عندما تم الإعلان عن تأسيس فيدرالية اليسار في مارس 2014، كان ذلك بمثابة محاولة لإعادة الروح إلى بيت العائلة الرفاقية التي عرفت كثيرا من التشرذم والتمزق خلال السنوات الأخيرة. فالأحزاب الثلاثة المشكلة للفيدرالية تتقاسم مجموعة من المواقف والقناعات، وهي تسعى إلى بناء مغرب ديموقراطي يكفل الكرامة ويصون الحقوق ويحقق العدالة الإجتماعية، كما أنها تضع الملكية البرلمانية كسقف لأفقها النضالي. لذلك فإن اجتماعها تحت مظلة سياسية مشتركة من شأنه أن يمنح لها القوة للنضال من أجل تحقيق مشروعها السياسي والإقتراب من نبض الشارع.
لقد أدركت أطياف الفيدرالية ( اليسار الإشتراكي الموحد، والمؤتمر الوطني الإتحادي، والطليعة الإشتراكي الديموقراطي) أن التغيير لا يتأتى عبر رفع الشعارات الرنانة وصياغة البيانات الثورية داخل أروقة الإجتماعات والمؤتمرات، بل يتحقق فقط من خلال التواصل مع المجتمع والإنخراط الفعلي في تفاصيل الشأن العام، لذلك اختارت قيادات الأحزاب الثلاثة أن تشارك في الإنتخابات الجماعية والجهوية الأولى من نوعها بعد دستور 2011 في خطوة قد لا تبدو مفاجئة للمتتبعين، لكنها أثارت كثيرا من القيل والقال داخل الأوساط الشعبية التي تتعاطف مع المشروع السياسي لمكونات الفيدرالية بين مرحب بهذه الخطوة ورافض لها.
مشاركة التشكيلات الحزبية المكونة لفيدرالية اليسار في الإنتخابات ليست جديدة، فقد اختارت نفس الأحزاب خلال الإنتخابات الجماعية لسنة 2009 أن تشارك بلون سياسي واحد تحت يافطة ما كان يعرف آنذاك ب " تحالف اليسار الديموقراطي"، ثم تواصل هذا التحالف بعد ذلك عندما اختارت الأحزاب الثلاثة مقاطعة لحظة الإستفتاء الدستوري في يوليوز 2011. إلا أن ربيع الود بين أقطاب التحالف سرعان ما انتهى عندما قرر أحد الشركاء-وهو حزب المؤتمر الوطني الإتحادي- المشاركة في انتخابات 25 نونبر 2011 التشريعية التي خرج منها بخفي حنين، وذلك في الوقت الذي تواصل فيه خيار المقاطعة كموقف ثابت لدى الشريكين الآخرين.
قراءة موقف المشاركة في الإنتخابات الحالية على ضوء معطيات هذا الخط الكرونولوجي القصير، تثير بعض الأسئلة والشكوك حول دلالته وجدواه. إذ يبدو أن مكونات الفيدرالية تعيش مخاضا داخليا يفرز ترددا واضحا في التعاطي مع الواقع السياسي الذي تعرفه بلادنا، فهي تدرك أن المناخ العام لا يسمح لها بالإمتداد في الشارع، لأنها لا تستطيع مقارعة الأحزاب التقليدية التي تمتلك تجربة واسعة في تدبير الإنتخابات بالرغم من أنها لا تمتلك قاعدة حزبية منخرطة، لكنها تدرك أيضا أن غيابها عن الساحة لا يغير من واقع الحال شيئا، بل يكرس نفس السلوكات والممارسات ويفسح المجال أمام سماسرة السياسة لمزيد من النفوذ والتحكم.... وقد سبق للأحزاب السياسية الثلاثة أن أجمعت في تبرير موقفها المقاطع لاستحقاق فاتح يوليوز 2011 على وصف الدستور الجديد ب"الممنوح"، لأنه لا يحقق تطلعات المغاربة نحو الديموقراطية الحقيقية التي لا يمكن الوصول إليها إلا عبر ملكية برلمانية تقطع مع سلوك التحكم المخزني، ولأنه فوت على المغرب فرصة تاريخية للقطع مع الماضي فما الذي تغير منذ يوليوز 2011؟.
لهذا السؤال مشروعيته بالنظر إلى أن العملية الإنتخابية التي اختارت الفيدرالية المشاركة فيها هي نتاج لمقتضيات دستورية ترفضها الأحزاب الثلاثة. كما أنها تأتي في سياق مغربي لم يقطع بعد مع مجموعة من السلوكات سواء تلك التي تنتهجها الدولة ( التضييق على دعاة المقاطعة مثلا)، أو تلك التي ينتجها الفاعل الحزبي كما تتجلى في الحملات الإنتخابية التي تستخدم فيها كل وسائل الإستقطاب المشروعة وغير المشروعة، والتي تسيئ لنزاهة وحرية الإختيار الإنتخابي... وهذا يعني من حيث المبدأ أن خيار الإنخراط في هذه العملية (على علاتها)، هو في حد ذاته تراجع غير معلن عن الإيديولوجيا السياسية لمكونات اليسار "المتردد" الذي يناضل من أجل مغرب ديموقراطي هو مقتنع بأنه بعيد المنال في ظل الشروط الحالية، ومع ذلك يقبل بقواعد اللعبة راضيا أو صاغرا.
للسياسة أحكامها. وعلى هذا المستوى يمكن تفهم قرار قيادات فيدرالية اليسار، لأن المشاركة في الإنتخابات هي حق لكل الأحزاب المغربية على السواء، مادامت صناديق الإقتراع هي التعبير الأسمى عن الديموقراطية، وما دام التواصل مع المواطنين والإقتراب من آمالهم وآلامهم هو المغزى الأول للعملية...لكن على هذا التكتل اليساري الذي يحمل ما تبقى من أمل في تحقيق تطلعات المغاربة أن يكون واضحا في تقديم مشروعه السياسي وإقناع المغاربة بصدقه ونبل رسالته، وهو ما لا يمكن تحقيقه إلا من خلال الرهان على أصواتهم والوصول إلى مراكز تدبير الشأن المحلي في قرى ومدن وجهات المغرب، أما الإكتفاء ب"شرف" المشاركة فقد يتحول إلى عار يلاحق أحزاب الفيدرالية في الفترة المقبلة ويجعلها مرشحة للعودة إلى مربع الخلاف والتشرذم. وحينها ستكون كل التبريرات التي يحفظها المغاربة عن ظهر قلب بسبب ترديدها باستمرار مجرد كلام في الهواء. فهل سينتهي تردد الرفاق بعد موعد 04 شتنبر؟.

 

محمد مغوتي. 26 غشت 2015.