تفاعلا مع النقاش الدائر حول توظيف الإبنة المصونة للسيد رئيس الحكومة، وإغراق أسلاك الوظيفة العمومية بشبيبة حزبه ودراعه الدعوي ...
بداية أريد أن أوضح نقطة مهمة، أنني لست من هواة الفضائح، وليس لي غرض في تصفية حسابات ضيقة مع أحد. لكن انتمائي الطبقي يحتم علي الدفاع عن شريحة واسعة من أبناء الشعب ممن يتقاسمون معي هذا الموقع ...
عندما استلم السيد بنكيران مفاتيح " الحكم " سنة 2011 كانت أولى قراراته إعلان حرب مفتوحة على حركة المعطلين بالمغرب وعلى الوظيفة العمومية، ومن أجل ذلك :
- جند كل وسائل الإعلام العمومية المرئية والمسموعة والمكتوبة من أجل التشهير بالمعطلين، واصفا إياهم بأقدح النعوت من كسل وخلل في الدماغ ...
- جند كتيبة إلكترونية كبيرة من شبيبة حزبه وراء الحواسيب، وأوكل لها مهمة واحدة مهاجمة كل شيء متعلق بالمعطلين وسبهم وشتمهم ...
- لم تفوت قيادات الحزب فرصة واحدة من الفرص التي أتيحت لهم خلال لقاء ما دون إثارة موضوع المعطلين، واصفين مطالبهم بعين الفساد والريع الوظيفي ...
وطبعا كانت الأرضية المؤطرة لهذا الهجوم المنظم هي دستور سنة 2011 والمادة 22 من قانون الوظيفة العمومية، من خلال الحديث عن المساواة وتكافىء الفرص. وقد لاق هذا الخطاب في البداية نوعا من القبول في المجتمع خاصة مع بداية التجربة والشعارات التي رفعت أنذاك عن محاربة الفساد والإستبداد، بالإضافة إلى ما كانت تعيشه أسلاك الوظيفة العمومية نفسها من ريع سياسي وفوضى جراء التوظيفات المشبوهة للشبيبات الحزبية والأقارب واستعمال كل وسائل المال والمحسوبية وبخاصة مع اقتراب موعد كل انتخابات في المغرب. حيث تتحول المناصب المالية إلى أوراق انتخابية رابحة وكل ذلك طبعا تحث اشراف وزارة الداخلية ...
ومن أجل الوصول إلى الأهداف الحقيقية والتي سنتحدث عنها بعد حين، استعمل بنكيران وأتباعه خطاب المظلومية من أجل استمالة الرأي العام عبر الحديث عن وجود خصوم وهميين " الدولة العميقة, التماسيح, العفاريت, جيوب المقاومة ..." والذين يريدون عرقلة إصلاحهم المنشود وبأن حركة المعطلين تمولها جهات خارجية وصلت حد اتهامهم بأنهم " خدامين عند البام ب 10 دراهم في اليوم".
من جهة ثانية كان للخطاب التبريري حظوة كذلك في هذا النقاش، عبر الحديث عن التوازنات الماكرواقتصادية. وبأن هناك صعوبات مالية كبيرة يتحتم معها انتهاج سياسة التقشف، وليس السبيل إلى ذلك سوى التقليص من عدد المناصب المالية في الوظيفة العمومية على اعتبار أن كتلة الأجور تستنزف ميزانية الدولة، وبأن مداخيل الدولة الجبائية لا يمكنها أن تغطي العجز الحاصل في الميزانية، مما تضطر معها الحكومة إلى الإستدانة الخارجية وهذا ما يحد من قدرة الإقتصاد المغربي على النمو ...
والحقيقة أن كل ما سبق لا يمثل سوى الشجرة التي أخفت المخطط الحقيقي للدولة والمتمثل في الإجهاز على الوظيفة العمومية، وما الحكومة سوى الفم الذي أكلت به الدولة الشوك مقابل طبعا امتيازات ريعية ومصالح شخصية بدأت تظهر حاليا وبالمكشوف " فيلا تحث غطاء هدية, وظائف وتعيينات تحث غطاء القانون, سيارات وفنادق تحث غطاء المصلحة العامة ..."، إن هذا المشروع يمكن تلخيصه بشكل مقتضب، أنه يدخل في إطار مسلسل ومخطط ممنهج يهدف الى تدمير الوظيفة العمومية ،وسد كل الأبواب أمام أبناء الشعب من المعطلين عن العمل من خريجي الجامعات والمعاهد العليا والتقنية من ولوج أسلاك الوظيفة العمومية والإدماج والترسيم والترقي وضمان الاستقرار الوظيفي بها لتتحول الوظيفة إلى مجال للمتاجرة والتعاقد المباشر مع الزبناء والمقربين والمنتسبين للحزب تحت مبررات الخبرة والكفاءة لانجاز المشاريع...
وسنستعرض هنا بعض النقاط الرئيسية حول ما سبق :
- عسكرة الجامعات المغربية تحث دريعة العنف الجامعي، والحقيقة أن المستهدف الرئيسي هو الحركة الطلابية ونضالاتها ضد مخطط التخريب الجامعي وخوصصة التعليم، والهدف طبعا هو تحويل الجامعة المغربية إلى أداة لإنتاج يد عاملة تقنية طيعة لخدمة مشاريع التحالف الطبقي المسيطر، وأن تصبح قطاعا لإنتاج "مثقفوقراطية" طيعة تتكلف بممارسة عدة أدوار سلطوية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والرمزية، وبإدارة وصيانة "الثقافة الرسمية"، والتي لا يمكن لها أن تنتشر وتدوم إلا عن طريق تشويه وتدجين وتخريب أهم مكتسبات العقل والفكر والعلم في عالم اليوم. وبهذه الطريقة تجتث الدولة أحد روافد الحركة النضالية بالمغرب وتقطع الطريق أمام إمداد الحركات الإحتجاجية بالمغرب بالمناضلين ...
- ضرب حركة المعطلين من خلال تشويه وتسفيه مشروعية نضالاتها، عبر محاصرتها إعلاميا وميدانيا. والهدف طبعا إخلاء الطريق من كل المعيقات الإحتجاجية لتمرير قوانين تخريب الوظيفة العمومية، وعلى رأسها طبعا قوانين تخريب التقاعد ...
- تمرير قانون التعاقد مع الإدارة العمومية، والهدف طبعا قتل العمل النقابي وأي فعل احتجاجي سيقابله الطرد لا محال ...
لقد كانت الوظيفة العمومية ولا زالت أداة مخزنية للضبط الإجتماعي عبر تسخيرها لغير أهداف المرفق العام، بداية من جعلها جهازا أمنيا استخباراتيا لجمع المعطيات عن الموطنين إلى توظيفها في الصراعات السياسية والإنتخابوية عبر جعلها آلية لتوزيع الريع والمال العام على المقربين والموالين للنظام والأحزاب المخزنية ( وهذا ما يفسر العدد الكبير للموظفين الأشباح واستشراء المحسوبية والزبونية ...)، كما كانت الوظيفة العمومية مرتعا للجهلة ولشراء الذمم ...
في الأخير أريد أن أشير إلى نقطة مهمة. أن واضعي القوانين يملكون حق العزف على أوثارها، وأن القوانين وجدت لخدمة واضعيها.
إن الريع الحقيقي هو الذي يوجد تحث غطاء القانون ولنا في الإدارة العمومية باع طويل، ولشبيبة الحزب والجاهلين أقول :
إذا كان ربُ البيتِ بالطَبلِ ضارباً .... فشيمةُ أهلِ البيت كلهم الرقصُ.