حميد المهدوي ـ عندما يموت رئيس فريق برلماني سابق وزعيم تيار سياسي  في حزب عريق مثل حزب " الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية" وسط مرجة مائية في ظروف غامضة، دون أن تخضع جثته للتشريح الطبي، وسيارته للفحص التقني، وهاتفه المحمول لتحليل مكالماته الهاتفية، ومن دون أن تتم الدعوة إلى تشكيل لجنة برلمانية لتقصي الحقائق في ظروف وملابسات هذا المصاب الجلل.

وعندما يتهم رئيس فريق برلماني، ينتمي للحزب الذي يقود الحكومة، من داخل مؤسسة البرلمان، برلمانيين بتلقي رشوة تصل قيمتها إلى 20 مليون درهم من شركة للتبغ، مقابل تمرير مقترح قانون لخفض الضريبة على التبغ، ولا يسارع وزير العدل والحريات، إلى فتح تحقيق بشأن هذه الاتهامات الخطيرة...

وعندما تُنقل جثث مواطننين جرفتهم مياه الفيضان، على مثن شاحنة للقمامة، دون احترام حرمة هذه الجثت، ولا يجتمع برلمان بشكل طارئ ولا يفد وزير الداخلية لجنة تحقيق، فمعنى كل هذا أنه ليس هناك لا دولة ولا هم يحزنون.

هل يعقل أن ان يموت الزايدي بتلك البشاعة دون أن تقدم له المساعدة في الوقت المناسب وهو الذي استجدى المساعدة قبل أن يواجه مصيره؟ هل يُعقل أن تصدر عن برلماني كل تلك الاتهامات الخطيرة دون أن يفتح تحقيق في الموضوع؟ وهل أصبحت جثت الأموات المغاربة بدون حرمة إلى الحد الذي يتم فيه تدنيس جثتهم في شاحنة لنقل الأزبال؟ هل يعقل أن يحدث كل هذا في مغرب ما بعد 20 فبراير وخطاب 9 مارس، ودستور فاتح يوليوز؟

النخبة المنافقة المنبطحة، هي أصل المشكل في المغرب، لقد كبلها الريع والخوف، وهي سبب النكبات والنكسات التي يعيشها المغاربة، اليوم، فلو كانت تمتلك قليلا من الشجاعة، وتجهر بالحق، لما كنا أمام كل هذه الفظائع والانكسارات.

المؤسسة الملكية في المغرب مسؤولة بشكل كبير عما  يجري في البلد، رئيس الحكومة عبد الإله بنيكران، قالها، وليتحمل كل واحد مسؤوليته : الملك هو من يحكم في المغرب لا يمكن أن اكذب على المغاربة".

هذا قول رئيس الحكومة، وهو بحكم موقعه، أدرى بما يقول، ولا يمكن أن يزايد على الملك في هذا المستوى، ومع ذلك تجد النخبة المنافقة، مترددة منبطحة، في مواقفها، مما يجشع على تكرار المآسي في المغرب، مادامت المؤسسة الملكية، لا تجد من ينتقدها.

وعندما نتحدث عن المؤسسة الملكية، بهذه الطريقة، فليس معناه رفضها أو الاستعاضة عنها بمؤسسة أخرى، أو التحريض عليها، وإنما نحاول تقويمها وحمل النخبة المنافقة المنبطحة على ضرورة انتقادها، لأنها العامل الحاسم في الحياة المغربية.

فالملك بمقتضى الفصل 42 من الدستور هو رئيس الدولة والساهر على حسن سير المؤسسات، واحترام الدستور، وعندما يتهم برلماني زملاءه، داخل مؤسسة دستورية، بتلقي رشاوى، ولا يحرك رئيس النيابة العامة مصطفى الرميد تحقيقا وبحثا في الموضوع، ولا يتدخل رئيس الحكومة، فإن الملك رئيس المجلس الأعلى للقضاء، والذي هو رئيس رئيس الحكومة، يكون ملزما بالتدخل، بل وبمتابعة الرميد بتهمة "إنكار العدالة".

وعندما يرى الملك جثت مواطنيه تنقل في شاحنات الأزبال، ولا يفتح رئيس النيابة العامة تحقيقا ولا يجتمع البرلمان بشكل طارئ، ولا يفد وزير الداخلية لجنة تحقيق، فإن الملك ملزم بقلب الطاولة على الجميع مادام هو الضامن لحقوق المواطنين بمقتضي الدستور، وليس هناك حق أكثر من أن يكرم الإنسان في مماته.

مؤسف جدا أن نرى المواطنين ينقلون في شاحنات "الأزبال" وأنظار العالم تتجه لمراكش، بعد أيام قليلة، حيث ستحتضن المنتدى العالمي لحقوق الانسان، ومؤسف أيضا أن يعبث برلماني  على مسامع وزير العدل ورئيس الحكومة بالقانون والدستور ومؤسسة دستورية كالبرلمان، كما هو مؤسف أن يموت رئيس فريق برلماني بتلك الطريقة المسئية جدا لصورة الدولة المغربية، مؤسف جدا...

بكلمة صادقة، إن الوطن "يُذبح"، وإننا نختنق رداءة وبؤسا، وعلى الملك أن يتدخل، قبل فوات الأوان.