجالاته؟.
5- اليسار والمجتمع

ألح المهدي بنبركة على القيام بتحليلات دورية وعلمية للمجتمع المغربي، فإلى أي حد تصدى اليسار لهذه المهمة؟ وإلى أي حد اتسمت تحليلاته بالعلمية والموضوعية؟ وهل تمكن اليسار من تجديد مفاهيمه وأدواته ومناهجه؟؟ أم أنه ظل أسير قوالب جاهزة، وأنماط جامدة؟ جعلت اليسار يعزف بعيدا عن التحولات العميقة التي عرفها المجتمع المغربي؟؟

وإذا كان بنبركة قد ألح على ضرورة التأقلم مع طبيعة المجتمع، والقدرة على تجديد الشعارات القادرة على اجتذاب الجماهير؟؟ فإلى أي حد نجح اليسار في هذه المهمة؟؟ أم أنه لازال رهين شعارات تجاوزها التاريخ، وأساليب نضالية فقدت بريقها؟ وقدرتها على جلب الجماهير؟؟ بل ربما أصبحت منفرة لها؟؟ وهل لازال اليسار محتفظا بقدرته على التوغل في الهوامش والبوادي والنزول من نخبويته صوب الشعب؟؟
6- اليسار والافق الثوري

ألح المهدي بنبركة في غير ما مناسبة، على ضرورة وجود تنظيم سياسي بخط ايديولوجي واضح، وتماسك تنظيمي، وتربية ايديولوجية، وأفق واقعي، وفي خضم ما يعرفه اليسار من تشظ، وتفتت تنظيمي، وغياب واضح للأفق، وضبابية هوياتية ناتجة عن عدم قدرة اليسار على التأقلم مع التحولات السريعة للعالم خاصة بعد انهيار المعسكر الشرقي، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة نقد هذه الأداة الثورية "الحزب"، والبحث عن السبل والوسائل الكفيلة بتجاوز الشتات التنظيمي والتشرذم، الذي يعاني منه اليسار، واعادة الاعتبار للعمل السياسي ولليسار خاصة في ظل حقل سياسي تم تمييعه وافقاده لمصداقيته وتحول جزء من اليسار إلى لعب دور "معارضة صاحب الجلالة" بتعبير المهدي بنبركة عندما قال : "وإمّا أن نكتفي بانتقاد الأسلوب الذي تسير عليه السياسة الإصلاحية، دون التعرض للوضع في مجموعه، وتكون إذ ذاك عملية نقد الجزئيات دون التجرؤ على المساس بمنابع الفساد، من قبيل ما يسمى منطقيا «معارضة صاحب الجلالة»".

حتى لا نخون دماء الشهداء: نحو يسار جديد

بعد انكشاف عورة الرأسمالية في كل تجلياتها وأبعادها، وسقوط ورقة التوت الأخيرة عن التيارات السياسية الدينية، المتحالفة مع الاستبداد، والقوى الاستغلالية، تبدو الحاجة ماسة أكثر من أي وقت مضى إلى يسار قوي، ويجب أن نشير هنا إلى تأسيس فيدرالية اليسار المغربي من طرف ثلاث أحزاب يسارية (حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، حزب اليسار الاشتراكي الموحد، المؤتمر الوطني الاتحادي)، والتي جاء في أوراقها التنظيمية أنها جاءت كإجابة عن الأسئلة المطروحة على اليسار المغربي.
ونعتقد أن أولى المهام المطروحة على فيدرالية اليسار الديمقراطي، وعلى كافة القوى اليسارية الحقيقية أفرادا وهيئات، هي تكوين قطب يساري قادر على إعادة النفس النضالي لروح المواطن المغربي، وتجاوز كل النكسات التي أصيب بها. وتجديد الفكر اليساري وتحيين أسسه ورؤاه ومنطلقاته، والنأي عن القراءة التبجيلية الجامدة لتاريخ النضال اليساري، ولفكر بنبركة وبنجلون وغيرهما، حتى لا نضيع فرصة تاريخية أخرى وحتى لا نخون دماء الشهداء.